الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
قوله :﴿فمن يرد(١) الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام﴾ الآية [ ١٢٦ ].
من قرأ ( ضَيْقاً ) بالتخفيف(٢)، فيحتمل أن يكون مخففا ( ضيق )، مثل ( ( ميْت، ( وميّت ) )(٣)، ويحتمل أن مصدر ( ضاق ضيقا )(٤).
ومن قرأ ( حرجا ) بالكسر(٥)، فهو اسم الفاعل ل( حَرِجَ يَحَرجُ، فهو حَرِجٌ )، ومن فتحه(٦) جعله مصدرا ل( حَرِجَ حَرَجاً )(٧).
ومعنى الكسر : ضَيقاً ( ضيّقاً )(٨)، وهو الذي قد ضاق فلم يجد منفذا إلا أن يصعد في السماء، وليس يقدر على ذلك(٩). ومن فتح جعله صفة ل( ضيقا )، كما يقال :( رجلٌ عدْلٌ ) و( رضى )، فكأنه(١٠) يجعل صدره شديد الضيق(١١).
ومعنى الآية : من يرد الله أن يهديه للإيمان، ﴿يشرح صدره﴾ أي : يفسحه ويهون عليه(١٢) ويُسَهّله(١٣).
قال النبي عليه السلام – وقد سُئِلَ عن هذه الآية : إذا دخل النور القلب، انفسح(١٤) وانشرح، قالوا : هل لذلك من علامة تعرف ؟. قال : نعم، الإنابة(١٥) إلى دار الخلود، و( التجافي عن )(١٦) دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزول الموت(١٧).
وقال ابن جريج :( ﴿يشرح(١٨) صدره للإسلام﴾ بلا إله إلا الله )(١٩).
﴿ومن يرد أن يضله﴾ أي : إضلاله عن سبيله، ﴿يجعل صدره ضيقا﴾ بخذلانه إياه، وغلبة(٢٠) الكفر عليه(٢١).
والحرج : أشد الضيق، وهو الذي لا ينفذه من شدة(٢٢) ضيقه شيء )، وهو – هنا –الصدر الذي لا تصل إليه موعظة(٢٣)، ولا يدخله نور الإيمان، وأصل ( حرجا )(٢٤) أنه جمع ( حَرَجَة ) وهي الشجرة الملتف بها الأشجار، لا يدخل(٢٥) بينها وبينها شيء من شدة التفافها(٢٦).
وسأل عُمَرُ رجلا من العرب فقال له : ما الحرجة فيكم ؟، فقال(٢٧) : الحرجة فينا : الشجرة تكون بين الأشجار التي لا تصل إليها راعيةٌ ولا وحشيّة ولا شيء، فقال عمر : وكذلك قلب(٢٨) المنافق لا يصل إليه شيء من الخير(٢٩).
وقال مجاهد : معنى ﴿ضيقا حرجا﴾ : شاكا(٣٠). وقال قتادة : ملتبسا(٣١) وقال ابن جبير : لا يجد الإيمان إليه منفذا ولا مسلكا(٣٢).
وهذه الآية ( من )(٣٣) أدل دليل(٣٤) على أن قدرة الطاعة غير قدرة المعصية، وأن كلا القدرتين من عند الله تعالى، لأنه أخبر أنه يشرح صدر من أراد ( هدايته، ويضيق صدر من أراد )(٣٥) دَفْعَهُ عن الإيمان، فَتَضْيِيقُه(٣٦) للصدر منع(٣٧) الإيمان، ولو كان يوصل إلى الإيمان مع تضييق الصدر عنه، لم يكن بين تضييقه وشرحه فرق(٣٨).
وقوله :﴿كأنما يصعد في السماء﴾ : هذا مثل ضربه(٣٩) الله لصدر الكافر في شدة ضيق صدره عن قبول الإٍسلام ونفوره عنه، فهو بمنزلة من تكلَّف ما لا يُطِيقُهُ، كما أن من تكلَّف صعود السماء تكلَّف ما لا يُطَاق(٤٠).
ومعنى التشديد – على قراءة من شدد(٤١) : أنه أتى به على ( يَتَفَعَّل )(٤٢) ثم أدغم(٤٣) كأنه يتكلف شيئا بعد(٤٤) شيء، وكُلُّه لا يطيقه(٤٥).
(٤٦) ومن قرأ ( يصّاعد )(٤٧) أراد ( يتصاعد )(٤٨)، ثم أدغم(٤٩)، ومعناه : كأنه يتعاطى ما لا يقدر عليه، لأن الله قد خذله عن أن يقبل الإيمان، وضيّق صدره عن قبوله(٥٠).
وتحقيق معنى ﴿ضيقا حرجا﴾ – فيمن كسر - : ضيّقا جدا، كقولك(٥١) :( مريض دَنِفٌ )(٥٢). ومن فتح فمعناه : ضيقا ذا حرج، كقولك :( رجل عدلٌ )، أي : ذو عدلٍ(٥٣).
( والرجس ) هنا :( ما لا خير فيه )(٥٤)، قاله مجاهد(٥٥).
وقال ابن زيد :( الرجس : عذاب الله )(٥٦).
وقال بعض البصريين : الرِّجزُ والرجس : العذاب(٥٧) والرّجس ( و )(٥٨) النجس : الشيء القذر(٥٩). وقيل :( الرجس : اللعنة في الدنيا والعذاب في الآخرة(٦٠) ).
١ ب: يريد..
٢ هي قراءة ابن كثير وأبي عمرو في رواية عقبة عنه، في السبعة ٢٦٨..
٣ ب: مية ومية: و(سكنه هو ينوي معنى التحريك والتشديد) تفسير الطبري ١٢/١٠٧، وانظر: حجة ابن خالويه ١٤٩، وحجة ابن زنجلة ٢٧١..
٤ انظر: تفسير الطبري ١٢/١٠٧..
٥ هي قراءة ابن علي وعمر في معاني الفراء ١/٢٥٣، وعامة قرأة المدينة في تفسير الطبري ١٢/١٠٦، ونافع وعاصم في رواية في السبعة ٢٦٨..
٦ الظاهر من الطمس في (ا) أنها كما أثبت. ب د: فتح، (وهي قراءة قامة المكيين والعراقيين... ويأيتهما (الفتح أو الكسر) قرأ القارئ، فهو مصيب، لاتفاق معننيهما (تفسير الطبري ١٢/١٠٦، ١٠٧، وفي (السبعة) أنها قراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي وعاصم في رواية ٢٦٨..
٧ انظر: إعراب النحاس ١/٥٧٩، وحجة ابن خالويه ١٤٩، وإعراب مكي ٢٦٩، والكشف ١/٤٥٠..
٨ ساقطة من ب د..
٩ انظر: غريب ابن قتيبة ١٦٠..
١٠ ب د: حكاية..
١١ انظر: إعراب النحاس ١/٥٧٩..
١٢ ب د: عليه ذلك..
١٣ انظر: تفسير الطبري ١٢/٩٨..
١٤ ب: انفسخ..
١٥ ب د: الأناية..
١٦ ب: النجا في عز..
١٧ انظر: تفسير الطبري ١٢/١٠١، وهو في معاني الزجاج باختلاف يسير، وأن السائل هو ابن مسعود ٢/٢٨٩..
١٨ د: تشرح..
١٩ تفسير الطبري ١٢/١٠٣..
٢٠ ب د: غلبت..
٢١ انظر: تفسير الطبري ١٢/١٠٣..
٢٢ د: شدة..
٢٣ ب: من عظة..
٢٤ ب د: حرج..
٢٥ د: يدخلها..
٢٦ انظر: تفسير الطبري ١٢/١٠٣، ١٠٤، وانظر: تفسير ابن عباس للحرج في معاني الفراء ١/٣٥٣. وهو قول أهل اللغة في معاني الزجاج ٢/٢٩٠، وانظر: الكشف ١/٤٥٠، ٤٥١..
٢٧ ب د: فقال له..
٢٨ د: قلب الكافر و..
٢٩ انظر: تفسير الطبري ١٢/١٠٤، والرجل الذي سأله عمر راع من كنانة في الكشف ١/٤٥٠، ٤٥١..
٣٠ انظر: تفسير الطبري ١٢/١٠٥، وحجة ابن خالويه ١٤٩..
٣١ د: متلبسا وانظر: تفسير الطبري ١٢/١٠٥..
٣٢ انظر: تفسير الطبري ١٢/١٠٥..
٣٣ مستدركة في (أ) فوق السطر داخل المتن، ساقطة من ب د..
٣٤ ب: دليلا..
٣٥ ساقطة من ب د..
٣٦ ب: فتضيقه..
٣٧ د: مع..
٣٨ انظر: تفسير الطبري ١٢/١٠٨..
٣٩ د: ضرب..
٤٠ انظر: تفسير الطبري ١٢/١٠٩، ومعاني الزجاج ٢/٢٩٠، والكشف ١/٤٥١..
٤١ هي قراءة (عامة قرأة أهل المدينة والعراق) في تفسير الطبري ١٢/١١٠..
٤٢ ب: بتفعل..
٤٣ مخرومة الآخر في (أ)، والظاهر أنها: اندغم. والإدغام هنا (التاء في الصاد) تفسير الطبري ١٢/١١٠، ومعاني الزجاج ٢/٢٩٠..
٤٤ مخرومة في أ، د: فعد..
٤٥ الظاهر من الخرم في (أ) أ، ها كما أثبت، د: يضيقه، وانظر: حجة ابن خالويه ١٤٩، والكشف ١/٤٥١..
٤٦ بعضها مطموس مع بعض الخرم..
٤٧ ب: يصاد وهي قراءة (عاصم في رواية أبي بكر) في السبعة ٢٦٩، وقال الطبري في تفسيره ١٢/١١٠: (وقرأ ذلك بعض الكوفيين)..
٤٨ ب: فيصاعد. وانظر: معاني الفراء ١/٣٥٤..
٤٩ أي: (التاء في الصاد) تفسير الطبري ١٢/١١٠، ومعاني الزجاج ٢/٢٩٠، وحجة ابن زنجلة ٢٧١..
٥٠ انظر: الكشف ١/٤٥١..
٥١ د: كقوله..
٥٢ انظر: معاني الفراء ١/٢٥٣، ٢٥٤، ومعاني الزجاج ٢/٢٩٠..
٥٣ انظر: معاني الزجاج ١/٢٩٠..
٥٤ ب د: فيه الرجس..
٥٥ تفسيره ٣٢٨، وتفسير الطبري ١٢/١١١..
٥٦ تفسير الطبري ١٢/١١١..
٥٧ انظر: تفسير الطبري ١٢/١١٢، وهو قول أبي عبيدة في مجازه ١/٢٠٦..
٥٨ ساقطة من ب د..
٥٩ انظر: تفسير الطبري ١٢/١١١، ١١٢..
٦٠ هو قول الزجاج في معانيه ٢/٢٩٠..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى