المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
وقوله تعالى :﴿وإن كان كبر عليك إعراضهم﴾ الآية، آية فيها إلزام الحجة للنبي ﷺ وتقسيم الأحوال عليه حتى يبين أن لا وجه إلا الصبر والمضي لأمر الله تعالى، والمعنى إن كنت تعظم تكذيبهم وكفرهم على نفسك وتلتزم الحزن عليه فإن كنت تقدر على دخول سرب في أعماق الأرض أو على ارتقاء سلم في السماء فدونك وشأنك به، أي إنك لا تقدر على شيء من هذا، ولا بد لك من التزام الصبر واحتمال المشقة ومعارضتهم بالآيات التي نصبها الله تعالى للناظرين المتأملين، إذ هو لا إله إلا هو لم يرد أن يجمعهم على الهدى، وإنما أراد أن ينصب من الآيات ما يهتدي بالنظر فيه قوم ويضل آخرون، إذ خلقهم على الفطرة وهدى السبيل وسبقت رحمته غضبه، وله ذلك كله بحق ملكه ﴿فلا تكونن من الجاهلين﴾ في أن تأسف وتحزن على أمر أراده الله وأمضاه وعلم المصلحة فيه.
قال القاضي أبو محمد : وهذا أسلوب معنى الآية، واسم كان يصح أن يكون الأمر والشأن و ﴿كبر إعراضهم﴾ خبرها، ويصح أن يكون ﴿إعراضهم﴾ هو اسم كان ويقدر في ﴿كبر﴾ ضمير وتكون ﴿كبر﴾ في موضع الخبر، والأول من الوجهين أقيس، والنفق : السرب في الأرض ومنه نافقاء اليربوع(١)، والسلم : الشيء الذي يصعد عليه ويرتقى، ويمكن أن يشتق اسمه من السلامة لأنه سببها وجمعه سلاليم، ومنه قول الشاعر [ ابن مقبل } :[ البسيط ]
لا يَحْزُنُ المَرْء أحْجاء البلادِ ولا. . . تُبْنَى له في السماواتِ السَّلاليمُ(٢)
و ﴿تأتيهم بآية﴾ أي بعلامة، ويريد إما في فعلك ذلك، أي تكون الآية نفس دخولك في الأرض أو ارتقائك في السماء، وإما أن ﴿تأتيهم بالآية﴾ من احدى الجهتين، وحذف جواب الشرط قبل في قوله ﴿إن استطعت﴾ إيجاز لفهم السامع به، تقديره فافعل أو فدونك كما تقدم، و ﴿لجمعهم﴾ يحتمل إما بأن يخلقهم مؤمنين، وإما بأن يكسبهم الإيمان بعد كفرهم بأن يشرح صدورهم، و[ الهدى ] : الإرشاد، وهذه الآية ترد على القدرية المفوضة الذين يقولون إن القدرة لا تقتضي أن يؤمن الكافر، وإن ما يأتيه الإنسان من جميع أفعاله لا خلق لله فيه، تعالى عن قولهم، و ﴿من الجاهلين﴾ يحتمل في أن لا يعلم أن الله ﴿لو شاء لجمعهم﴾ ويحتمل في أن تهتم بوجود كفرهم الذي قدره وأراده، وتذهب به لنفسك إلى ما لم يقدر الله به، يظهر تباين ما بين قوله تعالى لمحمد ﷺ ﴿فلا تكونن من الجاهلين﴾ وبين قوله لنوح عليه السلام ﴿إني أعظك أن تكون من الجاهلين﴾(٣) وقد تقرر أن محمداً ﷺ أفضل الأنبياء، قال مكي والمهدي : والخطاب بقوله ﴿فلا تكونن من الجاهلين﴾ للنبي عليه السلام والمراد به أمته، وهذا ضعيف لا يقتضيه اللفظ، وقال قوم : ُوِّقر نوح لسنه وشيبته، وقال قوم : جاء الحمل أشد على محمد ﷺ لقربه من الله تعالى ومكانته عنده كما يحمل المعاقب على قريبه أكثر من حمله على الأجانب.
قال القاضي أبو محمد : والوجه القوي عندي في الآية هو أن ذلك لم يجيء بحسب النبيين وإنما جاء بحسب الأمرين اللذين وقع النهي عنهما والعتاب فيهما، وبين أن الأمر الذي نهي عنه محمد ﷺ أكبر قدراً وأخطر مواقعة من الأمر الذي واقعه نوح ﷺ.
١ - نافقاء اليربوع: أحد مخارج جحره يخرج منه إذا أخذ من جهة أخرى، والمخرج الثاني يسمى القاصعاء. ومنه المنافق لأنه يخرج من الإيمان أو يخرج الإيمان من قلبه..
٢ - البيت لابن مقبل، وقد رواه صاحب اللسان: يُبنى بالياء، وقال: احتاج فزاد الياء، يعني في السلاليم. والأحجاء: النواحي وهي جمع حجا. وقال الزجاج: سمي السلّم سلّما لأنه يسلمك إلى حيث تريد، وفي "المحكم": السلم: الدرجة والمرقاة، يذكر ويؤنث، وقال أبو عبيدة: السلّم: السبب والمرقاة، تقول العرب: اتخذني سلما لحاجتك، أي: سببا، ومنه قول كعب بن زهير:
ولا لكما منجى من الأرض فابغيا به نفقا أو في السماوات سلّما.

٣ - من الآية (٤٦) من سورة (هود)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى