محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٣٥ من سورة الأنعام في ١١٢ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و٩ أقوال من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٣٥ من سورة الأنعام

١١٢ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِن اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الأرْضِ أَوْ سُلّماً فِي السّمَآءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَآءَ اللّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَىَ فَلاَ تَكُونَنّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾. .
يقول تعالى ذكره : إن كان عظم عليك يا محمد إعراض هؤلاء المشركين عنك وانصرافهم عن تصديقك فيما جئتهم به من الحقّ الذي بعثتك به، فشقّ ذلك عليك ولم تصبر لمكروه ما ينالك منهم فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَبْتَغِيَ نَفَقا فِي الأرْضِ يقول : فإن استطعت أن تتخذ سَرَيا في الأرض، مثل نافقاء اليربوع، وهي أحد جِحَرَتِه، فتذهب فيه أوْ سُلّما فِي السّماءِ يقول : أو مصعدا تصعد فيه كالدرج وما أشبهها، كما قال الشاعر :
لا يُحْرِزُ المَرْءَ أحْجاءُ البلادِ وَلايُبْنَي لَهُ في السّمَوَاتِ السّلاليمُ
فَتَأْتِيَهُمْ بآيَةٍ يعني بعلامة وبرهان على صحة قولك غير الذي أتيتك، فافعل.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال بعض أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله : وَإنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْرَاضُهُمْ فإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَبْتَغِيَ نَفَقا فِي الأرْضِ أوْ سُلّما فِي السّماءِ والنفق : السرب، فتذهب فيه فتأتيهم بآية، أو تجعل لك سلما في السماء، فتصعد عليه فتأتيهم بآية أفضل مما أتيناهم به فافعل.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله : فإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَبْتَغِيَ نَفَقا فِي الأرْضِ قال : سربا، أوْ سُلّما فِي السّماءِ قال : يعني الدرج.
حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : وَإنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْرَاضُهُمْ فإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَبْتَغِيَ نَفَقا فِي الأرْضِ أوْ سُلّما فِي السّماءِ أما النفق : فالسرب، وأما السلم : فالمصعد.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس، قوله : نَفَقا فِي الأرْضِ قال : سربا.
وترك جواب الجزاء، فلم يذكر لدلالة الكلام عليه ومعرفة السامعين بمعناه، وقد تفعل العرب ذلك فيما كان يفهم معناه عند المخاطبين به، فيقول الرجل منهم للرجل : إن استطعت أن تنهض معنا في حاجتنا إن قدرت على معونتنا، ويحذف الجواب، وهو يريد : إن قدرت على معونتنا فافعل، فأما إذا لم يعرف المخاطب والسامع معنى الكلام إلا بإظهار الجواب لم يحذفوه، لا يقال : إن تقم، فتسكت وتحذف الجواب لأن المقول ذلك له لا يعرف جوابه إلا بإظهاره، حتى يقال : إن تقم تصب خيرا، أو : إن تقم فحسن، وما أشبه ذلك. ونظير ما في الآية مما حذف جوابه وهو مراد لفهم المخاطب لمعنى الكلام قول الشاعر :
فَبحَظَ مِمّا نَعِيشُ ولا تَذْهَبْ بكِ التّرّهاتُ في الأهْوَالِ
والمعنى : فبحظّ مما نعيش فعيشي.

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَوْ شاءَ اللّهُ لَجَمَعَهُمْ على الهُدَى فَلا تَكُونَنّ مِنَ الجاهِلِينَ.


يقول تعالى ذكره : إن الذين يكذّبونك من هؤلاء الكفار يا محمد فيحزنك تكذيبهم إياك، لو أشاء أن أجمعهم على استقامة من الدين وصواب من محجة الإسلام حتى تكون كلمة جميعكم واحدة وملتكم وملتهم واحدة، لجمعْتهم على ذلك، ولم يكن بعيدا عليّ لأني القادر على ذلك بلطفي، ولكني لم أفعل ذلك لسابق علمي في خلقي ونافذ قضائي فيهم من قبل أن أخلقهم وأصوّر أجسامهم. فَلا تَكُونَنّ يا محمد مِنَ الجاهِلِينَ يقول : فلا تكوننّ ممن لا يعلم أن الله لو شاء لجمع على الهدى من الكافرين به اختيارا لا اضطرارا، فإنك إذا علمت صحة ذلك لم يكبر عليك إعراض من أعرض من المشركين عما تدعوه إليه من الحقّ وتكذيب من كذّبك منهم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال بعض أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس : يقول الله سبحانه : لو شئت لجمعتهم على الهدى أجمعين.
وفي هذا الخبر من الله تعالى الدلالة الواضحة على خطإ ما قال أهل التفويض من القدرية المنكرون أن يكون عند الله لطائف لمن شاء توفيقه من خلقه، يُلطف بها له حتى يهتدي للحقّ، فينقاد له وينيب إلى الرشاد، فيذعن به ويؤثره على الضلال والكفر بالله وذلك أنه تعالى ذكره أخبر أنه لو شاء الهداية لجميع من كفر به حتى يجتمعوا على الهدى فعل، ولا شكّ أنه لو فعل ذلك بهم كانوا مهتدين لا ضلالاً، وهم لو كانوا مهتدين كان لا شكّ أن كونهم مهتدين كان خيرا لهم. وفي تركه تعالى ذكره أن يجمعهم على الهدى ترك منه أن يفعل بهم في دينهم بعض ما هو خير لهم فيه مما هو قادر على فعله بهم وقد ترك فعله بهم، وفي تركه فعل ذلك بهم أوضح الدليل أنه لم يعطهم كلّ الأسباب التي بها يصلون إلى الهداية ويتسببون بها إلى الإيمان.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
كان قبلك من الرسل إذ كذبهم قومهم، واقتد بهم في صبرهم على ما لَقُوا من قومهم.
* * *
وبنحو ذلك تأوَّل من تأوَّل هذه الآية من أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
١٣١٩٨ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا"، يعزِّي نبيه ﷺ كما تسمعون، ويخبره أن الرسل قد كُذّبت قبله، فصبروا على ما كذبوا، حتى حكم الله وهو خير الحاكمين.
١٣١٩٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك:"ولقد كذبت رسل من قبلك"، قال: يعزّي نبيَّه صلى الله عليه وسلم.
١٣٢٠٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج:"ولقد كذبت رسل من قبلك"، الآية، قال: يعزِّي نبيّه صلى الله عليه وسلم.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن كان عظم عليك، يا محمد، إعراض هؤلاء المشركين عنك، وانصرافهم عن تصديقك فيما جئتهم به من الحق الذي
بعثتُك به، فشقَّ ذلك عليك، ولم تصبر لمكروه ما ينالك منهم (١) ="فإن استطعت أن تبتغي نفقًا في الأرض"، يقول: فإن استطعت أن تتَّخذ سَرَبا في الأرض مثلَ نَافِقاء اليَرْبُوع، وهي أحد جِحَرِته فتذهب فيه (٢) ="أو سُلمًا في السماء"، يقول: أو مصعدًا تصعد فيه، كالدَّرَج وما أشبهها، كما قال الشاعر: (٣)
لا تُحْرِزُ الْمَرْءُ أَحْجَاءُ البِلادِ، وَلايُبْنَى لَهُ فِي السَّمَاوَاتِ السَّلالِيم (٤)
="فتأتيهم بآية"، منها = يعني بعلامةٍ وبرهان على صحة قولك، (٥) غير الذي أتيتك = فافعل. (٦)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك: قال بعض أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
١٣٢٠١ - حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني
(١) انظر تفسير"الإعراض" فيما سلف ص: ٢٦٢، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير"ابتغى" فيما سلف ١٠: ٣٩٤، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٣) هو تميم بن أبي بن مقبل.
(٤) من قصيدة له جيدة، نقلها قديمًا، والبيت في مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ١٩٠، وشرح شواهد المغني: ٢٢٧، واللسان (سلم) (حجا)، وغيرها، وقبل البيت، وهي أبيات حسان:
إنْ يَنْقُصِ الدّهْرُ مِنِّي، فالفَتَى غَرَضٌلِلدَّهْرِ، من عَوْدهِ وَافٍ وَمَثْلُومُ
وَإنْ يَكُنْ ذَاكَ مِقْدَارًا أُصِبْتُ بِهِفَسِيرَة الدَّهْرِ تَعْوِيجٌ وتَقْويمُ
مَا أطْيَبَ العَيْشَ لَوْ أَن الفَتَى حَجَرٌتَنْبُو الحَوَادِثَ عَنْهُ وهو مَلْمُومُ
لا يمنع المرءَ أنصارٌ وَرَابيةٌتَأْبَى الهَوَانَ إذَا عُدَّ الجَرَاثِيمُ
لا يُحْرِزُ المَرْءَ...........................
و"أحجاه البلاد": نواحيها وأطرافها. ويروى"أعناء البلاد"، وهو مثله في المعنى.
(٥) انظر تفسير"آية" فيما سلف في فهرس اللغة (أيي).
(٦) قوله: "فافعل"، أي: "إن استطعت أن تبتغي نفقًا... فافعل".
معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:"وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقًا في الأرض أو سلمًا في السماء"، و"النفق" السَّرب، فتذهب فيه ="فتأتيهم بآية"، أو تجعل لك سلَّمًا في السماء، (١) فتصعد عليه، فتأتيهم بآية أفضل مما أتيناهم به، فافعل.
١٣٢٠٢ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"فإن استطعت أن تبتغي نفقًا في الأرض"، قال: سَرَبًا ="أو سلمًا في السماء"، قال: يعني الدَّرَج.
١٣٢٠٣ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقًا في الأرض أو سلمًا في السماء"، أما"النفق" فالسرب، وأما"السلم" فالمصعد.
١٣٢٠٤- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس قوله:"نفقًا في الأرض"، قال: سربًا.
* * *
وتُرِك جواب الجزاء فلم يذكر، لدلالة الكلام عليه، ومعرفة السامعين بمعناه. وقد تفعل العرب ذلك فيما كان يُفهم معناه عند المخاطبين به، فيقول الرجل منهم للرجل:"إن استطعت أن تنهض معنا في حاجتنا، إن قدرت على مَعُونتنا"، ويحذف الجواب، وهو يريد: إن قدرت على معونتنا فافعل. فأما إذا لم يعرف المخاطب والسامع معنى الكلام إلا بإظهار الجواب، لم يحذفوه. لا يقال:"إن تقم"، فتسكت وتحذف الجواب، لأن المقول ذلك له لا يعرف جوابه إلا بإظهاره،
(١) في المخطوطة: "تجعل لهم سلمًا"، والجيد ما في المطبوعة.
حتى يقال:"إن تقم تصب خيرًا"، أو:"إن تقم فحسن"، وما أشبه ذلك. (١) ونظيرُ ما في الآية مما حذف جَوَابه وهو مراد، لفهم المخاطب لمعنى الكلام قول الشاعر: (٢)
فَبِحَظٍّ مِمَّا نَعِيشُ، وَلا تَذْهَبْ بِكِ التُّرَّهَاتُ فِي الأهْوَالِ (٣)
والمعنى: فبحظٍّ مما نعيش فعيشي. (٤)
* * *

القول في تأويل قوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٥)﴾


قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن الذين يكذبونك من هؤلاء الكفار، يا محمد، فيحزنك تكذيبهم إياك، لو أشاء أن أجمعهم على استقامة من الدِّين، وصوابٍ من محجة الإسلام، حتى تكون كلمة جميعكم واحدة، وملتكم وملتهم واحدة، لجمعتهم على ذلك، ولم يكن بعيدًا عليَّ، لأنّي القادرُ على ذلك بلطفي، ولكني لم أفعل ذلك لسابق علمي في خلقي، ونافذ قضائي فيهم، من قبل أن أخلقهم وأصوِّر أجسامهم ="فلا تكونن"، يا محمد،"من الجاهلين"، يقول:
(١) انظر معاني القرآن للفراء ١: ٣٣١، ٣٣٢.
(٢) هو عبيد بن الأبرص.
(٣) مضى البيت وتخريجه فيما سلف ٣: ٢٨٤. وكان البيت في المخطوطة على الصواب كما أثبته، وإن كان غير منقوط. أما المطبوعة، فكان فيها هكذا. فتحطْ مما يعش ولا تذهب... بك التُرهّات في الأهوال
أساء قراءة المخطوطة، وحرفه.
(٤) في المطبوعة: "والمعنى: فتحط مما يعش فيعشى"، وهو خطأ، صوابه في المخطوطة.
فلا تكونن ممن لا يعلم أن الله لو شاء لجَمع على الهدى جميع خلقه بلطفه، (١) وأنَّ من يكفر به من خلقه إنما يكفر به لسابق علم الله فيه، ونافذ قضائه بأنه كائنٌ من الكافرين به اختيارًا لا إضطرارًا، فإنك إذا علمت صحة ذلك، لم يكبر عليك إعراضُ من أعرض من المشركين عما تدعُوه إليه من الحق، وتكذيبُ من كذَّبك منهم.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال بعض أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
١٣٢٠٥ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يقول الله سبحانه: لو شئتُ لجمعتهم على الهدى أجمعين.
* * *
قال أبو جعفر: وفي هذا الخبر من الله تعالى ذكره، الدلالةُ الواضحة على خطإ ما قال أهل التَّفْويض من القدريّة، (٢) المنكرون أن يكون عند الله لطائف لمن شاءَ توفيقه من خلقه، يلطفُ بها له حتى يهتدِيَ للحقّ، فينقاد له، وينيبَ إلى الرشاد فيذعن به ويؤثره على الضلال والكفر بالله. وذلك أنه تعالى ذكره أخبر أنه لو شاءَ الهداية لجميع من كفر به، حتى يجتمعوا على الهدى، فعلَ. ولا شك أنه لو فعل ذلك بهم، كانوا مهتدين لا ضلالا. وهم لو كانوا مهتدين، كان لا شك أنّ كونهم مهتدين كان خيرًا لهم. وفي تركه تعالى ذكره أن يجمعهم على الهدى، تركٌ منه أن يفعل بهم في دينهم بعض ما هو خيرٌ لهم فيه، مما هو قادر على فعله بهم، وقد
(١) انظر تفسير"الجاهل" فيما سلف ٢: ١٨٢، وتفسير"جهالة" ٨: ٨٨ - ٩٢.
(٢) "أهل التفويض": هم الذين يقولون: إن الأمر فوض إلى الإنسان، فإرادته كافية في إيجاد فعله، طاعة كان أو معصية، وهو خالق لأفعاله، والاختيار بيده. انظر ما سلف ١: ١٦٢، تعليق: ١.
وأما "القدرية"، و"أهل القدر"، فهم الذين ينفون القدر. وأما الذين يثبتون القدر، وهم أهل الحق، فهم: "أهل الإثبات". وانظر ما سلف ١: ١٦٢، تعليق: ١.
ترك فعله بهم. وفي تركه فعل ذلك بهم، أوضحُ الدليل أنه لم يعطهم كل الأسباب التي بها يصلون إلى الهداية، ويتسبّبون بها إلى الإيمان.
* * *

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
ثم قال تعالى :﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ﴾ أي : إن كان شق عليك إعراضهم عنك ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس : النَّفقُ : السّرْب، فتذهب فيه ﴿فَتَأْتِيَهُمْ(١) بِآيَةٍ﴾ أو تجعل لك سلمًا في السماء فتصعد فيه فتأتيهم(٢) بآية أفضل مما آتيتهم به، فافعل.
وكذا قال قتادة، والسُّدِّي، وغيرهما.
وقوله :﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ كما قال تعالى :﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا [ أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ] (٣) [يونس: ٩٩]، قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله :﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ قال : إن رسول الله ﷺ كان يحرص أن يؤمن جميع الناس ويتابعوه(٤) على الهدى، فأخبر الله أنه لا يؤمن إلا من قد سبق له من الله السعادة في الذكر الأول.
١ في أ: "فيذهب فيه "فيأتيهم"..
٢ في أ "فيصعد فيه فيأتيهم".
.

٣ زيادة من م، أ، وفي هـ: "الآية"..
٤ في م: "ويبايعوه"..

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ﴾ أي : شق عليك، من حرصك عليهم، ومحبتك لإيمانهم، فابذل وسعك في ذلك، فليس في مقدورك، أن تهدي من لم يرد الله هدايته.
﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ﴾ أي : فافعل ذلك، فإنه لا يفيدهم شيئا، وهذا قطع لطمعه في هدايته أشباه هؤلاء المعاندين.
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ ولكن حكمته تعالى، اقتضت أنهم يبقون على الضلال. ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ الذين لا يعرفون حقائق الأمور، ولا ينزلونها على منازلها.
﴿٣٦، ٣٧﴾ ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ * وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
وأما الآخرة، فإنها ﴿خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ في ذاتها وصفاتها، وبقائها ودوامها، وفيها ما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين، من نعيم القلوب والأرواح، وكثرة السرور والأفراح، ولكنها ليست لكل أحد، وإنما هي للمتقين الذين يفعلون أوامر الله، ويتركون نواهيه وزواجره ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أي: أفلا يكون لكم عقول، بها تدركون، أيّ الدارين أحق بالإيثار. {٣٣ - ٣٥} ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ * وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ * وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾.
أي: قد نعلم أن الذي يقول المكذبون فيك يحزنك ويسوءك، ولم -[٢٥٥]- نأمرك بما أمرناك به من الصبر إلا لتحصل لك المنازل العالية والأحوال الغالية. فلا تظن أن قولهم صادر عن اشتباه في أمرك، وشك فيك. ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ﴾ لأنهم يعرفون صدقك، ومدخلك ومخرجك، وجميع أحوالك، حتى إنهم كانوا يسمونه -قبل البعثة- الأمين. ﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ أي: فإن تكذيبهم لآيات الله التي جعلها الله على يديك (١).
﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾ فاصبر كما صبروا، تظفر كما ظفروا. ﴿وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ ما به يثبت فؤادك، ويطمئن به قلبك.
﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ﴾ أي: شق عليك، من حرصك عليهم، ومحبتك لإيمانهم، فابذل وسعك في ذلك، فليس في مقدورك، أن تهدي من لم يرد الله هدايته.
﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ﴾ أي: فافعل ذلك، فإنه لا يفيدهم شيئا، وهذا قطع لطمعه في هدايته أشباه هؤلاء المعاندين.
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ ولكن حكمته تعالى، اقتضت أنهم يبقون على الضلال. ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ الذين لا يعرفون حقائق الأمور، ولا ينزلونها على منازلها.
(١) السياق يقتضي أن يأتي بخبر إن ومقصود الشيخ -رحمه الله- فإن تكذيبهم... جحود منهم لما علموه حقا.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١١٢ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية غريب القرآن — زيد بن علي تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان معاني القرآن — الفراء معاني القرآن للفراء — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى مجاز القرآن — أبو عبيدة تفسير القرآن — الصنعاني معاني القرآن — الأخفش غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تفسير ابن عرفة — ابن عرفة التبيان في تفسير غريب القرآن — ابن الهائم تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — محمد رشيد رضا تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير — الشنقيطي - العذب النمير تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كتاب نزهة القلوب — أبى بكر السجستاني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
كَبُرَ
عَظُمَ.

إعراب الآية ٣٥ من سورة الأنعام

من كتاب: إعراب القرآن

غيره: معنى لا يكذّبونك لا يكذّبونك بحجّة ولا برهان ودلّ على هذا وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ.

[سورة الأنعام (٦) : آية ٣٤]

وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤)
وَلَقَدْ كُذِّبَتْ على تأنيث الجماعة. رُسُلٌ اسم ما لم يسمّ فاعله، وإن شئت حذفت الضمة فقلت: رسل لثقل الضمة. فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا أي فاصبر كما صبروا.
وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا أي فسيأتيك ما وعدت به. وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ مبيّن لذلك أي ما وعد الله عز وجل فلا يقدر أحد أن يدفعه.

[سورة الأنعام (٦) : آية ٣٥]

وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ (٣٥)
وَإِنْ كانَ شرط. كَبُرَ فعل ماض وهو خبر عن كان. فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ مفعول به. أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ عطف عليه أي سببا إلى السماء وهذا تمثيل لأن السّلّم الذي يرتقى عليه سبب إلى الموضع وما يعرف ما حكاه الفراء من تأنيث السلّم. فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ عطف وأمر الله جلّ وعزّ النبي صلّى الله عليه وسلّم أن لا يشتدّ حزنه عليهم إذ كانوا لا يؤمنون كما أنه لا يستطيع هذا. فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ من الذين اشتدّ حزنهم وتحسّروا حتّى أخرجهم ذلك إلى الجزع الشديد وإلى ما لا يحلّ.

[سورة الأنعام (٦) : آية ٣٦]

إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٣٦)
إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ أي يسمعون سماع إصغاء وتفهّم وإرادة للحقّ. وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ وهم الكفار وهم بمنزلة الموتى في أنهم لا يقبلون ولا يصغون إلى حجّة.

[سورة الأنعام (٦) : آية ٣٧]

وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٣٧)
وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ وكان منهم تعنّتا بعد ظهور البراهين وإقامة الحجّة بالقرآن الذي عجزوا عن أن يأتوا بسورة مثله لما فيه من الوصف وعلم الغيوب. وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ أن الله جلّ وعزّ إنّما ينزل من الآيات ما فيه مصلحة للعباد.

[سورة الأنعام (٦) : آية ٣٨]

وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨)
وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ عطف على اللفظ، وقرأ الحسن وعبد الله
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

القراءات في الآية ٣٥ من سورة الأنعام

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

شَآءَ

بالإمالة ومد الألف 4 حركات

إدريس عن خلف إسحاق عن خلف ابن ذكوان عن ابن عامر

بالإمالة ومد الألف 6 حركات

خلف عن حمزة خلاد عن حمزة

بالفتح ومد الألف 3 حركات

السوسي عن أبي عمرو الدوري عن أبي عمرو قالون عن نافع قنبل عن ابن كثير ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر رويس عن يعقوب روح عن يعقوب البزي عن ابن كثير

بالفتح ومد الألف 4 أو 5 حركات

شعبة عن عاصم حفص عن عاصم

بالفتح ومد الألف 4 حركات

هشام عن ابن عامر أبو الحارث عن الكسائي الدوري عن الكسائي

بالفتح ومد الألف 6 حركات

ورش عن نافع
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ٣٥ من سورة الأنعام

٦ موضوعات تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٩ أقوال من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

٨ أقوال
١
عن عبد الله بن عباس: أنّ نافع بن الأزرق قال له: أخبِرني عن قوله تعالى: ﴿تبتغي نفقا في الأرض﴾. قال: سَرَبًا في الأرض، فتذهَبَ هَربًا. قال: وهل تعرِفُ العربُ ذلك؟ قال: نعم، أما سمعتَ عديَّ بنَ زيد وهو يقول: فَدَسَّ لها على الأنفاقِ عَمرًا بشِكَّتِه١ وما خَشِيَتْ كَمِينا٢
التخريج
  1. ١الشكة: السلاح. اللسان (ش ك ك).
  2. ٢أخرجه الطستي -كما في مسائل نافع (٢٨٢)-.
٢
عن قتادة بن دعامة -من طريق مَعْمَر- في قوله: ﴿نفقا في الأرض﴾ قال: سَرَبًا، ﴿أو سلما في السماء﴾ قال: يعني: الدَّرَجَ١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏٢٠٧، وابن جرير ٩‏/‏٢٢٦، وابن أبي حاتم ٤‏/‏١٢٨٤. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وأبي الشيخ.
٣
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- ﴿وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء﴾، قال: أمّا النفق فالسَّرَبُ، وأما السلم فالمصعد١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٢٢٦، وعلقه ابن أبي حاتم ٤‏/‏١٢٨٤.
٤
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وإن كان كبر عليك﴾ يعني: ثَقُل عليك إعراضهم عن الهدى، ولم تصبر على تكذيبهم إياك؛ ﴿فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض﴾ يعني: سرَبًا، ﴿أو سلما في السماء﴾ أي: فإن لم تستطع فأتِ بسُلَّمٍ ترقى فيه إلى السماء، ﴿فتأتيهم بآية﴾؛ فافعل إن استطعت١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٥٥٩.
٥
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- في قوله: ﴿ولو شاء الله لجمعهم على الهدى﴾، يقولُ الله سبحانه: لو شئتُ لجمعتُهم على الهُدى أجمعين١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩/ ٢٢٨، والبيهقي في «الأسماء والصفات» (٣٧٧). وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذكر ابنُ عطية (٣/٣٥٤) أنّ قوله تعالى: ﴿لجمعهم﴾ يحتمل احتمالين: الأول: أن يخلقهم مؤمنين. الثاني: أن يُكسِبهم الإيمان بعد كفرهم بأن يشرح صدورهم. وذكر أنّ مكي والمهدي قالا بأن الخطاب بقوله: ﴿فلا تكونن من الجاهلين﴾ للنبي ﷺ والمراد به أمته، وانتَقَده مستندا لظاهر لفظ الآية، بقوله: «وهذا ضعيف لا يقتضيه اللفظ». ثم نقل أنّه قيل: إن نوح وُقِّر لسنه وشيبته، وأنه قيل بأن الحمل جاء أشد على محمد ﷺ لقربه من الله تعالى ومكانته عنده كما يحمل العاقب على قريبه أكثر من حمله على الأجانب. ثم قال مستندًا للسياق: «والوجه القوي عندي في الآية هو أنّ ذلك لم يجئ بحسب النبيين، وإنما جاء بحسب الأمرين اللذين وقع النهي عنهما والعتاب فيهما، وبيَّن أن الأمر الذي نهى عنه محمد ﷺ أكبر قدرًا وأخطر مواقعة من الأمر الذي واقعه نوح ﷺ».
٦
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- قوله: ﴿ولو شاء الله لجمعهم على الهدى﴾ الآية، قال: إنّ رسول الله ﷺ كان يحرص أن يؤمن جميع الناس ويتابعوه على الهدى، فأخبر الله تعالى أنّه لا يؤمن إلا مَن قد سبق له من الله السعادة في الذِّكْر الأول١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٤‏/‏١٢٨٤-١٢٨٥، وابن جرير ١‏/‏٢٥٩ في تفسير قوله تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأَنْذَرْتَهُمْ أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:٦]، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٤‏/‏٦٣٨ (١٠٢٤).
٧
قال مقاتل بن سليمان: ثم عزّى نبيه ﷺ ليصبر على تكذيبهم، فقال: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلى الهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ فإنّ الله لو شاء لجعلهم مهتدين، ثم ذكر إيمان المؤمنين، فقال: ﴿إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٥٥٩.
٨
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- في قوله: ﴿وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض﴾، والنَّفَقُ: السَّرَبُ١، فتذهبَ فيه، فتأتيَهم بآية، أو تجعلَ لهم سُلَّمًا في السماء، فتصعدَ عليه، فتأتيَهم بآيةٍ أفضلَ مما أتيناهم به؛ فافعل٢
التخريج
  1. ١السَّرَب، بِالتحريك: المسلك فِي خُفْية. النهاية (سرب).
  2. ٢أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٢٢٦، وابن أبي حاتم ٤‏/‏١٢٨٤ وفيه تفسير ﴿نفقا﴾ من طريق عطاء، والبيهقي في الأسماء والصفات (٣٧٧). وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.

نزول الآية

قول واحد
١
قال محمد بن السائب الكلبي: قال الحارث بن عامر: يا محمد، ائتنا بآية كما كانت الأنبياء تأتي بها، فإن أتيت بها آمنّا بك وصدَّقناك. فأبى الله أن يأتيهم بها، فأعرضوا عنه، وكبُر عليه ﷺ؛ فأنزل الله عز وجل: ﴿وإن كان كبر عليك إعراضهم... ﴾١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٤‏/‏١٤٥-١٤٦.
التفسير بالمأثور لسورة الأنعام كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٣٥ من سورة الأنعام

٤ وقفات في هذه الآية

  • من تمام علمك بالخلق أن تدرك بدعوتك لهم أنه قد قُدّر لكثير منهم الضلال؛فلا تعجب! وتدبر:(ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين)

    — خباب مروان الحمد

  • سلسلة ( ختمة تعارف) سورة الأنعام أية 35

    — حازم شومان

  • قوله تعإلى ( وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ) البقرة ( 187 ) . وقوله تعالى ( الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ۗ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ۚ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) الطلاق ( 229 ) . حينما نتدبر الآيتين نجد في الأولى نهياً عن مقاربة حدود الله ، ونجد في الثانية نهياً عن مجاوزتها ، ولذلك مقاصد عظيمه ، فالحدود نوعان : حدود مانعة من ارتكاب المحظور ، فينهى عن مقاربتها ، وحدود فاصلة بين الحلال والحرام ، فينهى عن مجاوزتها . وفى الآية إلاولى نهى عن مواقعه النساء ، في حالة الاعتكاف الى في المساجد ،فغلّظ الوعيد بالنهى عن مقاربته ، وشدد بالابتعاد عنه ، والحذر من مقدماته و دواعيه ، لئلا يقع المعتكف في الحرام من حيث لا يشعر ، فاقتضى ذلك المبالغة في النهى عن المقاربة . وفى الآية الثانية بيان لحل قيام المرأة بافتداء نفسها بمهرها ، ومخالعة زوجها ، وأنه لا إثم عليها ، فنهى عن مجاوزة الحد برفض ذلك أو مخالفته ، فقال (فَلَا تَعْتَدُوهَا) . وقال بدر الدين بن جماعه : ( الحدود في الأولى هي عبارة عن نفس المحرمات في الصيام والاعتكاف من الأكل والشرب والوطء والمباشرة ، فناسب ( فَلاَ تَقْرَبُوهَا ) . والحدود في الثانية أوامر في أحكام الحل والحرمة في نكاح المشركات ، وأحلام الطلاق والعدة والإيلاء والرجعة ، وحصر الطلاق في الثلاث والخلع ، فناسب ( فَلَا تَعْتَدُوهَا) ، أي : لا تعتدوا أحكام الله تعالى الى غيرها مما لم يشرعه لكم ، فقفوا عنها ، ولذلك قال بعده : ( وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) . البقرة(230). وقوله تعالى ( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ۚ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ۖ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ۚ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ۚ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ۚ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ۗ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ۗ ذَٰلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) البقرة ( 196 ) . العرف في حديثهم يفرقون بين أداتي الشرط ( إذا ) و ( إن ) ، قال ابن مالك _ رحمه الله _ ( " اذا " للوقت المستقبل ، مضمنة معنى الشرط غالبا ، لكنا لما تيقن كونه ، أو رُجّح ، بخلاف "إن" ) . وقال الكفوى ( "إن" الشرطية تقتضى تعليق الشيء ، ولا تستلزم تحقيق وقوعه ، ولا إمكانه ، بل قد يكون ذلك في المستحيل عقلاً ، كما في قوله تعالى ( قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدٌ) الزخرف ( 81 ) . وعادةً كما في قوله تعالى (فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ) الأنعام ( 35 ) لكن في المستحيل قليل ) . فيجعلون (اذا) مع الشيء المتحقق وقوعه ، أو المترجح ، فيقولن : اذا دخل وقت الصلاة نصلى ، لأن دخول وقتها متحقق الوقوع ، ولا يصح أن يقال : إن دخل وقت الصلاة نصلى ، لأن هذا الأسلوب يشعر بأن دخوله محتمل وغير مؤكد . وكذلك يؤتى ب (إذا) مع الشيء الذي يحدث كثيراً ، أما (إن) فيؤتى بها مع قليل الحدوث ، كقول الطالب الذى اعتاد النجاح دائماً : إذا نجحت فسأعود الى بلدي ، وإن رسبت فسوف أبقى هنا ، أما الطالب المهمل المفرط الذى اعتاد الإخفاق فيقول : إن نجحت فسأعود الى بلدي ، و اذا رسبت فسوف أبقى هنا . قال ابن القيم – رحمه الله – ( المشهور عند النحاة والأصوليين والفقهاء أن أداة (إن) لا يعلق عليها الا محتمل الوجود والعدم ، كوقلك : إن تأتني أكرمك ، ولا يعلق عليها محقق الوجود ، فلا تقول : إن طلعت الشمس أتيتك ، بل تقول : إذا طلعت الشمس أتيتك ، و (إذا) يعلق عليها النوعان . وقول ابن القيم أوله صحيح ، وأخره ليس كذلك ، اذ لم يوافقه أحد من العلماء على أن (إذا) يعلق عليها النوعان ، الا ابن الجويني الذى قال ( الذى أظنه أنه يجوز دخولها على المتيقن والمشكوك ، لأنها لأنها ظرف وشرط ، فبالنظر الى الشرط تدخل على المشكوك ك(إن) ، وبالنظر الى الظرف تدخل على المتيقن كسائر الظروف . وقول ابن الجويني وابن القيم غير صحيح ، لأن سيبويه يقول ( "إذا" تجئ وقتها معلوماً ، ألا ترى أنك لو قلت : آتيك اذا احمر البسر ، كان حسناً ، ولو قلت : آتيك ان احمر البسر ، كان قبيحاً ، ف"إن" أبدا مبهمة ، وكذلك حروف الجزاء ، و "إذا" توصل بالفعل ، فالفعل "إذا" بمنزلته في "حين" ، كأنك قلت : الحين الذى تأتيني فيه آتيك فيه ) . ولذلك ذكر بعضهم أنها " اسم مؤقت .. ، ومعناها في نفسها ، والمتكلم بها يعرفون كون ما دخلت عليه ، و "إن" حرف وضعت لتعليق الثاني بالأول ، ومعناها في غيرها ، والمتكلم شاك في كون ما دخلت عليه ، وهذا حق ما يجازى به ألا يدرى أيكون أم لا يكون ) . قال أبو سعيد السيرافي عن "إذا" ( ان الذاكر لها في الكلام كالمعترف بأنها كائنة ، كقولك : اذا طلعت الشمس فائتني ، فالمتكلم معترف بطلوع الشمس ، وحق ما يجازى ب "إن" ألا يدرى أيكون أم لا يكون؟ كقولك: إن قدم زيد زرته ، وإن تمطر اليوم نجلس للحديث ، ولا يدرى أيقوم زيد أم لا ، ولا يدرى أتمطر اليوم أم لا ، ولذلك حسن: ( اذا احمر البسر فائتنى ، وقبح : إن احمر البسر فائتنى لإحاطة العلم أن احمرار البسر كائن ) . وإنني لا أنفي ورود "إذا" مع ظاهره أنه مشكوك فيها ، كقوله تعالى ، ( نَّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ ۖ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا) الإنسان (28) . ولا وقوع (إن) مع ظاهره انه متحقق الوقوع ، كقوله تعالى ( أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ) أل عمران (144 ) . لكنني أرى أن ذلك يأتي تنزيلاً ، ل "إذا" منزلة "إن" ، وتنزيلا ل (إن) ، منزلة (اذا) ، لفائدة غير خفية . قال السيرافي أيضاً : ( وقد تستعمل (إذا) في الموسع الذى يحسن فيه (إن) ، ولا يبين بينهما فرق ، للمشابهة التي بينهما ، وكذلك تستعمل (إن) في موضع (إذا) ، قد يقول القائل : إن مت فأخرجوا ثلث مالي للفقراء والماسكين ، وقال الله تبارك وتعالى ( أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ) ال عمران (144) ، والموت كائن لا محالة ، وقال الشاعر : كم شامت بي إن هلكت وقائل لله دره وقال زهير: إذا انت لم تنزع عن الجهل والخنا أصبت حليما أو أصابك جاهل وقد يجوز أن تنزع ، ويجوز أن لا تنزع ، ولا يحيط العلم بأي ذلك يكون . وقولهم : إن مات زيد كان كذا ، أحسن من قولك : ان احمر البسر ، لأن الموت ، وإن كان معلوما انه كائن ، فلا يعرف وقته ، واحمرار البسر معروف الوقت ) . وفى هذه الآية التي بين أيدينا قال الله تعالى ( فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ) فاستعمل (إن) ، لأن الإحصار قليل الوقوع ، أما الأمن والتمكن من الوصول الى مكة ، والقدرة على إتمام الحج ، فهو الأكثر ، ولذلك قال ( فَإِذَا أَمِنتُمْ) . والله اعلم وأما قوله (عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ) فظاهر الكلام فيه أن كلمة (عَشَرَةٌ) مغنية عن (كَامِلَةٌ) ، لأنها اذا لم تكن كاملة فستكون تسعة ، أو ثمانية ...إلخ . وقد اختلف العلماء في هذه الآية ، فقال محمد بن يزيد المبرد : " لو لم يقل ( تلك عشرة) جاز أن يتوهم السامع أن بعدها شيء أخر ، فقوله ( تلك عشرة ) بنزلة قوله في العدد : فذلك كذا و كذا " . ولكن الصحيح أن قوله ( كَامِلَةٌ) إنما هو بمعنى ( فاضلة ) ، من كمال الفضل ، لا من كمال العدد ، قال كمال الدين الزملكانى " الإتمام لإزالة نقصان الأصل ، والإكمال لإزالة نقصان العوارض بعد اتمام الاصل ، ومن ثم كان قوله تعالى ( تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ) أحسن من ( تلك عشرة تامة ) ، إذ التمام في العدد قد علم ، وإنما بقى احتمال النقص في صفاتها . ويفترقان أيضا من جهة أن قولهم : ( تم ) يشعر بحصول نقص قبل ذلك ، و ( كَمُلَ ) لا يشعر به ، ومن ثم قالوا : رجل كامل ، اذا جمع خصال الخير ، ورجل تام ، اذا كان غير ناقص الطول . وأيضاً (تمّ) يشعر بحصول نقص بعده ، كما يوصف القمر بالتمام ، مثل قول العجاج : أو شرفا يتم نورا قد زهر كما تتم ليلة البدر القمر وقال النابغة الذبياني : فتى تم فيه ما يسر صديقه على ان فيه ما يسوء الأعاديا فتى كملت أخلاقه غير أنه جواد فما يبقى من المال باقيا وقال الشاعر : وإذا الفتى جمع المروءة والتقى وحوى مع الأدب الحياء فقد كمل وقال عدى بن الرقاع العاملي : هو الفتى كله مجدا وتكرمة وكل أخلاقه الخيرات قد كملا وقال امرؤ القيس : اذا ما اتقى الله ثم لم يكن على أهله كلاً فقد كمل الفتى وقال الشاعر متى يبلغ البيان يوماً تمامه اذا كنت تبنيه أخر يهدم وكذلك تقول العرب : (تّم البدر) ، لأنه كان ناقصاً ، ومصيره الى نقصان، قال العرجي : ووجه كمثل البدر اذ تم فاستوى اذا لم ما بدا في ظلمة الليل يسدف ولذلك أحسن الحسن بن هانئ أيما أحسن حين قال في الخليفة العباسي محمد الأمين : تتيه الشمس والقمر المنير اذا قلنا كأنهما الأمير فإن يك أشبها منه قليلاً فقد أخطأهما شبه كثير لأن الشمس تغرب حين تمسى أن البدر ينقصه المسير ونور محمد أبداً تمام على وضح الطريق لا يحور ولله در أبى هلال العسكري حين يقول : لو تم شيء من الدنيا لذى أدب لانضاف مال الى علمي وآدابي فتم جاهي عند الناس كلهم وطاب عيشي في أهلي وأصحابي عز الكمال فلا يحظى به أحد فكل خلق وان لم يدر ذوو عاب وقال الزجاج : قائل بعضهم : (كَامِلَةٌ) أي : تكمل الثواب ، وقال بعضهم : كامله في البدل من الهدى ، والذي أراه في هذا – والله أعلم – أنه لما قيل ( فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ) جاز أن يتوهم المتوهم أن الفرض ثلاثة أيام في الحج ، أو سبعة في الرجوع ، فأعلم الله – عز و جل- أن العشرة مفترضة كاملة ، فالمعنى : المفروض عليكم صوم عشرة كاملة على ما ذكر من تفرقها في الحج والرجوع . فليست الواو بمعنى (أو) كما في قوله تعالى ( فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ) النساء (3) ، إذ الواو فيها بمعنى أو ، لئلا يظن ظان ، أنه يصح جمع تسع من النساء في جملة واحده . قال كمال الدين الزملكانى " ومما جاء خبرا لإرادة معنى التأكيد قوله تعالى (تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ) لاحتمال ان يعنى بالواو معنى (أو) ، كما في قوله تعالى ( وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ) النساء (34) اذ لا يسوغ الجمع بينهما " . ومما يحسن ذكره ههنا أنه يروح أنه الحجاج بن يوسف الثقفي قال لرجل من ولد عبد الله بن مسعود – رضى الله عنه ، وعن صحابة رسول الله ﷺ أجمعين - : لم قرأ أبوك – يعنى عبد الله بن مسعود رضى الله عنه -: (إِنَّ هَٰذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً أنثى ) ص (23) ،أترى لا يعلم الناس أنها أنثى ؟ فقال : قد قرئ قبله : (ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ۗ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ) ألا يعلم أن سبعة وثلاثة عشرة ؟ فما أحار الحجاج .

    — صالح العايد

  • قوله تعالى: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الجَاهلِينَ) . إن قلتَ: كيف قال لمحمد - صلى الله عليه وسلم - ذلك، وهو أغلظُ خطاباً من قوله لنوحٍ " إِنّي أعِظُكَ أنْ تكُونَ مِنَ الجَاهِلينَ " مع أنَّ محمداَ - صلى الله عليه وسلم - أعظمُ رتبةً؟ قلتُ: لأن نوحاً كان معذوراً بجهله بمطلوبه، لأنه تمسَّكَ بوعدِ الله تعالى، في إنجاء أهله، وظنَّ أنَّ ابنه من أهله. بخلاف محمد - صلى الله عليه وسلم - لم يكن معذوراً، لأنه كَبُر عليه كفرُهم، مع علمه أنَّ كفرهم وإيمانهم بمشيئة الله تعالى، وأنَّهم لا يهتدون إلَّا أن يهديهم الله تعالى.

    — كتاب فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن

ترجمات معاني الآية ٣٥ من سورة الأنعام

ترجمة معاني الآية إلى ٦٠ لغةً

(35) And if their evasion is difficult for you, then if you are able to seek a tunnel into the earth or a stairway into the sky to bring them a sign, [then do so]. But if Allāh had willed, He would have united them upon guidance. So never be of the ignorant.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال