محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ١٥٤ من سورة الأنعام في ١١٠ كتب من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، و١٥ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ١٥٤ من سورة الأنعام

١١٠ كتب من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿ثُمّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَاماً عَلَى الّذِيَ أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لّكُلّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لّعَلّهُمْ بِلِقَآءِ رَبّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾.
يعني جلّ ثناؤه بقوله : ثُمّ آتَيْنا مُوسَى الكِتابَ ثم قل بعد ذلك يا محمد : آتى ربك موسى الكتاب. فترك ذكر «قل »، إذ كان قد تقدم في أوّل القصة ما يدلّ على أنه مراد فيها، وذلك قوله : قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرّمَ رَبّكُمْ عَلَيْكُمْ فقصّ ما حرّم عليهم وأحلّ، ثم قال : ثم قل : آتينا موسى، فحذف «قل » لدلالة قوله :«قل » عليه، وأنه مراد في الكلام.
وإنما قلنا ذلك مراد في الكلام، لأن محمدا ﷺ لا شكّ أنه بعث بعد موسى بدهر طويل وأنه إنما أمر بتلاوة هذه الآيات على من أمر بتلاوتها عليه بعد مبعثه، ومعلوم أن موسى أوتي الكتاب من قبل أمر الله محمدا بتلاوة هذه الاَيات على من أمر بتلاوتها عليه، و«ثم » في كلام العرب حرف يدلّ على أنه ما بعده من الكلام والخبر بعد الذي قبلها.
ثم اختلف أهل التأويل في معنى قوله : تَماما على الّذِي أحْسَنَ فقال بعضهم : معناه : تماما على المحسنين. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : تماما على الّذِي أحْسَنَ قال : على المؤمنين.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن نجيح، عن مجاهد : تَماما على الّذي أحْسَنَ المؤمنين والمحسنين.
وكأن مجاهدا وجه تأويل الكلام ومعناه إلى أن الله جلّ ثناؤه أخبر عن موسى أنه آتاه الكتاب فضيلة على ما آتى المحسنين من عباده.
فإن قال قائل : فكيف جاز أن يقال : على الّذِي أحْسَنَ فيوحد «الذي »، والتأويل على الذين أحسنوا ؟ قيل : إن العرب تفعل ذلك خاصة في الذي وفي الألف واللام إذا أرادت به الكلّ والجميع، كما قال جلّ ثناؤه : وَالعَصْرِ إنّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ وكما قالوا : أكثر الذي هم فيه في أيدي الناس. وقد ذُكِر عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقرأ ذلك :«تَماما على الّذِينَ أحْسَنُوا » وذلك من قراءته كذلك يؤيد قول مجاهد. وإذا كان المعنى كذلك، كان قوله :«أحْسَنَ » فعلاً ماضيا، فيكون نصبه لذلك. وقد يجوز أن يكون «أحسن » في موضع خفض، غير أنه نصب، إذ كان «أفعل »، و«أفعل » لا يجرى في كلامها. فإن قيل : فبأيّ شيء خفض ؟ قيل : ردّا على «الذي » إذ لم يظهر له ما يرفعه. فيكون تأويل الكلام حينئذٍ : ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي هو أحسن، ثم حذف «هو »، وجاور «أحسن » «الذي »، فعرف بتعريفه، إذ كان كالمعرفة من أجل أن الألف واللام لا يدخلانه، «والذي » مثله، كما تقول العرب : مررت بالذي خير منك وشرّ منك، وكما قال الراجز :
إنّ الزّبَيْرِيّ الّذِي مِثْلُ الحَلَمْمَسّى بأسْلابِكُمْ أهْلَ العَلَمْ
فأتبع «مثل » «الذي » في الإعراب. ومن قال ذلك لم يقل : مررت بالذي عالم، لأن «عالما » نكرة «والذي » معرفة، ولا تتبع نكرة معرفة.
وقال آخرون : معنى ذلك : تماما على الذي أحسن موسى فيما امتحنه الله به في الدنيا من أمره ونهيه. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع : ثُمّ آتَيْنا مُوسَى الكَتابَ تَمَاما على الّذِين أحْسَنَ فيما أعطاه الله.
حدثني محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة : ثُمّ آتَيْنا مُوسَى الكِتابَ تَمَاما على الّذِي أحْسَنَ قال : من أحسن في الدنيا تمم الله له ذلك في الآخرة.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد عن قتادة قوله : ثُمّ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ تَمَاما على الّذِي أحْسَنَ يقول : من أحسن في الدنيا تمت عليه كرامته الله في الاَخرة.
وعلى هذا التأويل الذي تأوّله الربيع تماما على ما أحسن موسى، أي آتيناه الكتاب لأتمم له كرامتي في الاَخرة تماما على إحسانه في الدنيا في عبادة الله والقيام بما كلفه به من طاعته.
وقال آخرون في ذلك : معناه : ثم آتينا موسى الكتاب تماما على إحسان الله إلى أنبيائه وأياديه عندهم. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : ثُمّ آتَيْنا مُوسَى الكِتابَ تمَاما على الّذِي أحْسَنَ قال : تماما من الله وإحسانه الذي أحسن إليهم وهداهم للإسلام، وآتاهم ذلك الكتاب تماما لنعمته عليه وإحسانه.
«وأحسن » على هذا التأويل أيضا في موضع نصب على أنه فعل ماض. «والذي » على هذا القول والقول الذي قاله الربيع بمعنى :«ما ». وذكر عن يحيى بن يعمُر أنه كان يقرأ ذلك :«تَمَاما على الّذِي أحْسَنُ » رفعا، بتأويل : على الذي هو أحسن.
حدثني بذلك أحمد بن يوسف، قال : حدثنا القاسم بن سلام، قال : حدثنا الحجاج، عن هارون، عن أبي عمرو بن العلاء، عن يحيى بن يعمُر.
قال أبو جعفر : وهذه قراءة لا أستجيز القراءة بها وإن كان لها في العربية وجه صحيح، لخلافها ما عليه الحجة مجمعة من قرأة الأمصار.
وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب قول من قال : معناه : ثم آتينا موسى الكتاب تماما لنعمنا عنده على الذي أحسن موسى في قيامه بأمرنا ونهينا لأن ذلك أظهر معانيه في الكلام، وأن إيتاء موسى كتابه نعمة من الله عليه ومنة عظيمة، فأخبر جلّ ثناؤه أنه أنعم بذلك عليه لما سلف له من صالح عمل وحسن طاعة. ولو كان التأويل على ما قاله ابن زيد كان الكلام : ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسنّا، أو : ثم آتى الله موسى الكتاب تماما على الذي أحسن. وفي وصفه جلّ ثناؤه نفسه بإيتائه الكتاب ثم صرفه الخبر بقوله :«أحسن »، إلى غير المخبر عن نفسه بقرب ما بين الخبرين، الدليل الواضح على أن القول غير القول الذي قاله ابن زيد. وأما ما ذكر عن مجاهد من توجيهه «الذي » إلى معنى الجميع فلا دليل في الكلام يدلّ على صحة ما قال من ذلك، بل ظاهر الكلام بالذي اخترنا من القول أشبه. وإذا تنوزع في تأويل الكلام كان أولى معانيه به أغلبه على الظاهر، إلا أن يكون من العقل أو الخبر دليل واضح على أنه معنىّ به غير ذلك.
وأما قوله : وَتَفْصِيلاً لِكُلّ شَيْءٍ فإنه يعني : وتبيينا لكل شيء من أمر الدين الذي أمروا به.
فتأويل الكلام إذن : ثم آتينا موسى التوراة تماما لنعمنا عنده وأيادينا قِبَله، تتمّ به كرامتنا عليه على إحسانه وطاعته ربه وقيامه بما كلفه من شرائع دينه، وتبيينا لكلّ ما لقومه وأتباعه إليه الحاجة من أمر دينهم. كما :
حدثني بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : وَتَفْصِيلاً لِكُلّ شَيْءٍ فيه حلاله وحرامه.

القول في تأويل قوله تعالى : وَهُدًى وَرَحمَةً لَعَلّهُمْ بِلِقاءِ رَبّهِمْ يُؤْمِنُونَ.


يقول تعالى ذكره : آتينا موسى الكتاب تماما وتفصيلاً لكلّ شيء. وَهُدًى يعني بقوله «وهدى » : تقويما لهم على الطريق المستقيم، وبيانا لهم سبل الرشاد لئلا يضلوا. وَرَحْمَةً يقول : ورحمة منا بهم، ورأفة، لننجيهم من الضلالة وعمى الحيرة.
وأما قوله : لَعَلّهُمْ بِلِقَاءِ رَبّهِمْ يُؤْمِنُونَ فإنه يعني : إيتائي موسى الكتاب تماما لكرامة الله موسى على إحسان موسى، وتفصيلاً لشرائع دينه، وهدى لمن اتبعه ورحمة لمن كان منهم ضالاّ، لينجيه الله به من الضلالة، وليؤمن بلقاء ربه إذا سمع مواعظ الله التي وعظ بها خلقه فيه، فيرتدع عما هو عليه مقيم من الكفر به، وبلقائه بعد مماته، فيطيع ربه، ويصدّق بما جاءه به نبيه موسى ﷺ.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
فمصيب = وإن كسرها، إذ كانت"التلاوة" قولا وإن كان بغير لفظ"القول" لبعدها من قوله:"أتل"، وهو يريد إعمال ذلك فيه، فمصيبٌ = وإن كسرها بمعنى ابتداء وانقطاع عن الأول و"التلاوة"، وأن ما أُمِر النبي ﷺ بتلاوته على من أُمِر بتلاوة ذلك عليهم قد انتهى دون ذلك، فمصيب.
* * *
وقد قرأ ذلك عبد الله بن أبي إسحاق البصري:"وَأنْ" بفتح الألف من"أن" وتخفيف النون منها، بمعنى:"قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئًا"،"وأنْ هذا صراطي"، فخففها، إذ كانت"أن" في قوله: (أن لا تشركوا به شيئًا)، مخففة، وكانت"أن" في قوله: (وأن هذا صراطي)، معطوفة عليها، فجعلها نظيرةَ ما عطفت عليه.
وذلك وإن كان مذهبًا، فلا أحب القراءة به، لشذوذها عن قراءة قرأة الأمصار، وخلاف ما هم عليه في أمصارهم.
* * *

القول في تأويل قوله: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾


قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: (ثم آتينا موسى الكتاب)، ثم قل بعد ذلك يا محمد: آتى ربك موسى الكتابَ = فترك ذكر"قل"، إذ كان قد تقدم في أول القصّة ما يدلّ على أنه مرادٌ فيها، وذلك قوله: (١) (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم)، فقصَّ ما حرم عليهم وأحلّ، ثم قال: ثم قل: "آتينا موسى"، فحذف"قل" لدلالة قوله:"قل" عليه، وأنه مراد في الكلام.
(١) في المطبوعة والمخطوطة: ((ذلك قوله)) بغير واو، والسياق يقتضي إثباتها.
وإنما قلنا: ذلك مرادٌ في الكلام، لأن محمدًا ﷺ لا شك أنه بُعث بعد موسى بدهر طويل، وأنه إنما أمر بتلاوة هذه الآيات على مَنْ أمر بتلاوتها عليه بعد مبعثه. ومعلوم أن موسى أوتي الكتاب من قبل أمر الله محمدًا بتلاوة هذه الآيات على مَنْ أمر بتلاوتها عليه. و"ثم" في كلام العرب حرف يدلّ على أن ما بعده من الكلام والخبر، بعد الذي قبلها.
* * *
ثم اختلف أهل التأويل في معنى قوله: (تمامًا على الذي أحسن)، فقال بعضهم: معناه: تمامًا على المحسنين.
* ذكر من قال ذلك:
١٤١٧١- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (تمامًا على الذي أحسن)، قال: على المؤمنين.
١٤١٧٢- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (تمامًا على الذي أحسن)، المؤمنين والمحسنين.
* * *
= وكأنّ مجاهدًا وجّه تأويل الكلام ومعناه إلى أن الله جل ثناؤه أخبر عن موسى أنه آتاه الكتاب فضيلة على ما آتى المحسنين من عباده.
* * *
فإن قال قائل: فكيف جاز أن يقال: (على الذي أحسن)، فيوحِّد"الذي"، والتأويل على الذين أحسنوا؟
قيل: إن العرب تفعل ذلك خاصة في"الذي" وفي"الألف واللام"، إذا أرادت به الكل والجميع، كما قال جل ثناؤه: (وَالْعَصْرِ إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ)، [سورة العصر: ١، ٢]، وكما قالوا:"كثر الدِّرهم فيه في أيدي الناس". (١)
(١) في المطبوعة: ((أكثر الذي هم في أيدي الناس))، وهو كلام غث لا معنى له، زاد ((فيه)) على ما كان في المخطوطة. وكان فيها: ((أكثر الدرهم في أيدي الناس))، وصواب قراءتها ما أثبت، أو: ((ما أكثر الدرهم في أيدي الناس)).
وقد سلف هذا البحث فيما مضى، وفيه نحو هذا الشاهد ٤: ٢٦٣، ٢٧٠ / ٦: ١٢٥.
وقد ذكر عن عبد الله بن مسعود: أنه كان يقرأ ذلك:" تمامًا عَلَى الَّذِينَ أَحْسَنُوا"، وذلك من قراءته كذلك، يؤيد قول مجاهد.
وإذا كان المعنى كذلك، كان قوله:"أحسن"، فعلا ماضيًا، فيكون نصبه لذلك.
* * *
وقد يجوز أن يكون"أحسن" في موضع خفض، غير أنه نصب إذ كان"أفعل"، و"أفعل"، لا يجري في كلامها. (١)
فإن قيل: فبأيِّ شيء خفض؟
قيل: ردًّا على"الذي"، إذ لم يظهر له ما يرفعه = فيكون تأويل الكلام حينئذ: ثم آتينا موسى الكتاب تمامًا على الذي هو أحسن، ثم حذف"هو"، وجاور"أحسن""الذي"، فعرِّب بتعريبه، (٢) إذ كان كالمعرفة من أجل أن"الألف واللام" لا يدخلانه،"والذي" مثله، كما تقول العرب:"مررت بالذي خيرٍ منك، وشرٍّ منك"، (٣) كما قال الراجز: (٤)
إِنَّ الزُّبَيْرِيَّ الَّذِي مِثْلَ الحَلَمْمَسَّى بِأَسْلابِكُمُ أَهْلَ الْعَلَمْ (٥)
(١) الإجراء: الصرف.
(٢) في المطبوعة: ((فعرف بتعريفه))، وهو كلام لا معنى له، لم يحسن قراءة المخطوطة، إذ كانت غير منقوطة، وهذا صواب قراءتها. و ((التعريب))، هو ((الإعراب)).
(٣) انظر معاني القرآن للفراء ١: ٣٦٥، وفيها خطأ ظاهر، لأنه كتب هناك: ((مررت بالذي هو خير منك، وشر منك))، فزادوا ((هو))، والصواب حذفها، فلتصحح هناك.
(٤) لم أعرفه.
(٥) معاني القرآن للفراء ١: ٣٦٥، وروايته كما في مطبوعة المعاني: مَشَّى بِأَسْلابِكَ فِي أَهْلِ الَعَلَمْ
كأنه يعني أنه سلبه ثيابه ولبسهما، وهو يمشي بها في الناس. ((ومشى)) بتشديد الشين. يقال: ((مشى)) و ((تمشي)) و ((مشى)) بمعنى واحد.
وأما رواية أبي جعفر، فهي بالسين لا بالشين، لا شك في ذلك، كأنه يقول: صبحه بالغارة، ثم أمسى بما سلبه عند ((أهل العلم))، وهو موضع. و ((العلم))، الجبل. و ((الحلم)) (بفتحتين) : القراد الصغير، يصف هذا الزبيري الذي سلبه ثيابه وأمواله، بأنه قميء قصير.
فأتبع"مثل""الذي"، في الإعراب. ومن قال ذلك، لم يقل: مررت"بالذي عالمٍ"، لأن"عالمًا" نكرة،"والذي" معرفة، ولا تتبع نكرة معرفة. (١)
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: تمامًا على الذي أحسن"، موسى، فيما امتحنه الله به في الدنيا من أمره ونهيه.
* ذكر من قال ذلك:
١٤١٧٣- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: (ثم آتينا موسى الكتاب تمامًا على الذين أحسن)، فيما أعطاه الله.
١٤١٧٤- حدثني محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: (ثم آتينا موسى الكتاب تمامًا على الذي أحسن)، قال: من أحسن في الدنيا، تمم الله له ذلك في الآخرة.
١٤١٧٥- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد عن قتادة قوله: (ثم آتينا موسى الكتاب تمامًا على الذي أحسن)، يقول: من أحسن في الدنيا، تمت عليه كرامة الله في الآخرة.
* * *
وعلى هذا التأويل الذي تأوّله الربيع، يكون"أحسن"، نصبًا، لأنه فعل ماض، و"الذي" بمعنى"ما" = وكأنّ الكلام حينئذ: ثم آتينا موسى الكتاب تمامًا على ما أحسن موسى = أي: آتيناه الكتاب لأتمم له كرامتي في الآخرة، تمامًا على إحسانه في الدنيا في عبادة الله والقيام بما كلفه به من طاعته.
* * *
(١) انظر معاني القرآن للفراء ١: ٣٦٥.
وقال آخرون في ذلك: معناه: ثم آتينا موسى الكتاب تمامًا على إحسان الله إلى أنبيائه وأياديه عندهم.
* ذكر من قال ذلك:
١٤١٧٦- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (ثم آتينا موسى الكتاب تمامًا على الذي أحسن)، قال: تمامًا من الله وإحسانه الذي أحسن إليهم وهداهم للإسلام، وآتاهم ذلك الكتاب تمامًا، لنعمته عليه وإحسانه.
* * *
"وأحسن" على هذا التأويل أيضًا، في موضع نصب، على أنه فعل ماض،"والذي" على هذا القول والقول الذي قاله الربيع، بمعنى:"ما".
* * *
وذكر عن يحيى بن يعمر أنه كان يقرأ ذلك:"تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنُ" رفعًا= بتأويل: على الذي هو أحسن.
١٤١٧٧- حدثني بذلك أحمد بن يوسف قال، حدثنا القاسم بن سلام قال، حدثنا الحجاج، عن هارون، عن أبي عمرو بن العلاء، عن يحيى بن يعمر.
* * *
قال أبو جعفر: وهذه قراءة لا أستجيز القراءة بها، وإن كان لها في العربية وجه صحيح، لخلافها ما عليه الحجة مجمعة من قرأة الأمصار.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب، قول من قال: معناه: ثم آتينا موسى الكتاب تمامًا لنعمنا عنده، على الذي أحسن موسى في قيامه بأمرنا ونهينا = لأن ذلك أظهرُ معانيه في الكلام، وأن إيتاء موسى كتابه نعمةٌ من الله عليه ومنة عظيمة. فأخبر جل ثناؤه أنه أنعم بذلك عليه لما سلف له من صالح عمل وحُسن طاعة.
* * *
ولو كان التأويل على ما قاله ابن زيد، كان الكلام: ثم آتينا موسى الكتاب تمامًا على الذي أحسنّا = أو: ثم آتى الله موسى الكتاب تمامًا على الذي أحسن.
وفي وصفه جل ثناؤه نفسه بإيتائه الكتاب، ثم صرفه الخبر بقوله:"أحسن"، إلى غير المخبر عن نفسه بقرب ما بين الخبرين = الدليلُ الواضح على أن القول غير القول الذي قاله ابن زيد.
* * *
وأما ما ذكر عن مجاهد من توجيهه"الذي" إلى معنى الجميع، فلا دليل في الكلام يدل على صحة ما قال من ذلك. بل ظاهر الكلام بالذي اخترنا من القول أشبه. وإذا تنوزع في تأويل الكلام، كان أولى معانيه به أغلبُه على الظاهر، إلا أن يكون من العقل أو الخبر دليلٌ واضح على أنه معنيٌّ به غير ذلك.
* * *
وأما قوله: (وتفصيلا لكل شيء)، فإنه يعني: وتبيينًا لكل شيء من أمر الدين الذي أمروا به. (١)
* * *
= فتأويل الكلام إذًا: ثم آتينا موسى التوراة تمامًا لنعمنا عنده وأيادينا قِبَله، تتم به كرامتنا عليه على إحسانه وطاعته ربَّه وقيامه بما كلّفه من شرائع دينه، وتبيينًا لكل ما بقومه وأتباعه إليه الحاجة من أمر دينهم، (٢) كما:-
١٤١٧٨- حدثني بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: (وتفصيلا لكل شيء)، فيه حلاله وحرامه.
* * *
(١) انظر تفسير ((التفصيل)) فيما سلف ١١٣، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٢) في المطبوعة: ((ما لقومه)) باللام، لم يحسن قراءة المخطوطة.

القول في تأويل قوله: ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾


قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: آتينا موسى الكتاب تمامًا وتفصيلا لكل شيء = (وهدى)، يعني بقوله"وهدى"، تقويمًا لهم على الطريق المستقيم، وبيانًا لهم سُبُل الرشاد لئلا يضلوا = (ورحمة)، يقول: ورحمة منا بهم ورأفة، لننجيهم من الضلالة وَعمى الحيرة. (١)
وأما قوله: (لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون)، فإنه يعني: إيتائي موسى الكتاب تمامًا لكرامة الله موسى، على إحسان موسى، وتفصيلا لشرائع دينه، وهدًى لمن اتبعه، ورحمة لمن كان منهم ضالا لينجيه الله به من الضلالة، وليؤمن بلقاء ربه إذا سمع مواعظ الله التي وعظ بها خلقه فيه، فيرتدع عما هو عليه مقيمٌ من الكفر به، وبلقائه بعد مماته، فيطيع ربه، ويصدِّق بما جاءه به نبيه موسى صلى الله عليه وسلم.
* * *

القول في تأويل قوله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥)﴾


قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: (وهذا كتاب أنزلناه مبارك)، وهذا القرآن الذي أنزلناه إلى نبينا محمد ﷺ ="كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه"، (٢) يقول: فاجعلوه إمامًا تتّبعونه وتعملون بما فيه، أيها الناس (٣) = (واتقوا)،
(١) انظر تفسير ((الهدى)) و ((الرحمة)) فيما سلف من فهارس اللغة (هدى) و (رحم).
(٢) انظر تفسير ((مبارك)) فيما سلف ٧: ٢٥ /١١: ٥٣٠.
(٣) انظر تفسير ((الاتباع)) فيما سلف من فهارس اللغة (تبع).

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
قال ابن جرير :﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ تقديره : ثم قل - يا محمد - مخبرًا عنا بأنا آتينا موسى الكتاب، بدلالة قوله :﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾
قلت : وفي هذا نظر، وثُم هاهنا إنما هي لعطف الخبر بعد الخبر، لا للترتيب هاهنا، كما قال الشاعر :
قُلْ لِمَنْ سَادَ ثُم سَادَ أبوهُثُمّ قد سَادَ قَبْلَ ذَلكَ جَده(١)
وهاهنا لما أخبر الله تعالى عن القرآن بقوله :﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ عطف بمدح التوراة ورسولها، فقال :﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ وكثيرًا ما يقرن سبحانه(٢) بين ذكر القرآن والتوراة، كقوله تعالى :﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا﴾ [الأحقاف: ١٢]، وقوله [ في ](٣) أول هذه السورة :﴿قُلْ مَنْ أَنزلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ [ الآية : ٩١ ]، وبعدها ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ الآية [الأنعام: ٩٢]، وقال تعالى مخبرًا عن المشركين :﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ قال تعالى :﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾ [القصص: ٤٨]، وقال تعالى مخبرًا عن الجن أنهم قالوا :﴿قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ [ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ ]﴾(٤) [الأحقاف: ٣٠].
وقوله تعالى :﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلا﴾ أي : آتيناه الكتاب الذي أنزلناه إليه تمامًا كاملا جامعا لجميع ما يحتاج إليه في شريعته، كما قال :﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الألْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ الآية [الأعراف: ١٤٥].
وقوله :﴿عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ أي : جزاء على إحسانه في العمل، وقيامه بأوامرنا وطاعتنا، كقوله :﴿هَلْ جَزَاءُ الإحْسَانِ إِلا الإحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]، وكقوله ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا [ قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ]﴾(٥) [البقرة: ١٢٤]، وقوله :﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤].
وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس :﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ يقول : أحسن فيما أعطاه الله.
وقال قتادة : من أحسن في الدنيا تمم له ذلك في الآخرة.
واختار ابن جرير أن تقديره الكلام :﴿[ ثُمَّ ] آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا﴾(٦) على إحسانه. فكأنه جعل " الذي " مصدرية، كما قيل في قوله تعالى :﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ [التوبة: ٦٩] أي : كخوضهم وقال ابن رَوَاحة :
فَثَبَّتَ اللهُ ما آتاكَ مِنْ حَسَنٍفي المرسلين ونصرًا كالذي نُصِرُوا(٧)
وقال آخرون : الذي هاهنا بمعنى " الذين ".
قال ابن جرير : وقد ذكر عن عبد الله بن مسعود : أنه كان يقرؤها :" تماما على الذين أحسنوا ".
وقال ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد :﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ قال : على المؤمنين والمحسنين، وكذا قال أبو عبيدة. قال البغوي : والمحسنون : الأنبياء والمؤمنون، يعني : أظهرنا فضله عليهم.
قلت : كما قال تعالى :﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤]، ولا يلزم اصطفاؤه على محمد ﷺ خاتم الأنبياء والخليل، عليهما السلام لأدلة أخر.
قال ابن جرير : وروى أبو عمرو بن العلاء عن يحيى بن يَعْمَر أنه كان يقرؤها. ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنُ﴾ رفعا، بتأويل :" على الذي هو أحسن "، ثم قال : وهذه قراءة لا أستجيز القراءة بها، وإن كان لها في العربية وجه صحيح.
وقيل : معناه : تمامًا على إحسان الله إليه زيادة على ما أحسن الله إليه، حكاه ابن جرير، والبَغوي.
ولا منافاة بينه وبين القول الأول، وبه جمع ابن جرير كما بيناه، ولله الحمد.
وقوله :﴿وَتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾ فيه مَدْحٌ لكتابه الذي أنزله الله عليه، ﴿لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾
١ لم أعرف قائله..
٢ في أ: "الله تعالى"..
٣ زيادة من أ..
٤ زيادة من م، أ، وفي هـ "الآية".
.

٥ زيادة من أ..
٦ زيادة من أ..
٧ البيت في السيرة النبوية لابن هشام (٢/٣٧٤).
.

المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَان الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا سفيان بن حسين، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَيُّكُمْ يُبَايِعُنِي عَلَى هَذِهِ (١) الْآيَاتِ الثَّلَاثِ؟ ". ثُمَّ تَلَا ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ حَتَّى فَرَغَ مِنْ ثَلَاثِ الْآيَاتِ، ثُمَّ قَالَ: "وَمَنْ وَفَّى بِهِنَّ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنِ انْتَقَصَ مِنْهُنَّ شَيْئًا أَدْرَكَهُ (٢) اللَّهُ فِي الدُّنْيَا كَانَتْ عُقُوبَتَهُ، وَمَنْ أخَّرَه إِلَى الْآخِرَةِ كَانَ أَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ أَخَذَهُ، وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ" (٣).
﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (١٥٤) وَهَذَا كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥)﴾
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ تَقْدِيرُهُ: ثُمَّ قُلْ -يَا مُحَمَّدُ -مُخْبِرًا عَنَّا بِأَنَّا آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ، بِدَلَالَةِ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾
قلت: وفي هذا نظر، وثُم هَاهُنَا إِنَّمَا هِيَ لِعَطْفِ الْخَبَرِ بَعْدَ الْخَبَرِ، لَا لِلتَّرْتِيبِ هَاهُنَا، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
قُلْ لِمَنْ سَادَ ثُم سَادَ أبوهُثُمّ قَدْ سَادَ قَبْلَ ذَلكَ جَده (٤)
وَهَاهُنَا لَمَّا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنِ الْقُرْآنِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ عَطَفَ بِمَدْحِ التَّوْرَاةِ وَرَسُولِهَا، فَقَالَ: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ وَكَثِيرًا مَا يَقْرِنُ سُبْحَانَهُ (٥) بَيْنَ ذِكْرِ الْقُرْآنِ وَالتَّوْرَاةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا﴾ [الْأَحْقَافِ: ١٢]، وَقَوْلُهُ [فِي] (٦) أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿قُلْ مَنْ أَنزلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ [الْآيَةَ: ٩١]، وَبَعْدَهَا ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ الْآيَةَ [الْأَنْعَامِ: ٩٢]، وَقَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْمُشْرِكِينَ: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾ [الْقَصَصِ: ٤٨]، وَقَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْجِنِّ أَنَّهُمْ قَالُوا: ﴿قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ [وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ]﴾ (٧) [الْأَحْقَافِ: ٣٠].
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلا﴾ أَيْ: آتَيْنَاهُ الْكِتَابَ الَّذِي أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْهِ تَمَامًا كَامِلًا جَامِعًا لِجَمِيعِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي شَرِيعَتِهِ، كَمَا قَالَ: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الألْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ الآية [الأعراف: ١٤٥].
(١) في م: "هؤلاء".
(٢) في أ: "فأدركه".
(٣) ورواه الحاكم في المستدرك (٢/٣١٨) من طريق يزيد بن هارون به.
(٤) لم أعرف قائله.
(٥) في أ: "الله تعالى".
(٦) زيادة من أ.
(٧) زيادة من م، أ، وفي هـ "الآية".
وَقَوْلُهُ: ﴿عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ أَيْ: جَزَاءً عَلَى إِحْسَانِهِ فِي الْعَمَلِ، وَقِيَامِهِ بِأَوَامِرِنَا وَطَاعَتِنَا، كَقَوْلِهِ: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإحْسَانِ إِلا الإحْسَانُ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٦٠]، وَكَقَوْلِهِ ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا [قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ]﴾ (١) [الْبَقَرَةِ: ١٢٤]، وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السَّجْدَةِ: ٢٤].
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ يَقُولُ: أَحْسَنَ فِيمَا أَعْطَاهُ اللَّهُ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: مَنْ أَحْسَنَ فِي الدُّنْيَا تَمَّمَ لَهُ ذَلِكَ فِي الآخرة.
واختار ابن جرير أن تقديره الْكَلَامِ: ﴿[ثُمَّ] آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا﴾ (٢) عَلَى إِحْسَانِهِ. فَكَأَنَّهُ جَعَلَ "الَّذِي" مَصْدَرِيَّةً، كَمَا قِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ [التَّوْبَةِ: ٦٩] أَيْ: كَخَوْضِهِمْ وَقَالَ ابْنُ رَوَاحة:
فَثَبَّتَ اللهُ مَا آتاكَ مِنْ حَسَنٍفِي الْمَرْسَلِينَ وَنَصْرًا كَالَّذِي نُصِرُوا (٣)
وَقَالَ آخَرُونَ: الَّذِي هَاهُنَا بِمَعْنَى "الَّذِينَ".
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا: "تَمَامًا عَلَى الَّذِينَ أَحْسَنُوا".
وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ قَالَ: عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُحْسِنِينَ، وَكَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ. قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَالْمُحْسِنُونَ: الْأَنْبِيَاءُ وَالْمُؤْمِنُونَ، يَعْنِي: أَظْهَرْنَا فَضْلَهُ عَلَيْهِمْ.
قُلْتُ: كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٤٤]، وَلَا يَلْزَمُ اصْطِفَاؤُهُ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْخَلِيلِ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ لِأَدِلَّةٍ أُخَرَ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَرَوَى أَبُو عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَر أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا. ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ رَفْعًا، بِتَأْوِيلِ: "عَلَى الَّذِي هُوَ أَحْسَنُ"، ثُمَّ قَالَ: وَهَذِهِ قِرَاءَةٌ لَا أَسْتَجِيزُ الْقِرَاءَةَ بِهَا، وَإِنْ كَانَ لَهَا فِي الْعَرَبِيَّةِ وَجْهٌ صَحِيحٌ.
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: تَمَامًا عَلَى إِحْسَانِ اللَّهِ إِلَيْهِ زِيَادَةً عَلَى مَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْهِ، حَكَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، والبَغوي.
وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، وَبِهِ جَمَعَ ابْنُ جَرِيرٍ كَمَا بَيَّنَّاهُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾ فِيهِ مَدْحٌ لِكِتَابِهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، ﴿لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَهَذَا كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ فِيهِ الدَّعْوَةُ إِلَى اتِّبَاعِ الْقُرْآنِ وَوَصْفِهِ بِالْبَرَكَةِ لِمَنِ اتَّبَعَهُ وَعَمِلَ بِهِ في الدنيا والآخرة.
(١) زيادة من أ.
(٢) زيادة من أ.
(٣) البيت في السيرة النبوية لابن هشام (٢/٣٧٤).

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
{ ١٥٤ - ١٥٧ } ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ﴾
﴿ثُمَّ﴾ في هذا الموضع، ليس المراد منها الترتيب الزماني، فإن زمن موسى عليه السلام، متقدم على تلاوة الرسول محمد ﷺ هذا الكتاب، وإنما المراد الترتيب الإخباري. فأخبر أنه آتى ﴿مُوسَى الْكِتَابَ﴾ وهو التوراة ﴿تَمَامًا﴾ لنعمته، وكمالا لإحسانه. ﴿عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ من أُمة موسى، فإن الله أنعم على المحسنين منهم بنِعَم لا تحصى. من جملتها وتمامها إنزال التوراة عليهم. فتمت عليهم نعمة الله، ووجب عليهم القيام بشكرها.
﴿وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ يحتاجون إلى تفصيله، من الحلال والحرام، والأمر والنهي، والعقائد ونحوها. ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾ أي : يهديهم إلى الخير، ويعرفهم بالشر، في الأصول والفروع. ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ يحصل به لهم السعادة والرحمة والخير الكثير. ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ بسبب إنزالنا الكتاب والبينات عليهم ﴿بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ فإنه اشتمل من الأدلة القاطعة على البعث والجزاء بالأعمال، ما يوجب لهم الإيمان بلقاء ربهم والاستعداد له.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{١٥٤ - ١٥٧} ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ﴾.
﴿ثُمَّ﴾ في هذا الموضع، ليس المراد منها الترتيب الزماني، فإن زمن موسى عليه السلام، متقدم على تلاوة الرسول محمد ﷺ هذا الكتاب، وإنما المراد الترتيب الإخباري. فأخبر أنه آتى ﴿مُوسَى الْكِتَابَ﴾ وهو التوراة ﴿تَمَامًا﴾ لنعمته، وكمالا لإحسانه. ﴿عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ -[٢٨١]- من أُمة موسى، فإن الله أنعم على المحسنين منهم بنِعَم لا تحصى. من جملتها وتمامها إنزال التوراة عليهم. فتمت عليهم نعمة الله، ووجب عليهم القيام بشكرها.
﴿وَتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ يحتاجون إلى تفصيله، من الحلال والحرام، والأمر والنهي، والعقائد ونحوها. ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾ أي: يهديهم إلى الخير، ويعرفهم بالشر، في الأصول والفروع. ﴿وَرَحْمَة﴾ يحصل به لهم السعادة والرحمة والخير الكثير. ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ بسبب إنزالنا الكتاب والبينات عليهم ﴿بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ فإنه اشتمل من الأدلة القاطعة على البعث والجزاء بالأعمال، ما يوجب لهم الإيمان بلقاء ربهم والاستعداد له.
﴿وَهَذَا﴾ القرآن العظيم، والذكر الحكيم. ﴿كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ أي: فيه الخير الكثير والعلم الغزير، وهو الذي تستمد منه سائر العلوم، وتستخرج منه البركات، فما من خير إلا وقد دعا إليه ورغب فيه، وذكر الحكم والمصالح التي تحث عليه، وما من شر إلا وقد نهى عنه وحذر منه، وذكر الأسباب المنفرة عن فعله وعواقبها الوخيمة ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ فيما يأمر به وينهى، وابنوا أصول دينكم وفروعه عليه ﴿وَاتَّقُوا﴾ الله تعالى أن تخالفوا له أمرا ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ إن اتبعتموه ﴿تُرْحَمُونَ﴾ فأكبر سبب لنيل رحمة الله اتباع هذا الكتاب، علما وعملا.
﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنزلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾ أي: أنزلنا إليكم هذا الكتاب المبارك قطعا لحجتكم، وخشية أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا، أي: اليهود والنصارى.
﴿وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾ أي: تقولون لَمْ تنزل علينا كتابا، والكتب التي أنزلتها على الطائفتين ليس لنا بها علم ولا معرفة، فأنزلنا إليكم كتابا، لم ينزل من السماء كتاب أجمع ولا أوضح ولا أبين منه.
﴿أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنزلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ﴾ أي: إما أن تعتذروا بعدم وصول أصل الهداية إليكم، وإما أن تعتذروا، بـ[عدم] كمالها وتمامها، فحصل لكم بكتابكم أصل الهداية وكمالها، ولهذا قال: ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وهذا اسم جنس، يدخل فيه كل ما يبين الحق ﴿وَهُدًى﴾ من الضلالة ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ أي: سعادة لكم في دينكم ودنياكم، فهذا يوجب لكم الانقياد لأحكامه والإيمان بأخباره، وأن من لم يرفع به رأسا وكذب به، فإنه أظلم الظالمين، ولهذا قال: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا﴾ أي: أعرض ونأى بجانبه.
﴿سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ﴾ أي: العذاب الذي يسوء صاحبه ويشق عليه. ﴿بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ﴾ لأنفسهم ولغيرهم، جزاء لهم على عملهم السيء ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾.
وفي هذه الآيات دليل على أن علم القرآن أجل العلوم وأبركها وأوسعها، وأنه به تحصل الهداية إلى الصراط المستقيم، هداية تامة لا يحتاج معها إلى تخرص المتكلمين، ولا إلى أفكار المتفلسفين، ولا لغير ذلك من علوم الأولين والآخرين.
وأن المعروف أنه لم ينزل جنس الكتاب إلا على الطائفتين، [من] اليهود والنصارى، فهم أهل الكتاب عند الإطلاق، لا يدخل فيهم سائر الطوائف، لا المجوس ولا غيرهم.
وفيه: ما كان عليه الجاهلية قبل نزول القرآن، من الجهل العظيم وعدم العلم بما عند أهل الكتاب، الذين عندهم مادة العلم، وغفلتهم عن دراسة كتبهم.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١١٠ كتب)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مجاهد — مجاهد بن جبر تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان معاني القرآن — الفراء معاني القرآن للفراء — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى تفسير القرآن — الصنعاني غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي أحكام القرآن — الجصاص بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تفسير ابن عرفة — ابن عرفة تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — محمد رشيد رضا تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

تذكرة الأريب في تفسير الغريب
ثم آتينا موسى الكتاب
أي كنا قد اتينا موسى الكتاب وهو التوراة
تماما
لكرامته على احسانه في الدنيا

إعراب الآية ١٥٤ من سورة الأنعام

من كتاب: إعراب القرآن

[الجن: ١٨] والفراء «١» يذهب إلى أنها في موضع خفض بمعنى «ذلكم وصّاكم به» ووصّاكم بأنّ هذا صراطي مستقيما، والكسائي يذهب إلى أنها في موضع نصب على هذا المعنى إلا أنه لمّا حذف الباء نصب وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي وَأَنَّ هذا «٢» بكسر الهمزة وهذا مستأنف ومن قرأ وَأَنَّ هذا «٣» بالتخفيف فهذا عنده في موضع رفع بالابتداء ويجوز النصب ومعنى وأنّ هذا صراطي مستقيما لا يعرّج من سلكه.
مُسْتَقِيماً على الحال. فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ أي لا تتبعوا الديانات المختلفة.
فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ جواب النهي. ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ مثل الأول.

[سورة الأنعام (٦) : آية ١٥٤]

ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (١٥٤)
ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مفعولان تَماماً مفعول من أجله ومصدر. عَلَى الَّذِي خفض بعلى أَحْسَنَ فعل ماض داخل في الصلة وهذا قول البصريين وأجاز الكسائي والفراء «٤» أن يكون اسما نعتا للذي وأجاز: مررت بالذي أخيك، ينعتان الذي بالمعرفة وما قاربها وذا محال عند البصريين لأنه نعت للاسم قبل أن يتم والمعنى عندهم على المحسن، وأجاز الكسائي والفراء أن يكون الذي بمعنى الذين أي على المحسن، وحكي عن محمد بن يزيد قول رابع قال: هو مثل قولك: إذا ذكر زيد مررت بالذي ضرب أي الذي ضربه فالمعنى تماما على الذي أحسنه الله إلى موسى من الرسالة وغيرها وَتَفْصِيلًا عطف وكذا وَهُدىً وَرَحْمَةً.

[سورة الأنعام (٦) : آية ١٥٥]

وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥)
وَهذا كِتابٌ ابتداء وخبر. مُبارَكٌ نعت، ويجوز في غير القرآن: مباركا.
على الحال.

[سورة الأنعام (٦) : آية ١٥٦]

أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ (١٥٦)
أَنْ تَقُولُوا في موضع نصب بمعنى كراهة أن تقولوا وقال الفراء «٥» أي: واتّقوا أن تقولوا.
(١) انظر معاني الفراء ١/ ٣٦٤، والبحر المحيط ٤/ ٢٥٤.
(٢) انظر تيسير الداني ٨٩.
(٣) انظر تيسير الداني ٨٩، والبحر المحيط ٤/ ٢٥٤، وهذه قراءة ابن عامر.
(٤) انظر معاني الفراء ١/ ٣٦٥، والبحر المحيط ٤/ ٢٥٥.
(٥) انظر معاني الفراء ١/ ٣٦٦، والبحر المحيط ٤/ ٢٥٧.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

الموضوعات القرآنية للآية ١٥٤ من سورة الأنعام

٥ موضوعات تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

١٥ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير الآية

٨ أقوال
١
قال الحسن البصري: منهم المحسن، ومنهم المسيء، فنزل الكتاب تمامًا على المحسنين١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٤‏/‏٢٠٦.
٢
عن قتادة بن دعامة -من طريق معمر، وسعيد- في قوله: ﴿تماما على الذي أحسن﴾، قال: مَن أحسنَ في الدنيا تمَّم الله ذلك له في الآخرة. وفي لفظ: تمَّتْ له كرامةُ الله يومَ القيامة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٦٧٦ بنحو اللفظ الثاني من طريق سعيد، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٤٢٣ بنحو اللفظ الأول من طريق معمر. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وأبي الشيخ.
٣
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر-: ﴿ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن﴾ فيما أعطاه الله١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٦٧٦، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٤٢٣.
تعليقات المحققين
  1. ٢وجَّه ابنُ جرير (٩/٦٧٦) قول الربيع، فقال: «وعلى هذا التأويل الذي تأوَّله الربيع يكونُ ﴿أحْسَنَ﴾ نصبًا لأنه فعلٌ ماضٍ، و﴿الَّذِي﴾ بمعنى: ما، وكان الكلام حينئذٍ: ثم آتينا موسى الكتاب تمامًا على ما أحسن موسى، أي: آتيناه الكتاب لأُتَمِّم له كرامتي في الآخرة، تمامًا على إحسانه في الدنيا في عبادة الله، والقيام بما كلَّفه به من طاعته».
٤
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ثم آتينا موسى الكتاب﴾ يعني: أعطيته التوراة ﴿تماما على الذي أحسن﴾ يقول: تَمَّت الكرامة على مَن أحسن منهم في الدنيا والآخرة، فتَمَّم الله لبني إسرائيل ما وعدهم من قوله: ﴿ونريد أن نمن على الذين استضعفوا﴾... إلى آيتين [القصص:٥-٦]١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٥٩٧.
٥
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿تماما على الذي أحسن﴾، قال: تمامًا لِنَعمِه عليهم، وإحسانه إليهم١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٦٧٧، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٤٢٣.
تعليقات المحققين
  1. ٢وجَّه ابنُ جرير (٩/٦٧٧) قول ابن زيد، فقال: «و﴿أحْسَنَ﴾ على هذا التأويل أيضًا في موضع نصبٍ على أنه فعلٌ ماضٍ، و﴿الَّذِي﴾ على هذا القول والقول الذي قاله الربيع بمعنى: ما». ووافقه ابنُ عطية (٣/٤٩٦).
٦
عن أبي صخر حميد بن زياد -من طريق المُفَضَّل بن فَضالَة- في قوله: ﴿تماما على الذي أحسن﴾، قال: تمامًا لِما قد كان من إحسانه إليه١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم/١٤٢٣ بلفظ: الله هو الذي أحسن، آتى محمدًا الكتاب من عنده، تمامًا لِما قد كان من إحسانه إليه، يقول: ﴿ثم آتينا موسى الكتاب تماما﴾ على أنّ الذي أتم ذلك له، فالله الذي أحسن"".
تعليقات المحققين
  1. ٢رجَّح ابن جرير (٩/٦٧٧) مستندًا إلى أنّه أظهر معاني الكلام قولَ الربيع، وقتادة، وأنّ المعنى: ثم آتينا موسى الكتاب تمامًا لِنِعَمِنا عنده على الذي أحسن موسى في قيامه بأمرنا ونهينا. وعلَّل ذلك، فقال: «لأنّ ذلك أظهر معانيه في الكلام، وأنّ إيتاء موسى كتابه نعمةٌ من الله عليه، ومِنَّةٌ عظيمةٌ، فأخبر -جلَّ ثناؤه- أنّه أنْعم بذلك عليه لما سَلَف له من صالح عملٍ، وحسن طاعةٍ». ثم انتَقَد (٩/٦٧٨) قولَ ابن زيد، فقال: «ولو كان التأويل على ما قاله ابنُ زيد كان الكلام: ثم آتينا موسى الكتاب تمامًا على الذي أحسنّا. أو: ثم آتى الله موسى الكتاب تمامًا على الذي أحسن. وفي وصفه -جلَّ ثناؤُه- نفسَه بإيتائه الكتاب، ثم صَرْفِه الخبر بقوله: ﴿أحْسَنَ﴾ إلى غير المُخْبِر عن نفسه، بِقُرْبِ ما بين الخبرين؛ الدليلُ الواضح على أنّ القول غيرُ الذي قاله ابن زيد». وانتقد أيضًا قولَ مجاهد، فقال: «وأمّا ما ذُكِر عن مجاهدٍ من توجيهه ﴿الَّذِي﴾ إلى معنى الجميع، فلا دليل في الكلام يدل على صحة ما قال من ذلك، بل ظاهر الكلام بالذي اخترنا من القول أشْبَه، وإذا تُنُوزِع في تأويل الكلام كان أوْلى معانيه به أغلبه على الظاهر، إلا أن يكون من العقل أو الخبر دليلٌ واضحٌ على أنه معنيٌّ به غير ذلك».
٧
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نَجِيح- في قوله: ﴿تماما على الذي أحسن﴾، قال: على المؤمنين المحسنين١٢
التخريج
  1. ١تفسير مجاهد ص٣٣١، وأخرجه ابن جرير ٩‏/‏٦٧٤ بلفظ: المؤمنين والمحسنين، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٤٢٣ بلفظ: المؤمنين. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وأبي الشيخ.
تعليقات المحققين
  1. ٢اختلفت توجيهات المفسرين لقول مجاهد، فوجّهه ابنُ جرير (٩/٦٧٤) بقوله: «وكأنّ مجاهدًا وجَّه تأويل الكلام ومعناه إلى أنّ الله -جلَّ ثناؤه- أخبر عن موسى أنّه آتاه الكتاب فضيلةً على ما آتى المحسنين من عباده. وإذا كان المعنى كذلك كان قوله: ﴿أحْسَنَ﴾ فعلًا ماضيًا، فيكونُ نصبُه لذلك». وبنحوه حملَه ابنُ كثير (٦/٢٢٤) أنّ إيتاء موسى الكتاب كان فضيلة لموسى، فقال بعد أن ذكر قول مجاهد: «وكذا قال أبوعبيدة، وقال البغوي: المحسنون الأنبياء والمؤمنون، يعني: أظهرنا فضله عليهم. قلت: كقوله تعالى: ﴿قالَ يا مُوسى إنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلى النّاسِ بِرِسالاتِي وبِكَلامِي﴾ [الأعراف:١٤٤]». وحمله ابنُ عطية (٣/٤٩٦) على أنّ مراده: تفضُّلٌ على المحسنين، فقال: «وكأنّ الكلام: وآتينا موسى الكتاب تفضُّلًا على المحسنين من أهل ملته، وإتمامًا للنعمة عندهم».
٨
قال عبد الله بن بُريدة: معناه: تمامًا مِنِّي على وإحساني إلى موسى١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٤‏/‏٢٠٦.

تفسير

٤ أقوال
١
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿وتفصيلا لكل شيء﴾، قال: ما أُمِروا به، وما نُهوا عنه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٤٢٤.
٢
عن مجاهد بن جبر -من طريق خُصَيْف- قال: لَمّا ألقى موسى الألواحَ بقِي الهدى والرحمة، وذهَب التفصيل١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٤٢٤.
٣
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿وتفصيلا لكل شيء﴾، أي: تبيانًا لكلِّ شيء، وفيه حلالُه وحرامُه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٦٧٨ بلفظ: فيه حلاله وحرامه، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٤٢٣. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وأبي الشيخ.
٤
قال مقاتل بن سليمان: ﴿و﴾التوراة ﴿هدى﴾ من الضلالة، ﴿ورحمة﴾ من العذاب، ﴿لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون﴾ يعني: بالبعث الذي فيه جزاء الأعمال١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٥٩٨.

قراءات

٣ أقوال
١
عن هارون، قال: في قراءة عبد الله بن مسعود: (تَمامًا عَلى الَّذِينَ أحْسَنُواْ)١
التخريج
  1. ١علَّقه ابن جرير ٩‏/‏٦٧٤. وعزاه السيوطي إلى ابن الأنباري. وهي قراءة شاذة، تروى أيضًا عن ابن محيصن. انظر: مختصر ابن خالويه ص٤٧.
٢
عن يحيى بن يَعْمَر -من طريق أبي عمرو بن العلاء- أنّه قرأ: (تَمامًا عَلى الَّذِي أحْسَنُ) رفعًا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٦٧٧. وهي قراءة شاذة. انظر: المحتسب ١‏/‏٢٣٤.
٣
عن هارون، قال: قراءةُ الحسن البصري: (تَمامًا عَلى المُحْسِنِينَ)١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن الأنباري في المصاحف. وهي قراءة شاذة. انظر: روح المعاني ٨‏/‏٥٩.
التفسير بالمأثور لسورة الأنعام كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ١٥٤ من سورة الأنعام

وقفة واحدة في هذه الآية

  • "وآتينا موسى الكتاب" إذا أراد الله بعبد كرامة : آتاه الكتاب إنزالا .. أو حفظا .. أو فهما .. أو تدبرا .. أو عملا .. أو تلاوة .

    — ابو حمزة الكناني

ترجمات معاني الآية ١٥٤ من سورة الأنعام

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(154) Then[358] We gave Moses the Scripture, making complete [Our favor] upon the one who did good [i.e., Moses] and as a detailed explanation of all things and as guidance and mercy that perhaps in the meeting with their Lord they would believe.
[358]- Meaning "additionally" or "moreover," not denoting time sequence.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال