المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية
عن الكتاب
﴿القاهر﴾ إن أخذ صفة فعل، أي مظهر القهر بالصواعق والرياح والعذاب فيصح أن يجعل ﴿فوق﴾ ظرفية للجهة لأن هذه الأشياء إنما تعاهدها العباد من فوقهم، وإن أخذ ﴿القاهر﴾ صفة ذات بمعنى القدرة والاستيلاء ف ﴿فوق﴾ لا يجوز أن تكون للجهة، وإنما هي لعلو القدر والشأن على حد ما تقول : الياقوت فوق الحديد، ﴿ويرسل عليكم﴾ معناه يبثهم فيكم، و ﴿حفظة﴾ جمع حافظ مثل كاتب وكتبة، والمراد بذلك الملائكة الموكلون بكتب الأعمال، وروي أنهم الملائكة الذين قال فيهم النبي عليه السلام «تتعاقب فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار »(١) وقاله السدي وقتادة، وقال بعض المفسرين ﴿حفظة﴾ يحفظون الإنسان من كل شيء حتى يأتي أجله، والأول أظهر، وكلهم غير حمزة قرأ «توفيه رسلنا » على تأنيث لفظ الجمع. كقوله عز وجل :﴿ولقد كذبت رسل من قبلك﴾(٢) وقرأ حمزة «توفاه رسلنا » وحجته أن التأنيث غير حقيقي، وظاهر الفعل أنه ماضٍ كقوله تعالى :﴿وقال نسوة﴾(٣) ويحتمل أن يكون بمعنى تتوفاه فتكون العلامة مؤنثة، وأمال حمزة من حيث خط المصحف بغير ألف فكأنها إنما كتبت على الإمالة، وقرأ الأعمش «يتوفيه رسلنا » بزيادة ياء في أوله والتذكير، وقوله تعالى :﴿رسلنا﴾ يريد به على ما ذكر ابن عباس وجميع أهل التأويل ملائكة مقترنين بملك الموت يعاونونه ويأتمرون له، وقرأ جمهور الناس «لا يفرّطون » بالتشديد، وقرأ الأعرج «يفرطون » بالتخفيف، ومعناه يجاوزون الحد مما أمروا به، قال أبو الفتح : فكما أن المعنى في قراءة العامة لا يقصرون فكذلك هو في هذه لا يزيدون على ما أمروا به، ورجح اللفظ في قوله ﴿ردوا﴾ من الخطاب إلى الغيبة.
١ - روى البخاري هذا البيت عن أبي هريرة، ولفظه: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم- وهو أعلم بهم-: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون). (فتح الباري ٢/٣٣) باب فضل صلاة العصر من كتاب "مواقيت الصلاة"..
٢ - من الآية (٣٤) من سورة (الأنعام)..
٣ - من الآية (٣٠) من سورة (يوسف)..
٢ - من الآية (٣٤) من سورة (الأنعام)..
٣ - من الآية (٣٠) من سورة (يوسف)..