غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
القراءات :﴿أرأيتكم﴾ وبابه بتليين الهمزة : أبو جعفر ونافع وحمزة في الوقف ﴿أريتكم﴾ وبابه بغير همز : عليّ : الباقون :﴿أرأيتكم﴾ بالتحقيق ﴿فتحنا﴾ بالتشديد : يزيد وابن عامر، ﴿به انظر﴾ بضم الهاء روى الأصفهاني عن ورش.
الوقوف :﴿أمثالكم﴾ ط ﴿يحشرون﴾ ه ﴿في الظلمات﴾ ط ﴿يضلله﴾ ط لابتداء شرط آخر ﴿مستقيم﴾ ه ﴿تدعون﴾ ج لأن جواب «إن» منتظر محذوف تقديره إن كنتم صادقين فأجيبوا مع اتحاد الكلام ﴿صادقين﴾ ه ﴿تشركون﴾ ه ﴿يتضرعون﴾ ه ﴿يعملون﴾ ه ﴿كل شيء﴾ ط ﴿مبلسون﴾ ه ﴿ظلموا﴾ ط ﴿العالمين﴾ ه ﴿يأتيكم به﴾ ط ﴿يصدفون﴾ ه ﴿الظالمون﴾ ه ﴿ومنذرين﴾ ج ﴿يحزنون﴾ ه ﴿يفسقون﴾ ه ﴿إني ملك﴾ ج للابتداء بالنفي مع اتحاد القائل والمقول ﴿إلى﴾ ط ﴿يتفكرون﴾ ه.
ثم أمر نبيه ﷺ أن ينفي عن نفسه أموراً ثلاثة فقال ﴿قل لا أقول لكم عندي خزائن الله﴾ وهي جمع خزانة للمكان الذي يخزن فيه الشيء، وخزن الشيء إحرازه بحيث لا تناله الأيدي ﴿ولا أعلم الغيب﴾ قال في الكشاف : محله النصل عطفاً على محل قوله ﴿عندي خزائن الله﴾ لأنه من جملة المقول أي لا أقول لكم ذاك ولا هذا. قلت : ويحتمل أن يكون عطفاً على ﴿لا أقول﴾ أي قل لا أعلم الغيب فيكون فيه دلالة على أن الغيب بالاستقلال لا يعلمه إلا الله بخلاف كون خزائن الله عنده وكونه ملكاً فإن النبي ﷺ يحتمل أن يكون له هذه المقامات ولكن لا يظهرها. واختلف المفسرون في فائدة نفي هذه الأمور فقيل : المراد إظهار التواضع والخضوع لله تعالى والاعتراف بعبوديته حتى لا يعتقد فيه مثل اعتقاد النصارى في المسيح عليه السلام. وقيل : المقصود إبداء العجز والضعف وأنه لا يستقل بإيجاد المعجزات التي كانوا يقترحونها كقولهم ﴿لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً﴾ إلى قوله ﴿هل كنت إلا بشراً رسولاً﴾ [الإسراء: ٩٣] وقيل : أي لا أدّعي سوى النبوّة والرسالة ولا أدّعي الإلهية ولا الملكية وإنما زيد هاهنا ﴿لكم﴾ بخلاف سورة هود حيث قال ﴿ولا أقول إني ملك﴾ [ الآية : ٣١ ] لأنه تقدم ذكر لكم في قوله ﴿إني لكم نذير﴾ [هود: ٢٥] فاكتفى بذلك. قال الجبائي : في الآية دلالة على أن الملك أفضل إذ المراد لا أدّعي فوق منزلتي. قال القاضي : إن كان الغرض التواضع فالأقرب أن ذلك يدل على أن الملك أفضل، وإن كان المراد نفي قدرته عن أفعال لا يقوى عليها إلا الملائكة لم يدل على أفضلية الملائكة. ﴿إن أتبع إلا ما يوحى إلي﴾ قيل : هذا النص يدل على أنه ﷺ لم يحكم من تلقاء نفسه بالاجتهاد في شيء من الأحكام، ولا يجوز لأحد من أمته أن يعمل إلا بالوحي النازل عليه لقوله تعالى ﴿فاتبعوه﴾ [الأنعام: ١٥٣] فلا يجوز العمل بالقياس، وأكد هذا الحكم بقوله ﴿قل هل يستوي الأعمى والبصير﴾ وذلك أن العمل بغير الوحي يجري مجرى عمل الأعمى، والعمل بمقتضى الوحي يقوم عمل البصير. ثم قال ﴿أفلا تتفكرون﴾ تنبيهاً على أنه يجب على العاقل أن يعرف الفرق بين هذين. وأجيب بأن أصل الاجتهاد والقياس إذا كان بالوحي لم يلزم الضلالة، والآية مثل للضال والمهتدي أو لمن ادعى المستقيم وهو النبوة والمحال وهو الإلهية والملكية ﴿أفلا تتفكرون﴾ فلا تكونوا ضالين كالعميان، أو فتعلموا أني ما ادعيت سوى ما يليق بالبشر والله تعالى أعلم وأحكم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:التأويل :﴿وما من دابة﴾ تدب في أرض البشرية وتتحرك من الحواس والجوارح والنفس وصفاتها ﴿إلا أمم أمثالكم﴾ في السؤال عن أقوالهم وأحوالهم كقوله ﴿إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا﴾ [الإسراء: ٣٦] ﴿ما فرطنا﴾ ما تركنا في القرآن من شيء يحتاج إليه الإنسان ظاهره وباطنه، ذاته وصفاته في السير إلى الله من الأوامر والنواهي والندب والآداب. ﴿ثم إلى ربهم يحشرون﴾ هاهنا بالسير وجذبات العناية، أو هناك بالسلاسل والأغلال يسحبون في النار في نار القطيعة على وجوههم لأن من شأنهم التكذيب كما قال ﴿والذين كذبوا بآياتنا﴾ بدلائلنا الموصلة إلينا ﴿صم﴾ آذان قلوبهم عن استماع الحق ﴿بكم﴾ ألسنة أحوالهم عن إجابة دعوة الحق في ظلمات صفات البشرية والأخلاق الذميمة. ﴿بل إياه تدعون﴾ لأن رجوعه إلى ربه مركوز في روحانيته. ولقد أرسلنا إلى أمم } أي أرسلنا إليهم نعمة الصحة والكفاف والأمن فشغلوا بها عنا، فأرسلنا إليهم بالبراهين القاطعة والحجج الساطعة ندعوهم بها إلينا فلم يهتدوا ﴿فأخذناهم بالبأساء والضراء﴾ التي هي موجبة للإلجاء. ﴿فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا﴾ وعلموا أن حقائق ألطافنا مدرجة في دقائق صور قهرنا، وتحققوا أن درر محبتنا مستودعة في أصداف شدائد بأسنا، فاستقبلوها بصدق الإلتجاء وحسن التضرع في الدعاء. ﴿فلما نسوا﴾ بسبب القساوة ﴿ما ذكروا به﴾ من معارضة البأساء والضراء فإنها تذكر أيام الرخاء وتعرّف قدر الصحة والنعماء وتؤدي إلى رؤية المنعم ﴿فتحنا عليهم أبواب كل شيء﴾ من البلاء في صورة النعماء لأرباب الظاهر بالنعم الظاهرة من الماء والجاه والقبول وأمثالها، ولأرباب الباطن بالنعم الباطنة من فتوحات الغيب وأشباهها ﴿حتى إذا فرحوا بما أوتوا﴾ وظنوا أنهم قد استغنوا عن صحبة الشيخ وتعليم تصرفاته فشرعوا في الطلب على وفق هواهم ﴿أخذناهم بغتة﴾ بفقد الأحوال والاشتغال بالقال ﴿فإذا هم مبلسون﴾ متحيرون في تيه الغرور. والحمد لله على إظهار اللطف لأربابه والقهر لأصحابه ليعلم أن الكل بقدر كما قال ﴿قل أرأيتم﴾ الآية إلا القوم الظالمون الذين ظلموا أنفسهم بصرف استعداد عبودية المولى في عبادة الهوى. فأما من ابتلي بعذاب الله من الآفات والمخافات والأمراض ونحوها ابتلاء فتاب ورجع فهو غيرها لك على الحقيقة ﴿قل لا أقول لكم﴾ لم يقل ليس ﴿عندي خزائن الله﴾ ليعلم أن خزائن الله وهي العلم بحقائق الأشياء وماهياتها عنده بإراءة ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم﴾ [فصلت: ٥٣] وباستجابة دعائه في قوله «أرنا الأشياء كما هي» ولكنه يكلم الناس على قدر عقولهم. ﴿ولا أعلم الغيب﴾ أي لا أقول لكم هذا مع أنه كان يخبرهم عما مضى وعما سيكون بإعلام الحق، وقد قال ﷺ في قصة ليلة المعراج «نظرت خلفي نظرة علمت ما كان وما سيكون» ﴿ولا أقول لكم إني ملك﴾ وإن كنت قد عبرت عن مقام الملك حين قلت لجبريل : تقدم فقال : لو دنوت أنملة لاحترقت ﴿إن أتبع إلا ما يوحى إليَّ﴾ أن أخبرهم وقل معهم ﴿قل هل يستوي الأعمى والبصير﴾ فلا يستوي مع الأعمى كلام البصير فكيف أخبركم عما أعمى الله بصائركم عنه وأنا به بصير.

التأويل :﴿وما من دابة﴾ تدب في أرض البشرية وتتحرك من الحواس والجوارح والنفس وصفاتها ﴿إلا أمم أمثالكم﴾ في السؤال عن أقوالهم وأحوالهم كقوله ﴿إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا﴾ [الإسراء: ٣٦] ﴿ما فرطنا﴾ ما تركنا في القرآن من شيء يحتاج إليه الإنسان ظاهره وباطنه، ذاته وصفاته في السير إلى الله من الأوامر والنواهي والندب والآداب. ﴿ثم إلى ربهم يحشرون﴾ هاهنا بالسير وجذبات العناية، أو هناك بالسلاسل والأغلال يسحبون في النار في نار القطيعة على وجوههم لأن من شأنهم التكذيب كما قال ﴿والذين كذبوا بآياتنا﴾ بدلائلنا الموصلة إلينا ﴿صم﴾ آذان قلوبهم عن استماع الحق ﴿بكم﴾ ألسنة أحوالهم عن إجابة دعوة الحق في ظلمات صفات البشرية والأخلاق الذميمة. ﴿بل إياه تدعون﴾ لأن رجوعه إلى ربه مركوز في روحانيته. ولقد أرسلنا إلى أمم } أي أرسلنا إليهم نعمة الصحة والكفاف والأمن فشغلوا بها عنا، فأرسلنا إليهم بالبراهين القاطعة والحجج الساطعة ندعوهم بها إلينا فلم يهتدوا ﴿فأخذناهم بالبأساء والضراء﴾ التي هي موجبة للإلجاء. ﴿فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا﴾ وعلموا أن حقائق ألطافنا مدرجة في دقائق صور قهرنا، وتحققوا أن درر محبتنا مستودعة في أصداف شدائد بأسنا، فاستقبلوها بصدق الإلتجاء وحسن التضرع في الدعاء. ﴿فلما نسوا﴾ بسبب القساوة ﴿ما ذكروا به﴾ من معارضة البأساء والضراء فإنها تذكر أيام الرخاء وتعرّف قدر الصحة والنعماء وتؤدي إلى رؤية المنعم ﴿فتحنا عليهم أبواب كل شيء﴾ من البلاء في صورة النعماء لأرباب الظاهر بالنعم الظاهرة من الماء والجاه والقبول وأمثالها، ولأرباب الباطن بالنعم الباطنة من فتوحات الغيب وأشباهها ﴿حتى إذا فرحوا بما أوتوا﴾ وظنوا أنهم قد استغنوا عن صحبة الشيخ وتعليم تصرفاته فشرعوا في الطلب على وفق هواهم ﴿أخذناهم بغتة﴾ بفقد الأحوال والاشتغال بالقال ﴿فإذا هم مبلسون﴾ متحيرون في تيه الغرور. والحمد لله على إظهار اللطف لأربابه والقهر لأصحابه ليعلم أن الكل بقدر كما قال ﴿قل أرأيتم﴾ الآية إلا القوم الظالمون الذين ظلموا أنفسهم بصرف استعداد عبودية المولى في عبادة الهوى. فأما من ابتلي بعذاب الله من الآفات والمخافات والأمراض ونحوها ابتلاء فتاب ورجع فهو غيرها لك على الحقيقة ﴿قل لا أقول لكم﴾ لم يقل ليس ﴿عندي خزائن الله﴾ ليعلم أن خزائن الله وهي العلم بحقائق الأشياء وماهياتها عنده بإراءة ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم﴾ [فصلت: ٥٣] وباستجابة دعائه في قوله «أرنا الأشياء كما هي» ولكنه يكلم الناس على قدر عقولهم. ﴿ولا أعلم الغيب﴾ أي لا أقول لكم هذا مع أنه كان يخبرهم عما مضى وعما سيكون بإعلام الحق، وقد قال ﷺ في قصة ليلة المعراج «نظرت خلفي نظرة علمت ما كان وما سيكون» ﴿ولا أقول لكم إني ملك﴾ وإن كنت قد عبرت عن مقام الملك حين قلت لجبريل : تقدم فقال : لو دنوت أنملة لاحترقت ﴿إن أتبع إلا ما يوحى إليَّ﴾ أن أخبرهم وقل معهم ﴿قل هل يستوي الأعمى والبصير﴾ فلا يستوي مع الأعمى كلام البصير فكيف أخبركم عما أعمى الله بصائركم عنه وأنا به بصير.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى