الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
وقوله تعالى :﴿جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ﴾ : الظاهر أن " جعل " بمعنى خلق فتكون متعديةً لواحد، و " لكم " متعلق ب " جَعَلَ " وكذا " لتهتدوا ". فإن قيل : كيف يتعلَّق حرفا جر متَّحدان في اللفظ والمعنى ؟ فالجواب أن الثاني بدلٌ من الأول بدلُ اشتمال بإعادة العامل، فإن " ليهتدوا " جار ومجرور، إذ اللام لام كي، والفعل بعدها منصوب بإضمار " أن " عند البصريين وقد تقدَّم تقريره. والتقدير : جعل لكم النجوم لاهتدائكم، ونظيره في القرآن
﴿لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ﴾ [الزخرف: ٣٣] ف " لبيوتهم " بدلٌ من " لمن يكفر " بإعادة العامل، وقال ابن عطية :" وقد يمكن أن يكون بمعنى " صيَّر " ويقدَّر المفعول الثاني من لتَهْتدوا، أي : جعل لكم النجوم هداية ".
قال الشيخ :" وهو ضعيفٌ لندور حَذْفِ أحد مفعولي ظنَّ وأخواتها " قلت : لم يَدَّع ابنُ عطيَّة حذف المفعول الثاني حتى يجعله ضعيفاً إنما قال : إنه مِنْ " لتهتدوا " أي : فيُقَدَّر متعلق الجار الذي وقع مفعولاً ثانياً كما يُقدَّر في نظائره والتقدير : جعل لكم النجوم مستقرة أو كائنة لاهتدائكم. وأمَّا قوله :" أي جَعَل لكم النجومَ هدايةً " فلإِيضاح المعنى وبيانه.
والنجوم معروفة وهي جمع نجم، والنجم في الأصل مصدر يقال : نَجَم الكوكبُ ينجُمُ نَجْماً ونُجوماً فهو ناجم، ثم أُطلق على الكوكب مجازاً، فالنجم يستعمل مرة اسماً للكوكب ومرة مصدراً، والنجوم تستعمل مرة للكواكب وتارة مصدراً ومنه : نَجَمَ النبت أي : طَلَع، ونَجَم قرن الشاة وغيرها، والنجم من النبات ما لا ساق له، والشجرُ ما له ساق، والتنجيم : التفريق، ومنه نجوم الكنانة تشبيهاً بتفرق الكواكب.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى