تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
وقوله :﴿وَهُوَ الَّذِي أَنزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ أي بقدر مباركًا، رزقًا للعباد وغياثًا(١) للخلائق، رحمة من الله لخلقه ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ كَمَا قَالَ ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠]﴿فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا﴾ أي : زرعًا وشجرًا أخضر، ثم بعد ذلك يخلق فيه الحب والثمر ؛ ولهذا قال :﴿نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا﴾ أي : يركب بعضه بعضا، كالسنابل ونحوها ﴿وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ﴾ أي : جمع قِنو وهي عُذُوق الرّطب ﴿دَانِيَةٌ﴾ أي : قريبة من المتناول، كما قال علي بن أبي طلحة الوالبي، عن ابن عباس :﴿قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾ يعني بالقنوان الدانية : قصار النخل اللاصقة عذوقها(٢) بالأرض. رواه ابن جرير.
قال ابن جرير : وأهل الحجاز يقولون : قِنْوان، وقيس يقولون : قُنْوان، وقال امرؤ القيس :
فَأَثَّت أعاليه وآدت أصولهُومَالَ بقنْوانٍ من البُسر أحْمَرَا
قال : وتميم يقولون(٣) قُنْيَان بالياء - قال : وهي جمع قنو، كما أن صنوان جمع صنو(٤)
وقوله :﴿وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ﴾ أي : ونخرج منه جنات من أعناب، وهذان النوعان هما أشرف عند أهل الحجاز، وربما كانا(٥) خيار الثمار في الدنيا، كما امتن تعالى بهما على عباده، في قوله :﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٧]، وكان ذلك قبل تحريم الخمر.
وقال :﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ [يس: ٣٤].
وقوله :﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ قال قتادة وغيره : يتشابه في الورق، قريب الشكل بعضه من بعض، ويتخالف في الثمار شكلا وطعما وطبعا.
وقوله :﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾ أي : نضجه، قاله البراء بن عازب، وابن عباس، والضحاك، وعطاء الخراساني، والسُّدِّي، وقتادة، وغيرهم. أي : فكروا في قُدْرة خالقه من العدم إلى الوجود، بعد أن كان حَطَبًا صار عِنبًا ورطبًا وغير ذلك، مما خلق تعالى من الألوان والأشكال والطعوم والروائح، كما قال تعالى :﴿وَفِي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأكُلِ [ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ](٦) [الرعد: ٤] ولهذا قال هاهنا ﴿إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ﴾ أي : دلالات على كمال قدرة خالق هذه الأشياء وحكمته ورحمته ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي : يصدقون به، ويتبعون رسله.
١ في أ: "غياثا"..
٢ في م: "عروقها"..
٣ في أ: "تقول"..
٤ البيت في تفسير الطبري (١١/٥٧٥) ولسان العرب، مادة (قنا)..
٥ في م: "أنهما"..
٦ زيادة من م، وفي هـ: "الآية".
.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى