كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني

عن الكتاب
وقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ﴾ ؛ راجعٌ إلى مشركي مكَّة ؛ أي قُلْ لَهم يا مُحَمَّد :﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ﴾ كما بعثَ على قومِ نوحٍ ولُوطٍ من الطوفانِ والحجَارة، ﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ ؛ أي هو القادرُ على أن يَخْسِفَ بكم، كما فعلَ بقَارُونَ وقومِه. ويقالُ : أراد بقوله :﴿عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ﴾ الظلمةَ، ﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ أو يُغَلِّبَ عليكم سفهاءَكم.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً﴾ ؛ معناه : أو يَخْلِِطَكُمْ فِرقاً مختلفِي الأهواء، بأن يضربَ بعضَكم ببعضٍ بما يلقيهِ بينكم من العداوةِ. وقيل : معنى :﴿يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً﴾ يَكِلْكُمْ إلى أنفسِكم ويُخْلِيْكُمْ من الطاعةِ بذنوبكم ؛ فتختلفُوا حتى يذوقَ بعضُكم شدَّة بعضٍ بالحرب والقتال. وقالَ :﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ ؛ يعني بالسيُّوف يَقْتُلُ بعضُكُمْ بعضاً.
وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ﴾ ؛ أي انظُرْ يا مُحَمَّد كيف نُبَيِّنُ لَهم الآيةَ على إثْرِ آيةٍ، ﴿لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ ؛ أي لكي يَفْقَهُوا أوامرَ اللهِ، ثم هم لا يفقهون.
قال ابنُ عبَّاس :(لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ؛ شُقَّ ذلِكَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فقَالَ :" يَا جِبْرِيْلُ، مَا بَقَاءُ أُمَّتِي عَلَى هَذِهِ الْخِصَالِ الأَرْبَعِ؟! " فَقَالَ : إنَّمَا أنَا عَبْدٌ مِثْلُكَ، فَادْعُ رَبَّكَ وَاسْأَلْهُ لأُمَّتِكَ. فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؛ فَتَوَضَأَ وَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ؛ ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى وَأحْسَنَ الصَّلاَةَ ؛ ثُمَّ سَأَلَ اللهَ أنْ لاَ يَبْعَثَ عَلَى أُمَّتِهِ عَذاباً مِنْ فَوْقِهِمْ وَلاَ مِنْ تَحْتِ أرْجُلِهِمْ، وَلاَ يُلْبسَهُمْ شِيَعاً، وَلاَ يُذِيْقَ بَعْضَهُمْ بَأْسَ بَعْضٍ، فَنَزَلَ جِبْرِيْلُ عليه السلام ؛ فَقَالَ : يَا مُحَمَّد ؛ إنَّ الله قَدْ سَمِعَ مَقَالَتَكَ، وَإنَّهُ قَدْ أَجَارَهُمْ مِنْ خِصْلَتَيْنِ : أنْ لاَ يَبْعَثَ عَلَيْهِمْ عذاباً مِنْ فَوْقِهِمْ، وَلاَ مِنْ تَحْتِ أرْجُلِهِمْ، وَلَمْ يُخْرِجْهُمْ مِنَ الْخَصْلَتَيْنِ الأُخْرَتَيْنِ ".
وقال ﷺ :" سَأَلْتُ رَبِي أنْ لاَ يَبْعَثَ عَلَى أُمَّتِي عَذاباً مِنْ فَوْقِهِمْ، وَلاَ مِنْ تَحْتِ أرْجُلِهِمْ ؛ فأَعْطَانِي ذلِكَ. وَسَأَلْتُهُ أنْ لاَ يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ، فَمَنَعنِي ذلِكَ، وَأخْبَرَنِي جِبْرِيْلُ أنَّ فَنَاءَ أُمَّتِي بالسَّيْفِ ".

تفسير هذه الآية من كتب أخرى