زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ﴾ في معنى ﴿وقفوا﴾ ستة أقوال :
أحدها : حبسوا عليها، قاله ابن السائب. والثاني : عرضوا عليها، قاله مقاتل.
والثالث : عاينوها. والرابع : وقفوا عليها وهي تحتهم. والخامس : دخلوا إليها فعرفوا مقدار عذابها، تقول : وقفت على ما عند فلان، أي : فهمته وتبينته، ذكر هذه الأقوال الثلاثة الزجاج، واختار الأخير. وقال ابن جرير :﴿على﴾ هاهنا بمعنى ﴿في﴾.
والسادس : جعلوا عليها وقفا، كالوقوف المؤبدة على سبلها، ذكره الماوردي. والخطاب بهذه الآية للنبي ﷺ، والوعيد للكفار، وجواب ﴿لو﴾ محذوف، ومعناه : لو رأيتهم في تلك الحال، لرأيت عجبا.
قوله تعالى :﴿وَلاَ نُكَذّبَ بِآيَاتِ رَبّنَا﴾ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، والكسائي، وأبو بكر، عن عاصم برفع الباء من " نكذب "، والنون من " نكون ".
قال الزجاج : والمعنى أنهم تمنوا الرد، وضمنوا أنهم لا يكذبون. والمعنى : يا ليتنا نرد، ونحن لا نكذب بآيات ربنا، رُدِدْنا أو لم نُردَّ، ونكون من المؤمنين، لأنا قد عاينا ما لا نكذب معه أبداً.
قال : ويجوز الرفع على وجه آخر، على معنى ﴿يا ليتنا نرد﴾، يا ليتنا لا نكذب، كأنهم تمنوا الرد والتوفيق للتصديق.
وقال الأخفش : إذا رفعت جعلته على مثل اليمين، كأنهم قالوا : ولا نكذب - والله - بآيات ربنا، ونكون - والله - من المؤمنين. وقرأ حمزة إلا العجلي، وحفص عن عاصم، ويعقوب : بنصب الباء من " نكذبَ "، والنون من " نكون ".
قال مكي بن أبي طالب : وهذا النصب على جواب التمني، وذلك بإضمار " أن "، حملا على مصدر " نرد "، فأضمرت " أن " لتكون مع الفعل مصدراً، فعطف بالواو مصدراً على مصدر. وتقديره : يا ليت لنا ردا، وانتفاء من التكذيب، وكونا من المؤمنين. وقرأ ابن عامر برفع الباء من " نكذبُ "، ونصب النون من " نكون " ؛ فالرفع قد بينا علته، والنصب على جواب التمني.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى