تيسير التفسير — إبراهيم القطان

عن الكتاب
المعشر: النفر والقوم. الرهط: الجمع من الرجال. استكثر الشيءَ: اخذذ منه الكثير أولياؤهم: الذين تولوهم اي أطاغوهم في وسوستهم. إلاستمتاع بالشيء: الانتفاع به طويلا. بلغنا اجلنا: وصلنا يوم البعث والجزاء. المثوى: مكان الإقامة. الخلود: المكث الطويل غير المحدود.
في الآيات السابقة بين الله حال الذين سلكوا صراطه المستقيم، وان الله شرح صدورهم، وجزاؤهم الجنّة، فهم في كفالة ربهم ناعمون. وهنا يعرض سبحانه وتعإلى حالَ الذين سلكوا طريق الشيطان. وهو يعرض يوم الحشر في القيامة وما فيه من هول، في مشهد حيّ حافل بالحوار، فيقول:
﴿وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يا معشر الجن قَدِ استكثرتم...﴾.
يوم يحشر الله تعالى الخلق جميعا من إنس وجنّ، ويقول جل جلالُه: يا معشر الجن، قد أكثرتُم من إغراء الأنس حتى تَبعكم منهم عدد كثير. فيقول الذين أتبغوهم من الانس ﴿رَبَّنَا استمتع بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾ ربنا، لقد انتفع بعضُنا ببعض، واستمتعنا بالشهوات، وبما كان لنا في طاعتهم ووسوستهم من اللذّة والانغماس في الشهوات، ﴿وَبَلَغْنَآ أَجَلَنَا الذي أَجَّلْتَ لَنَا﴾ ثم إننا قد وصلنا الى الأجل الذي حدّدته لنا، وهو يوم البعث والجزاء، وقد اعترفنا بذنوبنا فاحكُم فينا بما تشاء.
وما هذا الاعتراف الا من نوع الحسرة والندامة على ما كان منهم من التفريط في الدنيا.
فيقول جل جلاله:
﴿قَالَ النار مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَآ إِلاَّ مَا شَآءَ الله﴾.
ان النار منزلكم ومقركم خالدين فيها الا ما شاء الله ان ينقذهم، فكل شيء بمشيئته واختياره، فله السلطان الكامل، ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ﴾ وهو حكيم فيما يفعل ويختار، عليم بما يستحقه كل من الفريقين.
وفي قوله تعالى ﴿إِلاَّ مَا شَآءَ الله﴾ فسحةٌ كبيرة وبشرى عظيمة بسعةِ حلمه ورحمته، انه غفور رحيم.
﴿وكذلك نُوَلِّي بَعْضَ الظالمين بَعْضاً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾.
ومثلُ ذلك الذي ذُكر من استمتاع الياء الانس والجن بعضهم ببعض، نولي بعض الظالمين بعضاً بسبب ما كانوا يكسِبون من الكبائر والجرائم.
روى أبو الشيخ عن منصور بن أبي الأسود قال: سألت الأعمش عن قوله تعالى ﴿وكذلك نُوَلِّي بَعْضَ الظالمين بَعْضاً﴾ قال: معناه كما سمعتُ من أشياخي: «إذا فسد الناس أُمِّرَ عليهم شِرارهم. وذلك ان الحكّام يتصرفون في الأمم الجاهلة الضالّة تَصَرُّفَ رعاة السوءِ في الأنعام السائمة».
ولذلك تفرَّد الإسلام بوضع هذا الدستورالعظيم، جعل أمر الأُمة بين أهل الحلّ والعقد، وأمَر الرسولَ بالمشاروة، لئلا يتفرّد بالحكم طاغية يتحلل من الرقابة.
وأنما يولّي الله الناسَ بأعمالهم، فالمؤمن وليُّ المؤمن من إين كان وحيثما كان، والكافر وليُّ الكافر من اين كان وحيثما كان. وهذا ما نشاهده الآن من تجمُّع اولياء الشياطين من الكفار من صليبيّين وصهيونيين وغيرهم.
وكلهم في صفِّ واحد ضد الإسلام والمسلمين، وهم يدعمون اليهود ويساعدونهم لك ما لديهم من قوة وسلاح كما تفعل أمريكا في الوقت الحاضر، وبريطانينا قبلها، ليحاربوا المسلمين ويسلبوا وطنهم ومالهم. إنه تجمُّع يتجلّى فيه قولُه سبحانه: ﴿وكذلك نُوَلِّي بَعْضَ الظالمين بَعْضاً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾.
والله سبحانه وتعالى غالبٌ على أمره، وقد بشّرنا بقوله:
﴿إِن تَنصُرُواْ الله يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾.
ونحن نأمل في أن تتجمَّع قوى المسلمين على قلب واحد، لهدف واحد هو تخليص أرضنا المقدسة، فلسطين، من براثن الأعداء.
قراءات:
قرأ فحصل عن عاصم، وروح عن يعقوب: «يحشرهم» بالياء، كما هو في مصحفنا. وقرأ الباقون «نحشرهم» بالنون.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى