كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني

عن الكتاب
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ ؛ في هذه الآية بيانُ ما حَرَّمَ اللهُ على اليهودِ. قال ابنُ عبَّاس :(أرَادَ بقَوْلِهِ :﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ الإبلَ والنَّعامَ وَالْبَطَّ وَالإِوَزَّ وَمَا أشْبَهَ ذلِكَ مِمَّا لاَ يَكُونُ مُنْفَرِجَ الأَصَابعِ). وَقِيلَ : أراد به ما يصيدُ بالظُّفْرِ مثلَ النُّسُور والبراري وما يُشَاكِلُ ذلكَ من السِّبَاعِ والكلاب. وقال ابنُ زيدٍ :(هِيَ الإبلُ فَقَطْ). قرأ الحسنُ :(كُلَّ ذِي ظِفْرٍ) بكسرِ الظَّاء وإسكان الفاء. وقرأ أبو السِّمَال :(ظِفِرٍ) بكسرِهما جميعاً ؛ وهي لغةٌ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ ؛ من الشِّحْمِ وهو السَّمْنُ، ﴿أَوِ﴾ ؛ ما حَمَلَتِ ؛ ﴿الْحَوَايَآ﴾ ؛ وهي الْمَبَاعِرُ والأمْعَاءُ التي عليها الشَّحْمُ من داخلِها ؛ واحدتُها حَاويَةٌ وحَاويَاءُ وحَوِيَّة ؛ سُميت بذلك لأنَّها تَحوي ما في البَطْنِ. وقولهُ :﴿أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ ؛ أرادَ به ما يكونُ من الشَّحْمِ الْمُخَلَّطِ من اللَّحمِ على عَظْمِ الجنب. وأما الإلْيَةُ ؛ فقد كانت داخلةً في التحريم.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ذلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ﴾ ؛ أي ذلك التحريمُ عاقبناهُم بظلمِهم، ﴿وِإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ ؛ فيما نقولُ إنَّ هذه الأشياءِ كانت حَلالاً في الأصلِ ؛ فحرَّمناها على اليهودِ بمعصيتِهم ومخالفتهم لأنبيائِهم، وكانتِ اليهودُ مع هذا التحريمِ يجملونَ الشُّحُومَ فيبيعونَها ؛ فيستحلُّون ثَمنَها ؛ كما قال ﷺ :" لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ ؛ حُرِّمَتْ عَلَيْهمْ الشُّحُومُ فَجَمَلُوهَا وَبَاعُوهَا وَأكَلُو ثَمَنَهَا ؛ إنَّ اللهَ تَعَالَى إذا حَرَّمَ شَيْئاً حَرَّمَ بَيْعَهُ وَأكْلَ ثَمَنِهِ ".
فلمَّا نزلت هذه الآيةُ ؛ قال ﷺ :" هَذا مَا أوْحَى اللهُ تَعَالَى إلَيَّ أنَّهُ مُحَرَّمٌ مِنْهُ عَلَى الْمُسْلِمِيْنَ، وَمِنْهُ عَلَى الْيَهُودِ ". فقالَ المشركون : إنَّكَ لَمْ تُصِبْ فيما قُلْتَ، فقال الله عَزَّ وَجَلَّ :﴿فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ﴾ ؛ أي إنْ أنكَرُوا ولم يقبلُوا قولَكَ ؛ فقُلْ :﴿رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ﴾ بالإمهالِ بأن لَنْ يُعَاجِلَكُمْ بالعقوبةِ ؛ ﴿وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ ؛ أي لا يُرَدُّ عذابهُ عن المشركين واليهودِ إذا جاء وقتُ العذاب.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى