كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني

عن الكتاب
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾ ؛ أولُ هذه الآية راجعٌ إلى ما قبلِها، كأنهُ قال : افْتِرَاءً عَلَى اللهِ وَهُوَ الَّذِي أنْشَأَ جَنَِّاتٍ ؛ أي هو الذي خَلَقَ بساتينَ مَعْرُوشَاتٍ ؛ وهي الكُرُومُ رَفَعَ بَعْضَ أغصانِها على بعضٍ، ﴿وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾ وهي الشَّجَرُ والزَّرْعُ وكلُّ ما لا يرتفعُ بعضُه على بعضٍ، هكذا رُويَ عنِ ابنِ عبَّاس والحسنِ.
ويقالُ : معنى ﴿مَّعْرُوشَاتٍ﴾ ما لا يرفع له حيطان، ﴿وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾ ما لا يجعلُ له حائطٌ، وَقيلَ :﴿مَّعْرُوشَاتٍ﴾ ما انْبَسَطَ على الأرضِ وأنبتَ مما يُغْرَسُ مثلِ الكَرْمِ والقَرْعِ والبطِّيخِ وشَبَهِهَا، ﴿وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾ ما قامَ على سَاقٍ فطالَ مثلَ النَّخْلِ والزَّرْعِ وسائرِ الأشجار. وقال الضَّحاكُ :﴿مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾ الكَرْمُ خَاصَّةً ؛ مِنْهَا مَا غُرِسَ ؛ وَمِنْهَا مَا لَمْ يُغْرَسُ). وروي عنِ ابنِ عبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أيضاً :(أنَّ الـ ﴿مَّعْرُوشَاتٍ﴾ ما نَبَتَهُ النَّاسُ، ﴿وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾ مَا أُخِذ مِنْ الْبَرَاري وَالْجِبَالِ مِنَ الثِّمَار). يدلُّ عليه قراءة علي رضي الله عنه (مَغْرُوساتٍ وغَيْرَ مَغْرُوسَاتٍ) بالغين والسين.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ﴾ ؛ معناهُ : وأنشأَ النخلَ الزرعَ، وهذا تخصيصُ بعضِ ما دخلَ في عمومِ الأوَّل ؛ لكونِهما أعمُّ نفعاً من جملةِ ما يكونُ في البساتين. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ﴾ أي مُخْتَلِفاً جملةً من الألوان كلِّها، ومختلفٌ في الطَّعْمِ من الْحُلْوِ والحامضِ والْمُرِّ ؛ والجيِّدِ والرَّديءِ. ونُصِبَ ﴿مُخْتَلِفاً﴾ على الحال ؛ أي أنشأهُ في حالِ اختلاف أكُلِهِ. وقد يقالُ : ارتفعَ ﴿أُكُلُهُ﴾ بالابتداءِ ﴿مُخْتَلِفاً﴾ نَعْتُهُ، إلا أنه لَمَّا تقدَّمَ النعتُ على الاسمِ نُصِبَ، كما يقالُ : عندي طَبَّاخاً غُلامٌ قال الشاعرُ : الشَِّرُّ مُسْتَتِرٌ يَلْقَاكَ عَنْ غُرُضٍ وَالصَّالِحَاتُ عَلَيْهَا مُغْلَقاً بَابُقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ﴾ ؛ أي وأنْشَأَ شجرَ الزَّيْتونِ والرُّمَّانِ، ﴿مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ ؛ أي منها ما هو متشابهٌ ؛ ومنها ما هو غيرُ متشابهٌ ؛ ومنها ما هو غيرُ متشابهٍ. وَقِيْلَ :﴿مُتَشَابِهاً﴾ بالنَّظَرِ ﴿وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ في الطَّعمِ ؛ نحوُ : كالرُّمَّانَتَيْنِ لونُهما واحدٌ ؛ وطعمُهما مختلفٌ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ﴾ ؛ هذا أمرُ إباحةٍ لا أمرُ إيجابٍ، والفائدةُ في قولهِ تعالى :﴿إِذَآ أَثْمَرَ﴾ إباحةُ الأكلِ من قَبْلِ إخراجِ الحقِّ الذي وَجَبَ فيه شائعاً للمساكينِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ ؛ أي أعْطُوا حقَّ اللهِ تعالى يَوْمَ يُحْصَدُ، أرادُوا العُشْرَ فيما سَقَتْهُ السَّماءُ، ونِصْفَ الْعُشْرِ فيما سُقِيَ بغرب ودَالِيَةٍ. قال ابنُ عبَّاس والحسنُ وقال ابنُ عمر رضي الله عنه :( ﴿وَآتُواْ حَقَّهُ﴾ مَا يَتَطَوَّعُ بهِ الإِنْسَانُ عِنْدَ رَفْعِ الْغُلَّةِ وَالتَّصَدُّقُ بهِ).
قال مجاهدُ :(إذا حَصَدْتَ فَحَضَرَكَ الْمَسَاكِيْنُ، فَاطْرَحْ لَهُمْ مِنْهُ، وَإذا دَرَسْتَهُ وَذرَّيْتَهُ فَاطْرَحْ لَهُمْ مِنْهُ، فَإذا عَرَفْتَ كَيْلَهُ فَأَخْرِجْ زَكَاتَهُ). قال إبراهيمُ النَّخعِيُّ :(هَذِهِ الآيَةُ مَنْسُوخَةً بالْعُشْرِ وَنِصْفِ الْعُشْرِ). وفي قوله :﴿حَصَادِهِ﴾ قراءَتان بكسرِ الحاء وفتحِها.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى