محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي

عن الكتاب
[ ١٤٩ ] ﴿قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين ( ١٤٩ )﴾.
﴿قل فلله الحجة البالغة﴾ البينة الواضحة التي بلغت غاية المتانة والقوة على الإثبات. ومنه :( أيمان بالغة ) أي : مؤكدة. أو ( البالغة ) التي بلغ بها صاحبها صحة دعواه فهي ( كعيشة راضية ). ﴿فلو شاء لهداكم أجمعين﴾ أي : ولكنه لم يشأ ذلك. بل شاء هداية بعض صرفوا اختيارهم إلى سلوك طريق الحق، وضلال آخرين صرفوا كسبهم على خلاف ذلك، من غير صارف يلويهم ولا عاطف يثنيهم، فوقع ذلك على الوجه الذي شاءه.
قال الإمام أبو منصور الماتريدي في ( تأويلاته ) : قيل : الآية في مشركي العرب. قالوا ذلك حين لزمتهم المناقضة وانقطع حجاجهم في تحريم ما حرموا من الأشياء. وأضافوا / ذلك إلى الله، وهو صلة قوله :﴿ثمانية أزواج...﴾ - إلى قوله – ﴿أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا﴾(١)، فلما لزمتهم المناقضة وانقطع حجاجهم فزعوا إلى هذا القول :﴿لو شاء الله ما أشركنا...﴾ الآية(٢)  ! انتهى.
والقصد : الاعتذار عن كل ما يقدمون عليه من الإشراك وتحريم الحلال. أي : ولكنه لم يشأ الترك وشاء الفعل، ففعلُنا طوع مشيئته، وهو لا يشاء إلا الحق، لأنه قادر. فلو لم يكن حقا يرضاه لمنعنا منه. وهو لم يمنعنا منه فهو حق. وفي حكاية هذه المناظرة والمجادلة بيان لنوع من كفرهم شنيع جدا..   !.
تنبيه :
هذه الآية تكرر نظيرها في التنزيل الكريم في عدة سور، وهي من الآيات الجديرة بالتدبر لتمحيص الحق في المراد منها.
فقد زعم المعتزلة أن فيها دلالة واضحة لمذهبهم من أن الله لا يشاء المعاصي والكفر، كما تبجح بذلك منهم الطبرسي الشيعي في ( تفسيره ) وقال : إن فيها تكذيبا ظاهرا لمن أضاف مشيئة ذلك إلى الله سبحانه ؛ وكذا الزمخشري في ( تفسيره ).
ومعلوم أن عقيدة الفرقة الناجية، الإيمان بأن : ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وانه ما في السماوات والأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله سبحانه، لا يكون في ملكه إلا ما يريد، وهو خالق لأفعال العباد.   !
وقد خالف في ذلك عامة القدرية- الذين سماهم النبي ﷺ مجوس هذه الأمة- فقالوا : لا إرادة إلا بمعنى المشيئة، وهو لم يرد إلا ما أمر به، ولم يخلق شيئا من أفعال العباد. فعندهم أكثر ما يقع من أفعال العباد على خلاف إرادته تعالى. ولما كان قولهم هذا في غاية الشناعة، تبرأ منهم الصحابة. وأصل بدعتهم- كما قال ابن تيمية- كانت من عجز عقولهم عن الإيمان بقدر الله والإيمان بأمره ونهيه. وسنبيّن تحقيق ذلك بعد أن نورد شبهتهم في هذه الآية وندمغها- بعونه تعالى- بعدة وجوه فنقول :
( قالوا ) : إن الله تعالى حكى عن المشركين أنهم قالوا : أشركنا بإرادة الله تعالى. ولو أراد عدم إشراكنا لما أشركنا، ولمَا صدر عنا تحريم المحللات فقد أسندوا كفرهم وعصيانهم إلى إرادته تعالى كما تزعمون أنتم. ثم إنه تعالى ردّ عليهم مقالتهم وبين بطلانها وذمّهم عليها وأوعدهم عليها وعيدا شديدا. فلو كان يجوز إضافة المشيئة إلى الله تعالى في ذلك، على ما تضيفون أنتم، لم يكن يردّ ذلك عليهم ويتوعدهم  !.
( قلنا ) : إن المشيئة في الآية تتخرج على وجوه :
أحدها : ما قال الحسن والأصم- إن المشيئة ههنا الرضا- فمرادهم : أن الله رضي بفعلنا وصنيعنا- حيث فعل آباؤنا مثل ما فعلنا- فلم يحل بينهم وبين ذلك، ولا أخذ على أيديهم، ولا منعهم عن ذلك ؛ فلو لم يرض بذلك عنهم لكان يمنعهم عنه  !
قال أبو منصور : وإنما استدلوا بالرضا من الله والإذن فيما كانوا فيه، أنهم كانوا يخوفون بالهلاك والعذاب على صنيعهم، ثم رأوا آباءهم ماتوا على ذلك ولم يأت العذاب، فاستدلوا بتأخير نزول العذاب عليهم على أن الله رضي بذلك.
وبالجملة، أرادوا بقولهم ذلك، أنهم على الحق المشروع المرضي عند الله. ولما كانت حجتهم داحضة باطلة- لأنها لو كانت صحيحة لما أذاقهم الله بأسه ودمّر عليهم وأدال عليهم رسله الكرام- قال تعالى :﴿قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا﴾ أي : بأن الله راض عليكم فيما أنتم فيه  ! وهذا من التهكم والشهادة بأن مثل قولهم محال أن يكون له حجة.
في ( الوجيز ) : الحاصل أن المشركين اعتقدوا عدم التفرقة بين المأمور المرضي والمشيئة، كما اعتقدت المعتزلة، فاحتجوا على حقية الإشراك. وينادي على ذلك قوله :﴿كذلك كذب...﴾ فإنه لو كان المراد أن ذلك ليس بمشيئة الله تعالى لقال :( كذلك كذَبَ ) بالتخفيف لا التشديد. وهذه الآية- عند من له أذن واعية – تصيح على المعتزلة بالويل والثبور، لكن في آذانهم وقر، ومن لم يهده الله فلا هادي له. انتهى.
الوجه الثاني : إن المشيئة في الآية بمعنى الأمر والدعاء إلى ذلك. أي : يقولون : إن الله أمرهم بذلك ودعاهم إليه، كما أخبر عنهم في سورة الأعراف بقوله :﴿وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها﴾ فردّ تعالى عليهم بقوله :﴿قل إن الله لا يأمر بالفحشاء﴾.
الوجه الثالث : إن قولهم ذلك كان على سبيل الاستهزاء والسخرية دفعا لدعوته ﷺ، وتعلّلا لعدم إجابته وانقياده، لا تفويضا للكائنات إلى مشيئة الله تعالى. فما صدر عنهم كلمة حق أريد بها باطل. ولذلك ذمهم الله بالتكذيب لأنهم قصدوا به تكذيب النبي ﷺ في وجوب اتباعه والمتابعة، فقال :﴿كذلك كذَّبَ﴾ بالتشديد، ولم يذمهم بالكذب في قولهم ذلك، وإلا لقال :( كذلك كَذَبَ ) بالتخفيف، إشارة إلى أن ذلك الكلام في نفسه حق وصدق.
وقال آخرا :﴿قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين﴾ فأشار إلى صدق مقالتهم وفساد غرضهم. فالعتب الذي لحقهم والوعيد الذي أوعدهم، إنما كان لاستهزائهم، / كما ذكر في قوله تعالى(٣) :﴿ويقول الإنسان أئذا ما متُّ لسوف أخرَجُ حيا﴾ هي كلمة حق. لكن قالها استهزاء فلحقه الذم.
وهذا الوجه اقتصر عليه العضد في ( المواقف ) وقرره أيضا أبو منصور في ( تأويلاته ).
قال الحسن بن الفضل : لو قالوا هذه المقالة تعظيما لله وإجلالا له ومعرفة بحقه وبما يقولون، لما عابهم بذلك. ولكنهم قالوا هذه المقالة تكذيبا وجدلا من غير معرفة بالله وبما يقولون.
الوجه الرابع : ما يستفاد من قول الإمام : إن في كلام المشركين مقدمتين :
( إحداهما ) : أن الكفر بمشيئة الله تعالى. ( والثانية ) : أنه يلزم منه اندفاع دعوة النبي ﷺ. وما ورد من الذم والتوبيخ إنما هو على الثانية، إذ الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فله أن يشاء من الكافر الكفر ويأمره بالإيمان ويعذبه على خلافه ويبعث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام دعاة إلى دار السلام، وإن كان لا يهدي إلا من يشاء.
الوجه الخامس : إن قولهم ذلك كان على سبيل العناد والعتوّ.
قال البقاعي في قوله تعالى :﴿كذلك كذَّب الذين من قبلهم﴾ أي : بما أوقعوا من نحو هذه المجادلة في قولهم : إذا كان الكل بمشيئة الله كان التكليف عبثا، فكانت دعوى الأنبياء باطلة. وهذا القول من المشركين عناد بعد ثبوت الرسالات بالمعجزات وإخبار الرسل بأنه يشاء الشيء ويعاقب عليه لأن ملكه تام، لا يسأل عما يفعل.
وقال الإمام القاشاني قدس سره، في قوله تعالى :﴿كذلك كذب الذين من قبلهم﴾ : أي : كذب المنكرون الرسل من قبلهم بتعليق كفرهم بمشيئة الله عنادا وعتوا، فعذبوا بكفرهم.
ثم قال في قوله تعالى :﴿قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا﴾ : أي : إن كان لكم / علم بذلك وحجة، فبينوا. وإنما قال ذلك، إشارة إلى قولهم :﴿لو شاء الله ما أشركنا﴾ لأنهم لو قالوا ذلك عن علم، لعلموا أن إيمان الموحدين وكل شيء، لا يقع إلا بإرادة الله. فلم يعادوهم ولم ينكروهم بل وَالَوْهُم، ولم يبق بينهم وبين المؤمنين خلاف. ولعمري إنهم لو قالوا ذلك عن علم، لما كانوا مشركين بل كانوا موحدين. ولكنهم اتبعوا الظن في ذلك، وبنوا على التقدير والتخمين لغرض التكذيب والعناد، وعلى ما سمعوا من الرسل إلزاما لهم وإثباتا لعدم امتناعهم عن الرسل. لأنهم محجوبون في مقام النفس. وأنى لهم اليقين ؟ ومن أين لهم الاطلاع على مشيئة الله ؟ وقوله تعالى :﴿قل فلله الحجة البالغة﴾ أي : إن كان ظنكم صدقا في تعليق شرككم بمشيئة الله، فليس لكم حجة على المؤمنين وعلى غيركم من أهل دين، لكون كل دين حينئذ بمشيئة الله، فيجب أن توافقوهم وتصدقوهم، بل لله الحجة عليكم في وجوب تصديقهم وإقراركم بأنكم أشركتم، بمن لا يقع أمر إلا بإرادته، ما لا أثر لإرادته أصلا. فأنتم أشقياء في الأزل مستحقون للبعد والعقاب. وقوله تعالى :﴿فلو شاء لهداكم أجمعين﴾ أي : بلى، صدقتم. ولكن كما شاء كفركم لو شاء لهداكم كلّكم، فبأي شيء علمتم أنه لم يشأ هدايتكم حتى أصررتم ؟ وهذا تهييج لمن عسى أن يكون له استعداد منهم فيقمع ويهتدي فيرجع عن الشرك ويؤمن. انتهى.
الوجه السادس : ما في ( لباب التأويل ) من أنه قيل في معنى الآية : أنهم كانوا يقولون الحق بهذه الكلمة- وهو قولهم :﴿لو شاء الله ما أشركنا﴾ - إلا أنهم كانوا يعدونه عذرا لأنفسهم، ويجعلونه حجة لهم في ترك الإيمان. والرد عليهم في ذلك : أن أمر الله بمعزل عن مشيئته وإرادته ؛ فإن الله تعالى مريد لجميع الكائنات غير آمر بجميع ما يريد فعلى العبد أن يتبع أمره وليس له أن يتعلق بمشيئته، فإن مشيئته لا تكون عذرا لأحد عليه في فعله، فهو تعالى يشاء الكفر من الكافر ولا يرضى به ولا يأمر به، ومع هذا فيبعث الرسل إلى العبد ويأمره بالإيمان. وورود الأمر على خلاف الإرادة غير ممتنع. فالحاصل : أنه / تعالى حكى عن الكفار أنهم يتمسكون بمشيئة الله تعالى في شركهم وكفرهم، فأخبر الله تعالى أن هذا التمسك فاسد باطل، فإنه لا يلزم من ثبوت المشيئة لله تعالى في كل الأمور دفع دعوة الأنبياء عليهم السلام. انتهى.
الوجه السابع : ما قرره الناصر في ( الانتصاف ) : إن الرد عليهم إنما كان لاعتقادهم أنهم مسلوبون اختيارهم وقدرتهم، وإن إشراكهم إنما صدر منهم على وجه الاضطرار، وزعموا أنهم يقيمون الحجة على الله ورسله بذلك. فرد الله قولهم وكذبهم في دعواهم- عدم الاختيار لأنفسهم- وشبههم بمن اغتر قبلهم بهذا الخيال. فكذب الرسل، وأشرك بالله، واعتمد على أنه إنما يفعل ذلك كله بمشيئة الله، ورام إفحام الرسل بهذه الشبهة. ثم بين الله تعالى أنهم لا حجة لهم في ذلك، وأن الحجة البالغة له لا لهم، بقوله :﴿فلله الحجة البالغة﴾. ثم أوضح تعالى أن كل واقع بمشيئته، وإنه لم يشأ منهم إلا ما صدر عنهم، وأنه لو شاء منهم الهداية لاهتدوا أجمعون بقوله :﴿فلو شاء لهداهم أجمعين﴾. والمقصود من ذلك : أن يتمحض وجه الرد عليهم، ويتخلص عقيدة نفوذ المشيئة، وعموم تعلقها بكل كائن عن الردّ ؛ وينصرف الردّ إلى دعواهم بسلب الاختيار لأنفسهم، وإلى إقامتهم الحجة بذلك خاصة. وإذا تدبرت هذه وجدتها كافية في الرد على من زعم من أهل القبلة أن العبد لا اختيار له ولا قدرة البتة. بل هو مجبور على أفعاله مقهور عليها. وهم الفرقة المعروفون ب ( المجبرة ). والزمخشري يغالط في الحقائق فيسمي أهل السنة مجبرة وإن أثبتوا للعبد اختيارا وقدرة، لأنهم يسلبون تأثير قدرة العبد ويجعلونها مقارنة لأفعاله الاختيارية مميزة بينها وبين أفعاله القسرية. فمن هذه الج
١ - [٦/ الأنعام/ ١٤٣ و١٤٤] ونصهما: ﴿ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم صادقين (١٤٣) ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا فمن أظلم من افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظالمين (١٤٤)﴾..
٢ - [٦/ الأنعام/ ١٤٨] ونصها: ﴿سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون (١٤٨)﴾..
٣ - [١٩/ مريم/ ٦٦]..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى