غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
القراءات :﴿وأنشأنا﴾ بغير همز حيث كان : أبو عمرو ويزيد والأعشى وورش من طريق الأصفهاني وحمزة في الوقف. ﴿ولقد استهزئ﴾ وبابه بالهمز : أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعاصم، وقرأ يزيد والشموني وحمزة في الوقف بغير همز الباقون بغير همز مطلقاً ﴿فحاق﴾ بالإمالة حيث كان حمزة.
الوقوف :﴿والنور﴾ ط لأن «ثم» لترتيب الأخبار ﴿يعدلون﴾ ه ﴿أجلاً﴾ ط ﴿تمترون﴾ ه ﴿وفي الأرض﴾ ج وقيل : لا وقف ليصير التقدير وهو الله يعلم سركم وجهركم في السموات وفي الأرض وفيه بعد، بل المعنى وهو المستحق للعبودية في أهل السموات وأهل الأرض. ﴿تكسبون﴾ ه ﴿معرضين﴾ ه ﴿لما جاءهم﴾ ط للابتداء بالتهديد ﴿يستهزءون﴾ ه ﴿مدراراً﴾ ص لعطف المتفقين ﴿آخرين﴾ ه ﴿سحر مبين﴾ ه ﴿عليه ملك﴾ ط ﴿لا ينظرون﴾ ه ﴿يلبسون﴾ ه ﴿يستهزءون﴾ ه ﴿المكذبين﴾ ه.
ثم ذكر دليلاً آخر على إثبات الصانع وعلى صحة المعاد الجسماني فقال ﴿هو الذي خلقكم من طين﴾ أي من آدم لأنه مخلوق من الطين، أو خلقكم من النطفة المتولدة من الأغذية المنتهية إلى العناصر، ولا ريب أن خلق الأغذية المتنوعة من العناصر المتشابهة الأجزاء، ثم توليد النطفة المتشابهة الأجزاء من تلك الأغذية المختلفة، ثم تخليق الأعضاء المختلفة في الصفة والصورة واللون والشكل كالقلب والدماغ والكبد والعظام والغضاريف والرباطات والأوتار وغيرها من المادة المتشابهة لا يمكن إلا بتقدير مقدر حكيم ومدبر رحيم. ثم إن تلك القدرة والحكمة باقية بعد موت الحيوان فيكون قادراً على إعادتها وإعادة الحياة فيها وذلك يدل على صحة القول بالمعاد. أما قوله ﴿ثم قضى أجلاً﴾ فاعلم أن لفظ القضاء قد يرد بمعنى الحكم والأمر ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه﴾ [الإسراء: ٢٣] وبمعنى الخبر والإعلام ﴿وقضينا إلى بني إسرائيل﴾ [الإسراء: ٤] وبمعنى صفة الفعل إذا تم ﴿فقضاهن سبع سموات﴾ [فصلت: ١٢] ومنه قولك : قضى فلان حاجة فلان. والأنسب هاهنا هو الأول. والأجل في اللغة بمعنى الوقت المضروب لانقضاء الأمد. وأصله من التأخير ومنه الآجل نقيض العاجل. ثم إن صريح الآية يدل على حصول أجلين لكل إنسان. فقال أبو مسلم : الأول آجال الماضين لأنهم لما ماتوا صارت آجالهم معلومة، والثاني آجال الباقين لأنها غير معلومة بعد وإنما هي مسماة عند الله تعالى. وقيل : الأول أجل الموت، والثاني أجل القيامة لأنه لا آخر له ولا يعلم أحد كيفية الحال في هذا الأجل إلا الله تعالى. وقيل : الأول ما بين أن يخلق إلى أن يموت، والثاني ما بين الموت والبعث وهو البرزخ. وقيل : الأول النوم، والثاني الموت. وقيل : الأول مقدار ما انقضى من عمل كل أحد، والثاني ما بقي من عمره. وقال حكماء الإسلام : الأول الأجل الطبيعي الذي يمكن بالنسبة إلى المزاج الأول لكل شخص لو بقي مصوناً عن الآفات الخارجية، والثاني الأجل الاخترامي الذي يحصل بسبب من الأسباب الخارجية كالغرق والحرق والقتل واللدغ وغيرها من الأمور المنفصلة. ومعنى ﴿مسمى﴾ أي مذكور اسمه في اللوح المحفوظ. ومعنى ﴿عنده﴾ أي في حكمه وعلمه كما تقول : هذه المسألة عند الشافعي كذا وعند أبي حنيفة كذا. وارتفع ﴿أجل﴾ بالابتداء وجاز ذلك مع تنكيره لمكان وصفه فقارب المعرفة. وإنما لم يقل «وعنده أجل مسمى » تعظيماً لشأن هذا الأجل فكأنه قيل : وأي أجل مسمى عنده ؟ والمرية والامتراء الشك. ومعنى «ثم » تبعيد الامتراء عن مثل هذه الحجة الباهرة الموجبة للتيقن في أمر المبدأ والمعاد.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:التأويل : حمد نفسه القديم الأزلي بكلامه القديم الأزلي على أن خلق سموات القلوب وأرض النفوس وجعل الظلمات. أي الصفات البهيمية والسبعية في النفوس والنور في القلوب وهو صفاتها الملكية والروحانية، فخص الجعل بالمعاني التي هي من عالم الأمر والخلق بالأعيان لأنها من عالم الصورة، ولهذا لما ذكر صورة آدم قال ﴿إني خالق بشراً من طين﴾ [ص: ٧١] وحيث أراد معناه قال ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾ [البقرة: ٣٠] ثم بعد هذا الجعل والخلق مال نفوس الكفار بغلبات الظلمات إلى طاغوت الهوى فجعلوه عديلاً لربهم ﴿ثم قضى أجلاً﴾ للروح المفارق عن حضرته لأيام فراقه ﴿وأجل مسمى عنده﴾ وهو أجل الوصال بعد الفراق بجذبة ﴿ارجعي إلى ربك﴾ [الفجر: ٢٨] ﴿ثم أنتم تمترون﴾ يا أهل الوصال كما يمتري أهل الفراق وهذا محال ﴿وهو الله﴾ في سموات القلوب وفي أرض النفوس يعلم سر الخلافة الذي أودع فيكم ﴿وجهركم﴾ الذي يظهر عنكم ﴿ويعلم ما تكسبون﴾ باستعمال الاستعداد السري والجهري في المأمورات والمنهيات في الخير أو الشر ﴿من آية من آيات ربهم﴾ في الآفاق وفي أنفسهم مكناهم في طلب الحق من قهر النفس وأسباب الخيرات والطاعات. وأرسلنا مطر الواردات من سماء القلوب عليهم مدراراً متوالياً، وجعلنا أنهار الحكمة تجري من تحت نظرهم فأهلكنا مع هذه المقدمات أرواحهم بسموم ذنوب طلب الدنيا مالها وجاهها ﴿وأنشأنا من بعدهم قرناً آخرين﴾ من الطلاب الصادقين التائبين المستقيمين ﴿لجعلناه رجلاً﴾ ليفهموا خطابه ويكون واقفاً على الأحوال البشرية فيعالجهم بما يرى فيه صلاح حالهم كما قال ﴿وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم﴾ [إبراهيم: ٤] قل سيروا في أرض النفوس بقدم التقوى ومخالفة الهوى إلى أن تبلغوا سواحل بحار القلوب فتشاهدوا بأنوار الله المودعة فيها عاقبة من هلكوا في بوادي القطيعة إذ ساروا بقدم الطبيعة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى