الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
قوله :﴿قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله﴾ الآية [ ٣٢ ].
المعنى : قد وُكس(١) فيه بيعه من باع الإيمان بالكفر(٢). وقيل : المعنى :( قد خسروا أعمالهم وثوابها )(٣).
ومعنى لقاء الله هنا : أنه البعث والنشور اللذان(٤) عندهما يكون لقاء الله والمصير إليه(٥).
ويجوز أن يكون معناه : كذبوا بلقاء ثوابه وعقابه(٦) – ( وقد قيل )(٧) في قوله تعالى :﴿فلا تكن(٨) في مرية لقائه﴾(٩) أي : في شك من لقاء موسى ربه وتكليمه له -، ولا يكون اللقاء في هذه الآية النظر إلى الله جل ذكره، لأنهم لم يؤمنوا بالبعث، فضلا عن النظر إليه، وإذا لم يؤمنوا بالبعث، فأحرى ألا يؤمنوا بالنظر، لأن البعث يؤدي إلى النظر إلى الله تعالى ذكره، يراه(١٠) المؤمنون(١١) يوم القيامة.
وقد يكون اللقاء بمعنى القرب والنظر في غير هذا.
ويكون اللقاء بمعنى السبب(١٢) الذي يؤدي إلى اللقاء، مثل هذه الآية، ومنه قولهم :( الله بارك لنا في لقائك )، يراد به : بارك لنا في الموت الذي يؤدي إلى البعث الذي فيه لقاؤك، وقال الله :﴿من كان يرجوا لقاء الله(١٣)(١٤) أي : يخاف الموت.
و﴿بغتة﴾(١٥) نصب على الحال، وهو مصدر في موضع الحال عند سيبويه، ولا يقاس عليه غيره(١٦).
قوله :﴿يا حسرتنا على ما فرطنا فيها﴾ : هذا ( حين )(١٧) يرى أهل النار منازلهم من الجنة لو عملوا بعمل أهل الجنة، فيندمون على التفريط /(١٨) في الدنيا، فيقولون :﴿يا حسرتنا﴾ أي : تعال يا حسرة(١٩)، فهذا وقتُك وإبّانُكِ.
والهاء في ( فيها ) عائد على الصفقة، وهي التي ذكرت قبل في قوله :﴿قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله﴾ أي : خسروا ببيعهم(٢٠) الإيمان بالضلالة، ومنازلهم في الجنة بمنازلهم(٢١) في النار، فإذا جاءتهم(٢٢) الساعة، تبين لهم خسران بيعهم(٢٣)، وندموا في صفقتهم فقالوا :﴿يا حسرتنا على ما فرطنا فيها﴾ أي : في الصفقة(٢٤).
ويجوز أن تعود الهاء على ﴿الدنيا﴾(٢٥)، لأن فيها كان تفريطهم(٢٦).
وقوله :﴿وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم﴾ أي :( آثامهم وذنوبهم )(٢٧). وخص ( الظهر )، لأن الحمل قد يكون على غيره(٢٨).
وروي عن عمرو(٢٩) بن القيس المُلائي(٣٠) أن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله(٣١) أحسن شيء صورة، وأطيبُه ريحا، فيقول : هل تعرفني ؟، فيقول : لا، إلا أن الله قد طيّب ريحك وحسّن صورتك. فيقول : كذلك كنت في الدنيا، أنا عملك الصالح، طال ما ركبتك في الدنيا(٣٢)، فاركبني، أنت اليوم، وتلا ﴿يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا﴾(٣٣).
( وإن )(٣٤) الكافر يستقبله أقبح شيء صورة وأنتنه ريحا، فيقول : هل تعرفني ؟ فيقول لا، إلا أن الله قد قبح صورتك ونتن(٣٥) ريحك. فيقول : كذا(٣٦) كنت في الدنيا، أنا عملك السيء طال ما ركبتني في الدنيا، فأنا اليوم أركبك. وتلا ﴿وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم﴾(٣٧). ورواه أبو هريرة عن النبي عليه السلام بهذا المعنى، واللفظ مختلف.
وقال السدي :( قوله )(٣٨) :﴿وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم﴾ : ليس من رجل ظالم يموت فيدخل قبره(٣٩)، إلاّ جاءه(٤٠) رجل قبيح الوجه، أسود اللون منتن الريح، عليه ثياب دَنِسَة(٤١) حتى يدخل معه في قبره. فإذا رآه(٤٢) قال له : ما أقبح وجهك !، قال : كذلك كان عملك قبيحا. قال : ما أنتن ريحك !، قال :( كذلك كان )(٤٣) عملك منتنا. قال : ما أدنس ثيابك ! ( قال كذلك )(٤٤) كان عملك دنسا. قال : من أنت ؟ قال : أنا عملك. فيكون معه في قبره. فإذا بعث يوم القيامة قال : إني كنت أحملك في الدنيا باللذات والشهوات، وأنت اليوم تحملني. قال : فيركب على ظهره فيسوقه حتى يدخله النار، فذلك قوله :﴿وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم﴾(٤٥).
وروى المقبرة(٤٦) عن أبي هريرة(٤٧) في حديث يرفعه قال : إذا كان يوم القيامة، بعث الله مع كل امرئ مؤمن عمله، ويبعث(٤٨) مع الكافر عمله فلا يرى المؤمن شيئا يروعه ولا شيئا يفزعه ولا يخافه إلا قال له عمله :( أبشر بالذي يسرك، فإنك لست بالذي يراد بهذا ). ولا يرى الكافر شيئا يفزعه ولا يروعه ولا يخافه إلا قال له عمله :( أبشر يا عدو الله بالذي يسوءك، فوالله ( إنك )(٤٩) لأنت الذي ( يراد بهذا ) )(٥٠).
وقوله :﴿ألا ساء ما يزرون﴾ معناه : بئس الشيء يحملون(٥١).
١ ب: وكسر..
٢ انظر: تفسير الطبري ١١/٣٢٤..
٣ ج د: ثوابهم. إعراب النحاس ١/٥٤٣..
٤ ب: أللذن..
٥ انظر: المحرر الوجيز ٦/٣٥، وأحكام القرطبي ٦/٤١١..
٦ انظر: أحكام القرطبي ٦/٤١١، وتفسير البحر ٤/١٠٦..
٧ الظاهر من الطمس في (أ) أنها كما أثبت. ب ج د: جلت عظمته قبل..
٨ ب ج د: تك..
٩ السجدة آية ٢٣..
١٠ ب: برات..
١١ د: المومن..
١٢ ب: السبب..
١٣ ج د: ربه..
١٤ العنكبوت آية ٤..
١٥ د: بغتته..
١٦ انظر: الكتاب ١/٣٧٠، ٣٧١، وإعراب النحاس ١/٥٤٣، وإعراب مكي ٢٥٠، وإعراب ابن الأنباري ١/٣١٨..
١٧ ب: حيز. ساقطة من ج د..
١٨ كلها مطموسة إلا نادرا مع بعض الخرم..
١٩ ج د: حسرتنا. وانظر: حديثا لرسول الله في هذا المعنى في تفسير الطبري ١١/٣٢٦..
٢٠ الظاهر من الطمس في (أ) أنها كما أثبت. ب ج د: في بيعتهم..
٢١ د: بمنازالهم..
٢٢ د: جاءنهم..
٢٣ الظاهر من الطمس في (أ) أنها كما أثبت. ب ج د: بيعتهم..
٢٤ انظر: تفسير الطبري ١١/٣٢٥..
٢٥ الأنعام آية ٣٠..
٢٦ انظر: المحرر الوجيز ٦/٣٦، والتفسير الكبير ١٢/١٩٨، وتفسير البحر ٤/١٠٧..
٢٧ انظر: تفسير الطبري ١١/٣٢٦، وانظر: مجاز أبي عبيدة ١/١٩٠، ومعاني الزجاج ٢/٢٤٢..
٢٨ انظر: تفسير الطبري ١١/٣٢٧، والدر ٢٦٣..
٢٩ الظاهر من الطمس في (أ) أنها كما أثبت. ج د: عمر..
٣٠ مخرومة في أ. ب: الملامي. ج د: الملامي. وانظر: تفسير الطبري ١١/٣٢٧. وهو أبو عبد الله عمرو بن قيس الملائي – بضم الميم وتخفيف – ثقة متقن عابد، توفي سنة بضع وأربعين. انظر: التقريب ٢/٧٧..
٣١ ب: استعمله..
٣٢ ب ج د: الدنيا طيبا..
٣٣ مريم آية ٨٦..
٣٤ مخرومة في أ. ب: فان..
٣٥ مطموسة في أ. ب ج د: نثن. وفي تفسير الطبري ١١/٣٢٧: أنتن..
٣٦ د: كذ..
٣٧ انظر: تفسير الطبري ١١/٣٢٧، والدر ٣/٢٦٣..
٣٨ الظاهر من الطمس في (أ) أنها كما أثبت. ساقطة من ج د: قولوا..
٣٩ ج: خبره..
٤٠ ب: جاء..
٤١ ج: دنست..
٤٢ ب: رواه..
٤٣ ب: كان كذلك..
٤٤ ب: ذلك..
٤٥ انظر: تفسير الطبري ١١/٣٢٨، وتفسير ابن كثير ٢/١٣٣، والدر ٣/٢٦٢، ٢٦٣..
٤٦ هو أبو سعيد كيسان المقبري المدني، تابعي، ثقة، كثير الحديث، لم يعرف نسبه، لأنه كان من الموالي، توفي سنة ١٠٠ هـ. انظر: التهذيب ٨/٤٥٣، والأعلام ٥/٢٣٧..
٤٧ ب: سريرة..
٤٨ الظاهر من الطمس في (أ) أنها كما أثبت. ج د: بعث..
٤٩ ساقطة من ج..
٥٠ ب: تراد به كذا..
٥١ انظر: تفسير الطبري ١١/٣٢٨..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى