اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
اعلم أنه -تعالى- لما جعل مدار هذا الكتاب الشَّريف على تقرير التَّوْحيد والنبوة والمعاد، وإثبات القضاء والقدر، وإنه تبارك وتعالى- بالغ في تَقْرِير هذه الأصُول، ثم شرح أحْوَال السُّعداء والأشْقِياء وانْتَقَل إلى تهْجِين طَريِقَة منْكِري البَعْث، ونبه على ضَعْف عُقُولِهِم، وتَنْفِير النَّاسِ عن الالْتِفَات إلى قولهم والاعْتِزَاء بشُبُهاتهم، عاد بعدها إلى المقصُود الأصْلي، وهو إقامة الدَّلائِل على تَقْرير التًّوحيد، فقال -تعالى- :﴿وَهُوَ الذي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ﴾ وهذا الدَّليل قد سبق في هذه السُّورة، وهو قوله - تعالى- :﴿وَهُوَ الذي أَنزَلَ مِنَ السماء مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩٩] فالآية المتقدمة ذكر فيها خَمْسة أنواع : وهي الزَّرع، والنخل، وجنَّات من أعْناب، والزيتون والرُّمَان، وذكر في هذه الآية الكريمة [ هذه الخمسة وقال :] " مشتبهاً وغَيْر مُتَشَابِه " وهنا " مَتَشابِهاً وغير مُتَشَابه " وذكر في الآية المتقدمة :" انْظُرُوا إلى ثَمَرِهِ إذَا أثْمَر وينعهِ " وذكر في هذه الآية :" كُلُوا مِنْ ثَمَره إذا أثْمر وآتوا حقَّهُ يوم حَصَادِهِ " فأذن في الانتفاع بها، وأمر بِصَرف جُزْء مِنْها إلى الفُقَراء، فالذي حَصَل به الامْتِيَاز بين الآيتين : أن هُنَاك أمر بالاسْتِدْلال بها على الصَّانع الحكيم وههنا أذن في الانْتِفَاع بها، وذلك تَنْبِيهٌ على أن الأمْرَ بالاسْتِدْلال بها على الصَّانِع الحَكيم مقدَّم على الإذن في الانتفاع، لأن الاستدلال على الصَّانِع يَحْصُل به سعادة أبدية، والانتفاع يحصل به سعادة جُسْمانِيَّة سريعة الانْقضَاء والأول أولى بالتَّقْديم.
وقال القرطبي(١) : ووجه اتِّصَال هذا بما قَبْلَه : أن الكُفَّار لما افْتَروا على الله الكذب، وأشْركُوا معه وحَلَّلُوا أو حَرَّمُوا، دَلَّهم على وحْدانِيَّته بأنه خَالِق الأشْيَاءِ، وأنه جَعَل هذه الأشْيَاء أرْزَاقاً لهُمْ.
قوله :" أنْشَأ جَنَّاتٍ " أي : خَلَقها، يقال : نشأ الشَّيْء يَنْشَأ ونَشْأه ونَشَاءَةً، إذا ظهر وارتفع، والله يُنْشِئُه إنْشَاءً، أي : يُظْهرُه ويرفعه.
وقوله :" مَعْرُوشَاتٍ " يقال : عَرَشْت الكَرَم أعْرِشُه عَرْشاً وعَرَّشْهُ تَعْريشاً إذا عطفت العيدان الَّتِي تُشَال عليها قُضْباَن الكَرْم، والواحِدُ عَرْشٌ، والجمع عُرُوشٌ، ويُقَال : عَرِيش وجمعه عُرُش، واعْتَرش العِنَبُ العَرِيش اعْتِرَاشاً، وفيه أقوال :
أحدها : قال الضَّحَّاك : إن المَعْرُوشاتِ وغَيْر المَعْرُوشَاتِ كلاهما الكَرْم(٢) ؛ فإن بَعْضَ الأعناب يُعَرَّش وبَعْضُها لا يُعَرَّش، بل يَبْقَى على وجْهِ الأرْضِ مُنْبَسِطاً.
وثانيها : المَعْرُوشات : العِنَب الَّتِي يجعل لها عُرُوش، وغير المعروشات : كُلُّ ما يَنْبُت منَبِسطاً على وَجْه الأرض ؛ مثل القَرْع والبطِّيخ(٣).
وثالها : قال ابن عبَّاس- رضي الله عنهما- :" المَعْرُوشات : ما يُحْتَاجُ أن يتَّخذ له عَرِيشٌ يحمل عَلَيْه ؛ مث الكَرْم والبطِّيخ والقَرْع وغيرها، وغير المَعْرُوش : هو القَائِم على سَاقِهِ كالنَّخْلِ والزَّرْع(٤).
ورابعها : المَعْرُوشات : ما يَحْصُل في البَسَاتين والعمرانات مما يغرسه النَّاسِ، وغير المعروشات : مما أنْبَتَهُ اللَّه-تبارك وتعالى- وجني في البَرَارِي والجِبَال.
والزَّرغ والنَّخْل ؛ فسر ابن عبَّاس - رضي الله عنهما- الزَّرْع هَهُنا : لجميع الحُبُوب التي تقْتَات(٥)، أي : وأنْشَأ الزَّرْع، وأفْرِدا بالذِّكر وهما دَاخِلان في النِّبات ؛ لما فيهما من الفَضِيلَة على ما تقدَّم بيانه في البقرة عند قوله - تعالى- :﴿مَن كَانَ عَدُوّاً للَّهِ﴾ [البقرة: ٩٨].
قوله - تعالى- :﴿مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ﴾ : مَنْصُوب على الحَالِ وفيها قولان :
أحدهما : أنها حَالٌ مُقَدَّرة ؛ أن النَّخْل والزرع وَقْت خروجهما لا أكْلَ فِيهمَا ؛ حتى يقال فيه : مُتَّفِقٌ أو مُخْتَلِف ؛ فهو كقوله -تبارك وتعالى- :﴿فادخلوها خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]، وكقولهم :" مَرَرْت برجُلٍ معه صَقْرٌ صَائِداً به غداً " أي : مُقَدِّراً الاصطِيَاد به.
والثاني : أنها حَالٌ مُقَارِنَة، وذلك على حَذْفِ مُضَافٍ، أي : وثمر النَّخْل وحَبُّ الزَّرع، و " أكُلُه " مَرْفُوعٌ ب " مُخْتَلِفاً " [ لأنه اسْم فاعل، وشروط الإعْمَال مَوْجُودة، والأكُل : الشَّيْء المَأكُول، وقد تقدَّم أنه يُقْرأ بضمّ الكافِ وسُكُونها، ومضى تحقيقُه في البقرة :[ ٢٦٥ ]، والضَّمِير في " أكُله " الظاهر أنَّه يَعُودُ على الزَّرْعِ فقط :
إمَّا لأنَّه حذف حالاً من النَّخْلِ ؛ لدلالة هذه عَلَيْه، تقديره : والنَّخْل مُخْتَلِفاً أكُلُه، والزَّرْع مُخْتَلِفاً ](٦) أكله.
وإمَّا لأن الزَّرع هو الظَّاهِر فيه الاخْتِلافُ بالنِّسْبَة إلى المأكُول مِنْه ؛ كالقَمْح والشَّعِير والفول والحِمص والعَدس وغير ذلك.
وقيل : إنها تعود عليهما.
قال الزَّمَخْشَرِيُّ(٧) : والضَّمِير للنَّخْل والزَّرع داخل في حُكْمِهِ، لكونه مَعْطُوفاً عليه.
وقال أبو حيّان(٨) : وليس بِجيِّد ؛ لأن العَطْف بالواوِ، ولا يَجُوز إفْرَاد ضَمير المتَعَاطِفين.
وقال الحُوفِيُّ :" والهاءُ في " أكُلُه " عائدة على ذِكْر ما تقدَّم من هذه الاشْيَاء المُنْشَات " وعلى هذا الذي ذكرَهُ الحوفي : لا تخْتَصُّ الحَالُ بالنخل والزَّرْعِ، بل يكُون لِمَا تقدَّم جَمِيعه.
قال أبو حيَّان(٩) :" ولو كَانَ كما زَعَم، لكان التَّرْكيب :" أكُلُهَا " إلا إنْ أُخِذ ذَلِك على حَذْفِ مُضَافِ، أي : ثَمَرَ جَنَّات، وروعي هذا المَحْذُوف فقيل :" أكُلُه " بالإفْرَاد على مُرَعَاته، فيكون ذلِك كَقَوْله :﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ﴾ [النور: ٤٠] أي : أو كَذَا ظُلُمات، ولذلك أعَادَ الضمير في يَغْشَاهُ عليه ".
قال شهابُ الدِّين(١٠) : فَيَبْقَى التَّقْدِير : مُخْتَلِفاً أكُل ثمر الجنَّاتِ وما بعدها، [ وهذا ] يلْزَمُ منه إضَافَة الشَّيءِ إلى نَفْسِه ؛ لأن الأكل كما تقدَّم غير مرَّة أنه الثَّمَر المأكُول.
قال الزمخشري(١١) في الأكُل :" وهُوَ ثمره الذي يُؤكَل ".
وقال ابن الأنْبَاريِّ : إن " مُخْتَلِفاً " نصبٌ على القَطْع، فكأنه قال :" والنَّخْل والزَّرْع المختلفُ أكُلُها " وهذا راي الكُوفيِّين، وقد تقدم إيضاحُه غير مرَّةٍ.
وقوله :﴿والزيتون والرّمان مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظروا إلى ثَمَرِهِ إِذَت أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذلكم لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ وقد تقدَّم إيضاحه [الأنعام: ٩٩].
قال القرطبيّ(١٢) :" والزَّيْتُون والرُّمَّان " عَطفٌ عليه، " مُتَشَابهاً وغير مُتَشَابِه " نصب على الحالِ، وفي هذه أدلَّة ثلاثة :
أحدهما : ما تقدَّم من إقَامَة الدّلِيل على أنَّ المتغيّرات لا بُدَّ لها من مُغَيِّر.
الثاني : أن الدَّلالة على المِنَّة منه -سبحانه وتعالى- علينا، فلو شَاءَ إذ خَلَقَنَا ألاَّ يَخْلُق لنا غِذَاءً، وإذا خَلَقَهُ ألاّ يَكُون جميلَ المَنْظَر طيِّب الطَّعْم، وإذا خلقَهُ كذلك ألاَّ يكون سَهْل الجَنْي، فلم يَكُن عليه أن يَفْعَل ذلك ابتداء ؛ لأنه لا يَجِب عليه شَيْء.
الثالث : الدَّلالة على القُدْرَة في أن يكُون الماءُ الذي مِنْ شَأنه الرسوب، يصعد بقُدْرَةِ علاَّم الغُيُوب من أسَافِل الشَّجَرة إلى أعاليها، حتى إذا انْتَهَى إلى آخِرِها، نشأ فيها أوْرَاق لَيْست من جِنْسِها، وثمر خَارجٌ من الجِرمْ الوَافِر، واللَّوْن الزَّاهِر، والجَنَى الجَديد، والطَّعم اللذيد ؛ فأين الطِّبَاع وأجْنَاسُها ؟ وأين الفلاسفة أنَاسُها ؟ هل في قُدْرة الطَّبيعة أن تُتقِن هذا الإتْقَان، أو تُرَتِّب هذا التَّرْتِيب العجيب ؟ كلاَّ لم يَتِمَّ ذلك في العُقُول إلاَّ بتَدبير عالمٍ قديرٍ مريدٍ، فسبحان من لَهُ في كل شيء آية ونهايةَ !
لما ذكر كيْفِيَّة خلقِهِ لهذه الأشْيَاءِ، ذكرما هُو المَقْصُود الأصْلِيُّ من خلقها، وهو انْتِفَاع المكَلَّفين ؛ فقال :" كلُوا من ثَمِرِهِِ إذَا أثْمر " واخْتَلَفُوا ما الفائدة منه ؟
قال بَعْضهُم : فائدته الإبَاحَة.
وقال آخَرُون : المَقْصُود منه إبَاحَة الأكل قبل إخْرَاج الحقِّ ؛ لأنه تعالى- لمَّا أوجَبَ الحقِّ فيه، كان يجُوزُ أن يَحْرُم على المَالِكِ تَنَاوله لِمُشَاركة المساكين، بل هذا هو الظَّاهر، فأباح هذا الأكْل وأخرج وُجُوب الحقِّ فيه من أنْ يكون مَانِعاً من هذا التَّصَرُّف(١٣).
وقال بعضهم(١٤) : بل أبَاحَ -تعالى- ذلك ليُبَيِّن أنَّ المقْصِد بِخَلْق هذه النًّعَم الأكْل، وأما تَقْديم ذكر الأكْل على التصدُّق ؛ لأن رِعَاية النَّفْسِ متقدِّمة على الغَيْر ؛ قال :﴿وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدنيا﴾ [القصص: ٧٧].
تمسَّك بَعْضُهم(١٥) بقوله :" كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إذَا أثْمَر " بأن الأصْل في المَنَافِع : الإباحة ؛ لأن قوله -تعالى- :" كُلُوا " خطاب عَامٌّ يتناول الكُلّ، فصار كقوله :﴿خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي الأرض﴾ [البقرة: ٢٩] ويكن التمَسُّك به على أنَّ الأصْل : عدم وُجوب الصّدَقة ؛ لأن من ادَّعى إيجابَهُ، كان هو المُحْتَاج إلى الدَّلِيل، فيُتَمسَّك به في أنَّ المَجْنُون إذا أفَاق في أثْنَاء الشَّهْر، لا يَلْزَمُه قَضَاء ما قَضَى، وفي أنَّ الشَّارع في صوم النَّفْل يجبُ عليه الإتمام.
قال القُرْطُبيُّ(١٦) : قوله -تعالى- ﴿كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَر﴾ هذان بناءان جاءا بصيغة أفعل. أحدهما : للإباحة ؛ كقوله :﴿فانتشروا فِي الأرض﴾ [الجمعة: ١٠]. والثاني : للوجوب، وليس يَمْتَنِع في الشَّريعة اقتران الإبَاحَة والواجب وبدأ بذكر نِعْمَة الأكْل قبل الأمر بإيتاء الحق ؛ ليبيِّن أن الابتداء بالنِّعْمَة كان من فَضْلِه قبل التكليف.
وقال ابن الخَطِيب(١٧) : وعلى أنَّ صِيغَة الأمْر ترد لِغَيْر الوُجُوب والنّدْب، وعند هذا، قال بَعْضُهم : الأصْل في الاستِعْمَال : الحَقِيقَة ؛ فوجَبَ جعل هذه الصِّيغَة مفيدةً لرفع الحَرَج ؛ فلهذا قالوا : الأمْر يقتضي الإبَاحَة إلا أن نَقُول : يُعْلَم بالضَّرُورة من لُغَة العَرَب، أن هذه الصِّيغَة تُفِيد تَرْجِيح جَانِب الفِعْل، فحملُهَا على الإبَاحة لا يُصَار إليه إلاَّ بِدَليلٍ منفصل.
قوله :" وآتوا حقه يوم حصاده " قرأ أبو عمر(١٨) وابن عامر وعاصم بِفَتْح الحاء :" حَصاده " والباقون بكسرها، وهما لُغَتَان في المَصْدَر ؛ كقولهم ؛ جَداد وجِدَاد، وقَطَاف وقِطَاف، وحَرَان وحَرَان والصِّرَام والصَّرَام.
قال سيبويه(١٩) : جاءوا بالمَصْدَر حين أرَادُوا انْتِهاء الزَّمَان على مثال :" فِعَال " وربما قَالُوا فيه :" فَعَال
وقال القرطبي(١) : ووجه اتِّصَال هذا بما قَبْلَه : أن الكُفَّار لما افْتَروا على الله الكذب، وأشْركُوا معه وحَلَّلُوا أو حَرَّمُوا، دَلَّهم على وحْدانِيَّته بأنه خَالِق الأشْيَاءِ، وأنه جَعَل هذه الأشْيَاء أرْزَاقاً لهُمْ.
قوله :" أنْشَأ جَنَّاتٍ " أي : خَلَقها، يقال : نشأ الشَّيْء يَنْشَأ ونَشْأه ونَشَاءَةً، إذا ظهر وارتفع، والله يُنْشِئُه إنْشَاءً، أي : يُظْهرُه ويرفعه.
وقوله :" مَعْرُوشَاتٍ " يقال : عَرَشْت الكَرَم أعْرِشُه عَرْشاً وعَرَّشْهُ تَعْريشاً إذا عطفت العيدان الَّتِي تُشَال عليها قُضْباَن الكَرْم، والواحِدُ عَرْشٌ، والجمع عُرُوشٌ، ويُقَال : عَرِيش وجمعه عُرُش، واعْتَرش العِنَبُ العَرِيش اعْتِرَاشاً، وفيه أقوال :
أحدها : قال الضَّحَّاك : إن المَعْرُوشاتِ وغَيْر المَعْرُوشَاتِ كلاهما الكَرْم(٢) ؛ فإن بَعْضَ الأعناب يُعَرَّش وبَعْضُها لا يُعَرَّش، بل يَبْقَى على وجْهِ الأرْضِ مُنْبَسِطاً.
وثانيها : المَعْرُوشات : العِنَب الَّتِي يجعل لها عُرُوش، وغير المعروشات : كُلُّ ما يَنْبُت منَبِسطاً على وَجْه الأرض ؛ مثل القَرْع والبطِّيخ(٣).
وثالها : قال ابن عبَّاس- رضي الله عنهما- :" المَعْرُوشات : ما يُحْتَاجُ أن يتَّخذ له عَرِيشٌ يحمل عَلَيْه ؛ مث الكَرْم والبطِّيخ والقَرْع وغيرها، وغير المَعْرُوش : هو القَائِم على سَاقِهِ كالنَّخْلِ والزَّرْع(٤).
ورابعها : المَعْرُوشات : ما يَحْصُل في البَسَاتين والعمرانات مما يغرسه النَّاسِ، وغير المعروشات : مما أنْبَتَهُ اللَّه-تبارك وتعالى- وجني في البَرَارِي والجِبَال.
فصل في معنى الزرع والنخل
والزَّرغ والنَّخْل ؛ فسر ابن عبَّاس - رضي الله عنهما- الزَّرْع هَهُنا : لجميع الحُبُوب التي تقْتَات(٥)، أي : وأنْشَأ الزَّرْع، وأفْرِدا بالذِّكر وهما دَاخِلان في النِّبات ؛ لما فيهما من الفَضِيلَة على ما تقدَّم بيانه في البقرة عند قوله - تعالى- :﴿مَن كَانَ عَدُوّاً للَّهِ﴾ [البقرة: ٩٨].
قوله - تعالى- :﴿مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ﴾ : مَنْصُوب على الحَالِ وفيها قولان :
أحدهما : أنها حَالٌ مُقَدَّرة ؛ أن النَّخْل والزرع وَقْت خروجهما لا أكْلَ فِيهمَا ؛ حتى يقال فيه : مُتَّفِقٌ أو مُخْتَلِف ؛ فهو كقوله -تبارك وتعالى- :﴿فادخلوها خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]، وكقولهم :" مَرَرْت برجُلٍ معه صَقْرٌ صَائِداً به غداً " أي : مُقَدِّراً الاصطِيَاد به.
والثاني : أنها حَالٌ مُقَارِنَة، وذلك على حَذْفِ مُضَافٍ، أي : وثمر النَّخْل وحَبُّ الزَّرع، و " أكُلُه " مَرْفُوعٌ ب " مُخْتَلِفاً " [ لأنه اسْم فاعل، وشروط الإعْمَال مَوْجُودة، والأكُل : الشَّيْء المَأكُول، وقد تقدَّم أنه يُقْرأ بضمّ الكافِ وسُكُونها، ومضى تحقيقُه في البقرة :[ ٢٦٥ ]، والضَّمِير في " أكُله " الظاهر أنَّه يَعُودُ على الزَّرْعِ فقط :
إمَّا لأنَّه حذف حالاً من النَّخْلِ ؛ لدلالة هذه عَلَيْه، تقديره : والنَّخْل مُخْتَلِفاً أكُلُه، والزَّرْع مُخْتَلِفاً ](٦) أكله.
وإمَّا لأن الزَّرع هو الظَّاهِر فيه الاخْتِلافُ بالنِّسْبَة إلى المأكُول مِنْه ؛ كالقَمْح والشَّعِير والفول والحِمص والعَدس وغير ذلك.
وقيل : إنها تعود عليهما.
قال الزَّمَخْشَرِيُّ(٧) : والضَّمِير للنَّخْل والزَّرع داخل في حُكْمِهِ، لكونه مَعْطُوفاً عليه.
وقال أبو حيّان(٨) : وليس بِجيِّد ؛ لأن العَطْف بالواوِ، ولا يَجُوز إفْرَاد ضَمير المتَعَاطِفين.
وقال الحُوفِيُّ :" والهاءُ في " أكُلُه " عائدة على ذِكْر ما تقدَّم من هذه الاشْيَاء المُنْشَات " وعلى هذا الذي ذكرَهُ الحوفي : لا تخْتَصُّ الحَالُ بالنخل والزَّرْعِ، بل يكُون لِمَا تقدَّم جَمِيعه.
قال أبو حيَّان(٩) :" ولو كَانَ كما زَعَم، لكان التَّرْكيب :" أكُلُهَا " إلا إنْ أُخِذ ذَلِك على حَذْفِ مُضَافِ، أي : ثَمَرَ جَنَّات، وروعي هذا المَحْذُوف فقيل :" أكُلُه " بالإفْرَاد على مُرَعَاته، فيكون ذلِك كَقَوْله :﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ﴾ [النور: ٤٠] أي : أو كَذَا ظُلُمات، ولذلك أعَادَ الضمير في يَغْشَاهُ عليه ".
قال شهابُ الدِّين(١٠) : فَيَبْقَى التَّقْدِير : مُخْتَلِفاً أكُل ثمر الجنَّاتِ وما بعدها، [ وهذا ] يلْزَمُ منه إضَافَة الشَّيءِ إلى نَفْسِه ؛ لأن الأكل كما تقدَّم غير مرَّة أنه الثَّمَر المأكُول.
قال الزمخشري(١١) في الأكُل :" وهُوَ ثمره الذي يُؤكَل ".
وقال ابن الأنْبَاريِّ : إن " مُخْتَلِفاً " نصبٌ على القَطْع، فكأنه قال :" والنَّخْل والزَّرْع المختلفُ أكُلُها " وهذا راي الكُوفيِّين، وقد تقدم إيضاحُه غير مرَّةٍ.
وقوله :﴿والزيتون والرّمان مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظروا إلى ثَمَرِهِ إِذَت أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذلكم لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ وقد تقدَّم إيضاحه [الأنعام: ٩٩].
قال القرطبيّ(١٢) :" والزَّيْتُون والرُّمَّان " عَطفٌ عليه، " مُتَشَابهاً وغير مُتَشَابِه " نصب على الحالِ، وفي هذه أدلَّة ثلاثة :
أحدهما : ما تقدَّم من إقَامَة الدّلِيل على أنَّ المتغيّرات لا بُدَّ لها من مُغَيِّر.
الثاني : أن الدَّلالة على المِنَّة منه -سبحانه وتعالى- علينا، فلو شَاءَ إذ خَلَقَنَا ألاَّ يَخْلُق لنا غِذَاءً، وإذا خَلَقَهُ ألاّ يَكُون جميلَ المَنْظَر طيِّب الطَّعْم، وإذا خلقَهُ كذلك ألاَّ يكون سَهْل الجَنْي، فلم يَكُن عليه أن يَفْعَل ذلك ابتداء ؛ لأنه لا يَجِب عليه شَيْء.
الثالث : الدَّلالة على القُدْرَة في أن يكُون الماءُ الذي مِنْ شَأنه الرسوب، يصعد بقُدْرَةِ علاَّم الغُيُوب من أسَافِل الشَّجَرة إلى أعاليها، حتى إذا انْتَهَى إلى آخِرِها، نشأ فيها أوْرَاق لَيْست من جِنْسِها، وثمر خَارجٌ من الجِرمْ الوَافِر، واللَّوْن الزَّاهِر، والجَنَى الجَديد، والطَّعم اللذيد ؛ فأين الطِّبَاع وأجْنَاسُها ؟ وأين الفلاسفة أنَاسُها ؟ هل في قُدْرة الطَّبيعة أن تُتقِن هذا الإتْقَان، أو تُرَتِّب هذا التَّرْتِيب العجيب ؟ كلاَّ لم يَتِمَّ ذلك في العُقُول إلاَّ بتَدبير عالمٍ قديرٍ مريدٍ، فسبحان من لَهُ في كل شيء آية ونهايةَ !
فصل في المقصود من خَلْق المنافع
لما ذكر كيْفِيَّة خلقِهِ لهذه الأشْيَاءِ، ذكرما هُو المَقْصُود الأصْلِيُّ من خلقها، وهو انْتِفَاع المكَلَّفين ؛ فقال :" كلُوا من ثَمِرِهِِ إذَا أثْمر " واخْتَلَفُوا ما الفائدة منه ؟
قال بَعْضهُم : فائدته الإبَاحَة.
وقال آخَرُون : المَقْصُود منه إبَاحَة الأكل قبل إخْرَاج الحقِّ ؛ لأنه تعالى- لمَّا أوجَبَ الحقِّ فيه، كان يجُوزُ أن يَحْرُم على المَالِكِ تَنَاوله لِمُشَاركة المساكين، بل هذا هو الظَّاهر، فأباح هذا الأكْل وأخرج وُجُوب الحقِّ فيه من أنْ يكون مَانِعاً من هذا التَّصَرُّف(١٣).
وقال بعضهم(١٤) : بل أبَاحَ -تعالى- ذلك ليُبَيِّن أنَّ المقْصِد بِخَلْق هذه النًّعَم الأكْل، وأما تَقْديم ذكر الأكْل على التصدُّق ؛ لأن رِعَاية النَّفْسِ متقدِّمة على الغَيْر ؛ قال :﴿وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدنيا﴾ [القصص: ٧٧].
فصل في بيان الأصل في المنافع
تمسَّك بَعْضُهم(١٥) بقوله :" كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إذَا أثْمَر " بأن الأصْل في المَنَافِع : الإباحة ؛ لأن قوله -تعالى- :" كُلُوا " خطاب عَامٌّ يتناول الكُلّ، فصار كقوله :﴿خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي الأرض﴾ [البقرة: ٢٩] ويكن التمَسُّك به على أنَّ الأصْل : عدم وُجوب الصّدَقة ؛ لأن من ادَّعى إيجابَهُ، كان هو المُحْتَاج إلى الدَّلِيل، فيُتَمسَّك به في أنَّ المَجْنُون إذا أفَاق في أثْنَاء الشَّهْر، لا يَلْزَمُه قَضَاء ما قَضَى، وفي أنَّ الشَّارع في صوم النَّفْل يجبُ عليه الإتمام.
فصل
قال القُرْطُبيُّ(١٦) : قوله -تعالى- ﴿كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَر﴾ هذان بناءان جاءا بصيغة أفعل. أحدهما : للإباحة ؛ كقوله :﴿فانتشروا فِي الأرض﴾ [الجمعة: ١٠]. والثاني : للوجوب، وليس يَمْتَنِع في الشَّريعة اقتران الإبَاحَة والواجب وبدأ بذكر نِعْمَة الأكْل قبل الأمر بإيتاء الحق ؛ ليبيِّن أن الابتداء بالنِّعْمَة كان من فَضْلِه قبل التكليف.
وقال ابن الخَطِيب(١٧) : وعلى أنَّ صِيغَة الأمْر ترد لِغَيْر الوُجُوب والنّدْب، وعند هذا، قال بَعْضُهم : الأصْل في الاستِعْمَال : الحَقِيقَة ؛ فوجَبَ جعل هذه الصِّيغَة مفيدةً لرفع الحَرَج ؛ فلهذا قالوا : الأمْر يقتضي الإبَاحَة إلا أن نَقُول : يُعْلَم بالضَّرُورة من لُغَة العَرَب، أن هذه الصِّيغَة تُفِيد تَرْجِيح جَانِب الفِعْل، فحملُهَا على الإبَاحة لا يُصَار إليه إلاَّ بِدَليلٍ منفصل.
قوله :" وآتوا حقه يوم حصاده " قرأ أبو عمر(١٨) وابن عامر وعاصم بِفَتْح الحاء :" حَصاده " والباقون بكسرها، وهما لُغَتَان في المَصْدَر ؛ كقولهم ؛ جَداد وجِدَاد، وقَطَاف وقِطَاف، وحَرَان وحَرَان والصِّرَام والصَّرَام.
قال سيبويه(١٩) : جاءوا بالمَصْدَر حين أرَادُوا انْتِهاء الزَّمَان على مثال :" فِعَال " وربما قَالُوا فيه :" فَعَال
١ ينظر: تفسير القرطبي ٧/٦٥..
٢ ينظر: الرازي ١٣/١٧٣..
٣ ينظر: المصدر السابق..
٤ ذكره الرازي في "تفسيره" (١٣/١٧٣) عن ابن عباس..
٥ انظر المصدر السابق..
٦ سقط في أ..
٧ ينظر: الكشاف ٢/٧٢..
٨ ينظر: البحر المحيط ٤/٣٨..
٩ ينظر: المصدر السابق..
١٠ ينظر: الدر المصون ٣/١٩٩ ـ ٢٠٠..
١١ ينظر: الكشاف ٢/٧٢..
١٢ ينظر: القرطبي ٧/٦٥..
١٣ ينظر: الرازي ١٣/١٧٤..
١٤ ينظر: المصدر السابق..
١٥ ينظر: المصدر السابق..
١٦ ينظر: القرطبي ٧/٦٥..
١٧ ينظر: الرازي ١٣/١٧٤..
١٨ ينظر: الحجة لأبي زرعة ٢٧٥ السبعة ٢٧١، النشر ٢/٢٦٦ إتحاف فضلاء البشر ٢/٣٦ إعراب القراءات ١/١٧٢..
١٩ ينظر: الكتاب ٢/٢١٧..
٢ ينظر: الرازي ١٣/١٧٣..
٣ ينظر: المصدر السابق..
٤ ذكره الرازي في "تفسيره" (١٣/١٧٣) عن ابن عباس..
٥ انظر المصدر السابق..
٦ سقط في أ..
٧ ينظر: الكشاف ٢/٧٢..
٨ ينظر: البحر المحيط ٤/٣٨..
٩ ينظر: المصدر السابق..
١٠ ينظر: الدر المصون ٣/١٩٩ ـ ٢٠٠..
١١ ينظر: الكشاف ٢/٧٢..
١٢ ينظر: القرطبي ٧/٦٥..
١٣ ينظر: الرازي ١٣/١٧٤..
١٤ ينظر: المصدر السابق..
١٥ ينظر: المصدر السابق..
١٦ ينظر: القرطبي ٧/٦٥..
١٧ ينظر: الرازي ١٣/١٧٤..
١٨ ينظر: الحجة لأبي زرعة ٢٧٥ السبعة ٢٧١، النشر ٢/٢٦٦ إتحاف فضلاء البشر ٢/٣٦ إعراب القراءات ١/١٧٢..
١٩ ينظر: الكتاب ٢/٢١٧..