فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
قيل : المراد بظلمات البرّ والبحر : شدائدهما. قال النحاس : والعرب تقول يوم مظلم إذا كان شديداً، فإذا عظمت ذلك قالت : يوم ذو كوكب، أي يحتاجون فيه لشدّة ظلمته إلى كوكب، وأنشد سيبويه :
والاستفهام للتقريع والتوبيخ، أي من ينجيكم من شدائدهما العظيمة ؟ قرأ أبو بكر عن عاصم ﴿خفية﴾ بكسر الخاء. وقرأ الباقون بضمها، وهما لغتان. وقرأ الأعمش ﴿وَخِيفَةً﴾ من الخوف. وجملة ﴿تَدْعُونَهُ﴾ في محل نصب على الحال، أي من ينجيكم من ذلك حال دعائكم له دعاء تضرّع وخفية، أو متضرّعين ومخفين. والمراد بالتضرّع هنا : دعاء الجهر. قوله :﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا﴾ كذا قرأ أهل المدينة وأهل الشام. وقرأ الكوفيون ﴿لَّئِنْ أنجانا﴾ والجملة في محل نصب على تقدير القول : أي قائلين لئن أنجيتنا من هذه الشدّة التي نزلت بنا، وهي الظلمات المذكورة ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين﴾ لك على ما أنعمت به علينا من تخليصنا من هذه الشدائد.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة في قوله :﴿قُلْ مَن يُنَجّيكُمْ مّن ظلمات البر والبحر﴾ يقول : من كرب البرّ والبحر. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، في تفسير الآية عن ابن عباس قال : يقول إذا أضلّ الرجل الطريق دعا الله ﴿لئن أنجيتنا من هذه لنكوننّ من الشاكرين﴾.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه في قوله :﴿قُلْ هُوَ القادر على أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مّن فَوْقِكُمْ﴾ قال : يعني من أمرائكم ﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ يعني سفلتكم ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً﴾ يعني بالشيع : الأهواء المختلفة ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قال : يسلط بعضكم على بعض بالقتل والعذاب. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عنه من وجه آخر في تفسير الآية قال :﴿عَذَاباً من فَوْقِكُمْ﴾ أئمة السوء ﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال : خدم السوء. وأخرج أبو الشيخ عنه أيضاً من وجه آخر قال :﴿مّن فَوْقِكُمْ﴾ من قبل أمرائكم وأشرافكم ﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال : من قبل سفلتكم وعبيدكم. وأخرج عبد ابن حميد، وأبو الشيخ، عن أبي مالك ﴿عَذَاباً مّن فَوْقِكُمْ﴾ قال : القذف ﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال : الخسف. وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد مثله. وأخرج أبو الشيخ، عن مجاهد أيضاً ﴿من فَوْقِكُمْ﴾ قال : الصيحة والحجارة والريح ﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال : الرجفة والخسف، وهما عذاب أهل التكذيب ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قال : عذاب أهل الإقرار. وأخرج البخاري وغيره، عن جابر بن عبد الله قال : لما نزلت هذه الآية ﴿قُلْ هُوَ القادر على أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مّن فَوْقِكُمْ﴾ قال رسول الله ﷺ :«أعوذ بوجهك» ﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال :«أعوذ بوجهك» ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قال :«هذا أهون و أيسر». وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه وغيرهم، من حديث طويل عن ثوبان، وفيه :«وسألته أن لا يسلط عليهم عدوّاً من غيرهم فأعطانيها، وسألته أن لا يذيق بعضهم بأس بعض فمنعنيها» وأخرج مسلم وغيره من حديث سعد بن أبي وقاص : أن النبيّ ﷺ أقبل ذات يوم من العالية، حتى إذا مرّ بمسجد بني معاوية، دخل فركع فيه ركعتين وصلينا معه ودعا ربه طويلاً، ثم انصرف إلينا فقال :
«سألت ربي ثلاثاً فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة : سألته أن لا يهلك أمتي بالغرق، وسألته أن لا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيهما، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها» وأخرج أحمد، والحاكم وصححه، من حديث جابر بن عتيك نحوه. وأخرج نحوه أيضاً ابن مردويه، من حديث أبي هريرة. وأخرج أيضاً ابن أبي شيبة وابن مردويه، من حديث حذيفة بن اليمان نحوه. وأخرج أحمد والنسائي، وابن مردويه، عن أنس نحوه أيضاً.
وأخرج أحمد، والترمذي وحسنه، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن سعد بن أبي وقاص عن النبي في هذه الآية :﴿قُلْ هُوَ القادر على أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً من فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ فقال النبي :«أما إنها كائنة ولم يأت تأويلها بعد» وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية، والضياء في المختارة، عن أبيّ بن كعب في هذه الآية قال : هنّ أربع وكلهنّ عذاب وكلهنّ واقع لا محالة. فمضت اثنتان بعد وفاة رسول الله ﷺ بخمس وعشرين سنة، فألبسوا شيعاً، وذاق بعضهم بأس بعض ؛ وبقيت اثنتان واقعتان لا محالة : الخسف، والرجم. والأحاديث في هذا الباب كثيرة وفيما ذكرناه كفاية.
| بني أسد هل تعلمون بلاءنا | إذا كان يوم ذو كواكب أشنعا |
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه في قوله :﴿قُلْ هُوَ القادر على أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مّن فَوْقِكُمْ﴾ قال : يعني من أمرائكم ﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ يعني سفلتكم ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً﴾ يعني بالشيع : الأهواء المختلفة ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قال : يسلط بعضكم على بعض بالقتل والعذاب. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عنه من وجه آخر في تفسير الآية قال :﴿عَذَاباً من فَوْقِكُمْ﴾ أئمة السوء ﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال : خدم السوء. وأخرج أبو الشيخ عنه أيضاً من وجه آخر قال :﴿مّن فَوْقِكُمْ﴾ من قبل أمرائكم وأشرافكم ﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال : من قبل سفلتكم وعبيدكم. وأخرج عبد ابن حميد، وأبو الشيخ، عن أبي مالك ﴿عَذَاباً مّن فَوْقِكُمْ﴾ قال : القذف ﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال : الخسف. وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد مثله. وأخرج أبو الشيخ، عن مجاهد أيضاً ﴿من فَوْقِكُمْ﴾ قال : الصيحة والحجارة والريح ﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال : الرجفة والخسف، وهما عذاب أهل التكذيب ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قال : عذاب أهل الإقرار. وأخرج البخاري وغيره، عن جابر بن عبد الله قال : لما نزلت هذه الآية ﴿قُلْ هُوَ القادر على أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مّن فَوْقِكُمْ﴾ قال رسول الله ﷺ :«أعوذ بوجهك» ﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال :«أعوذ بوجهك» ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قال :«هذا أهون و أيسر». وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه وغيرهم، من حديث طويل عن ثوبان، وفيه :«وسألته أن لا يسلط عليهم عدوّاً من غيرهم فأعطانيها، وسألته أن لا يذيق بعضهم بأس بعض فمنعنيها» وأخرج مسلم وغيره من حديث سعد بن أبي وقاص : أن النبيّ ﷺ أقبل ذات يوم من العالية، حتى إذا مرّ بمسجد بني معاوية، دخل فركع فيه ركعتين وصلينا معه ودعا ربه طويلاً، ثم انصرف إلينا فقال :
«سألت ربي ثلاثاً فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة : سألته أن لا يهلك أمتي بالغرق، وسألته أن لا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيهما، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها» وأخرج أحمد، والحاكم وصححه، من حديث جابر بن عتيك نحوه. وأخرج نحوه أيضاً ابن مردويه، من حديث أبي هريرة. وأخرج أيضاً ابن أبي شيبة وابن مردويه، من حديث حذيفة بن اليمان نحوه. وأخرج أحمد والنسائي، وابن مردويه، عن أنس نحوه أيضاً.
وأخرج أحمد، والترمذي وحسنه، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن سعد بن أبي وقاص عن النبي في هذه الآية :﴿قُلْ هُوَ القادر على أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً من فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ فقال النبي :«أما إنها كائنة ولم يأت تأويلها بعد» وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية، والضياء في المختارة، عن أبيّ بن كعب في هذه الآية قال : هنّ أربع وكلهنّ عذاب وكلهنّ واقع لا محالة. فمضت اثنتان بعد وفاة رسول الله ﷺ بخمس وعشرين سنة، فألبسوا شيعاً، وذاق بعضهم بأس بعض ؛ وبقيت اثنتان واقعتان لا محالة : الخسف، والرجم. والأحاديث في هذا الباب كثيرة وفيما ذكرناه كفاية.