جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتابالقول في تأويل قوله تعالى :﴿انظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَىَ أَنفُسِهِمْ وَضَلّ عَنْهُمْ مّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾. .
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : انظر يا محمد فاعلم كيف كذب هؤلاء المشركون العادلون بربهم الأوثان والأصنام في الآخرة، عند لقاء الله على أنفسهم بقيلهم : والله يا ربنا ما كنا مشركين، واستعملوا هنالك الأخلاق التي كانوا بها متخلقين في الدنيا من الكذب والفرية.
ومعنى النظر في هذا الموضع : النظر بالقلب لا النظر بالبصر، وإنما معناه : تبين، فاعلم كيف كذبوا في الاَخرة. وقال :«كذبوا »، ومعناه : يكذبون، لأنه لما كان الخبر قد مضى في الآية قبلها صار كالشيء الذي قد كان ووجد. وضَلّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ يقول : وفارقهم الأنداد والأصنام وتبرّءوا منها، فسلكوا غير سبيلها لأنها هلكت، وأعيد الذين كانوا يعبدونها اجتزاء، ثم أخذوا بما كانوا يفترونه من قيلهم فيها على الله وعبادتهم إياه وإشراكهم إياها في سلطان الله، فضلّت عنهم، وعوقب عابدوها بفريتهم. وقد بينا فيما مضى أن معنى الضلال : الأخذ على غير الهدى. وقد ذكر أن هؤلاء المشركين يقولون هذا القول عند معاينتهم سعة رحمة الله يومئذٍ. ذكر الرواية بذلك.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا حكام، قال : حدثنا عمرو، عن مطرف، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، قال : أتى رجل ابن عباس، فقال : قال الله : وَاللّهِ رَبّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ فإنه لما رأوا أنه لا يدخل الجنة إلاّ أهل الإسلام فقالوا : تعالوا لنجحد قالُوا وَاللّهِ رَبّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ فختم الله على أفواههم وتكلمت أيديهم وأرجلهم وَلا يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثا.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله تعالى : وَاللّهِ رَبّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ قال : قول أهل الشرك حين رأوا الذنوب تغفر، ولا يغفر الله لمشرك، انظر كيف كذبوا على أنفسهم بتكذيب الله إياهم.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بنحوه.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله : وَاللّهِ رَبّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ ثم قال : ولا يَكْتُمونَ الله حَدِيثا بجوارحهم.
حدثنا ابن وكيع، قال حدثنا أبي، عن حمزة الزيات، عن رجل يقال له هشام، عن سعيد بن جبير : ثُمّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إلاّ أنْ قالُوا وَاللّهِ رَبّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ قال : حلفوا واعتذروا، قالوا : والله ربنا.
حدثني المثنى، قال : حدثنا قبيصة بن عقبة، قال : حدثنا سفيان، عن سعيد بن جبير، قال : أقسموا واعتذروا : والله ربنا.
حدثنا هناد، قال : حدثنا وكيع، عن حمزة الزيات، عن رجل يقال له هشام، عن سعيد بن جبير بنحوه.
حدثنا هناد، قال : حدثنا أبو معاوية، عن سفيان بن زياد العصفري، عن سعيد بن جبير، في قوله : وَاللّهِ رَبّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ قال : لما أمر بإخراج رجال من النار من أهل التوحيد، قال من فيها من المشركين : تعالوا نقول : لا إله إلاّ الله، لعلنا نخرج مع هؤلاء قال : فلم يصدّقوا، قال : فحلفوا : وَاللّهِ رَبّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ قال : فقال الله : انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا على أنْفُسِهِمْ وَضَلّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : وَضَلّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ : أي يشركون به.
حدثنا الحرث، قال : حدثنا عبد العزيز، قال : حدثنا المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله : وَاللّهِ رَبّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ قال : لما رأى المشركون أنه لا يدخل الجنة إلاّ مسلم، قالوا : تعالوا إذا سئلنا قلنا وَاللّهِ رَبّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ. فسئلوا، فقالوا ذلك، فختم الله على أفواههم وشهدت عليهم جوارحهم بأعمالهم، فودّ الذين كفروا حين رأوا ذلك لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثا.
حدثني الحرث، قال : ثني عبد العزيز، قال : حدثنا مسلم بن خلف، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال : يأتي على الناس يوم القيامة ساعة لما رأى أهل الشرك أهل التوحيد يُغْفر لهم، فيقولوا : وَاللّهِ رَبّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ قال : انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا على أنْفُسِهِمْ وَضَلّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ.
حدثني الحرث، قال : حدثنا عبد العزيز، قال حدثنا سفيان عن رجل، عن سعيد بن جبير، أنه كان يقول : وَاللّهِ رَبّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ يخفضها. قال : أقسموا واعتذروا. قال الحرث : قال عبد العزيز، قال سفيان مرّة أخرى، ثني هشام، عن سعيد بن جبير.