فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
هذا الكلام مسوق لتقرير التوصية التي وصى الله عباده بها، وقد استشكل العطف بِثُمَّ مع كون قصة موسى وإيتائه الكتاب قبل المعطوف عليه. وهو ما تقدم من قوله :﴿ذلكم وصاكم بِهِ﴾ فقيل : إن ثم ها هنا بمعنى الواو وقيل : تقدير الكلام، ثم كنا قد آتينا موسى الكتاب قبل إنزالنا القرآن على محمد ﷺ. وقيل المعنى : قل تعالوا أتل ما حرّم ربكم عليكم، ثم أتل إيتاء موسى الكتاب وقيل : إن التوصية المعطوف عليها قديمة لم يزل كل نبيّ يوصي بها أمته وقيل : إن ثم للتراخي في الإخبار كما تقول : بلغني ما صنعت اليوم ثم ما صنعت بالأمس أعجب.
قوله :﴿تَمَامًا﴾ مفعول لأجله أو مصدر، و ﴿عَلَى الذي أَحْسَنَ﴾ قرئ بالرفع، وهي قراءة يحيى بن يعمر، وابن أبي إسحاق، فيكون رفع أحسن على تقدير مبتدأ، أي على الذي هو أحسن، ومنه ما حكى سيبويه عن الخليل أنه سمع : ما أنا بالذي قائل لك شيئاً. وقرأ الباقون بالنصب على أنه فعل ماض عند البصريين، وأجاز الفراء والكسائي أن يكون اسماً نعتاً للذي، وهذا محال عند البصريين لأنه نعت للاسم قبل أن يتمّ، والمعنى عندهم تماماً على من أحسن قبوله والقيام به كائناً من كان، ويؤيد هذا أن ابن مسعود قرأ :﴿تَمَاماً عَلَى الذين أَحْسَنَوا﴾ وقال الحسن : كان فيهم محسن وغير محسن، فأنزل الله الكتاب تماماً على المحسنين. وقيل المعنى : أعطينا موسى التوراة زيادة على ما كان يحسنه موسى مما علمه الله قبل نزول التوراة عليه. وقيل المعنى : تماماً على الذي أحسن به الله عزّ وجلّ إلى موسى من الرسالة وغيرها. وقيل : تماماً على إحسان موسى بطاعة الله عزّ وجلّ قاله الفراء. قوله :﴿وَتَفْصِيلاً لكُلّ شَيْء﴾ معطوف على تماماً، أي ولأجل تفصيل كل شيء، وكذا ﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾ معطوفتان عليه : أي وللهدى والرحمة، والضمير في لعلهم راجع إلى بني إسرائيل، المدلول عليه بذكر موسى، والباء في ﴿بِلِقَاء﴾ متعلقة بيؤمنون.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد ﴿تَمَامًا عَلَى الذي أَحْسَنَ﴾ قال : على المؤمنين المحسنين. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي صخر ﴿تَمَامًا عَلَى الذي أَحْسَنَ﴾ قال : تماماً لما كان قد أحسن الله. وأخرج أيضاً عن ابن زيد قال : تماماً لنعمته عليهم وإحسانه إليهم.
وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله :﴿وهذا كتاب﴾ قال : هو القرآن الذي أنزل الله على محمد ﴿فاتبعوه واتقوا﴾ يقول : فاتبعوا ما أحلّ الله فيه، واتقوا ما حرّم. وأخرج هؤلاء عن مجاهد في قوله :﴿على طَائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا﴾ قال : اليهود والنصارى، خاف أن تقوله قريش. وأخرج ابن المنذر، وابن حاتم، عن ابن عباس، قال : هم اليهود والنصارى ﴿وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ﴾ قال : تلاوتهم.
وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة، في قوله :﴿لَكُنَّا أهدى مِنْهُمْ﴾ قال : هذا قول كفار العرب. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي، في قوله :﴿فَقَدْ جَاءكُمْ بَيّنَة مّن رَبّكُمْ﴾ يقول : قد جاءتكم بينة لسان عربي مبين حين لم يعرفوا دراسة الطائفتين. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله :﴿صَدَفَ عَنْهَا﴾ قال : أعرض عنها. وأخرج عبد بن حميد، عن الضحاك، في قوله :﴿يَصْدِفُونَ﴾ قال : يعرضون.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى