جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿وَهُوَ الّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السماء مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مّتَرَاكِباً وَمِنَ النّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنّاتٍ مّنْ أَعْنَابٍ وَالزّيْتُونَ وَالرّمّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوَاْ إِلِىَ ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنّ فِي ذَلِكُمْ لآيات لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
يقول تعالى ذكره : والله الذي له العبادة خالصة لا شركة فيه لشيء سواه، هو الإله الّذي أَنْزَلَ مِنَ السّمَاء مَاءً فأخْرَجْنا به نَبَاتَ كُلّ شَيْءٍ فأخرجنا بالماء الذي أنزلناه من السماء من غذاء الأنعام والبهائم والطير والوحش، وأرزاق بني آدم وأقواتهم ما يتغذّون به ويأكلونه فينبتون عليه وينمون.
وإنما معنى قوله : فَأخْرَجْنَا بِهِ نَباتَ كُلّ شَيْءٍ : فأخرجنا به ما ينبت به كلّ شيء وينمو عليه ويصلح. ولو قيل معناه : فأخرجنا به نبات جميع أنواع النبات فيكون كلّ شيء هو أصناف النبات، كان مذهباً وإن كان الوجه الصحيح هو القول الأوّل.
وقوله : فأخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً يقول : فأخرجنا منه يعني من الماء الذي أنزلناه من السماء خضراً رطباً من الزرع والخَضِرُ : هو الأخضر، كقول العرب : أرنيها نَمرَةً أُرِكْها مَطِرَةً، يقال : خَضِرَت الأرضُ خَضَراً وَخَضارة، والخضر : رطب البقول، ويقال : نخلة خضيرة : إذا كانت ترمي ببسرها أخضر قبل أن ينضج، وقد اختُضر الرجل واغتضر : إذا مات شابّا مصححاً، ويقال : هو لك خضراً مضراً : أي هنيئاً مريئاً. قوله : نُخْرِجُ مِنْهُ حَبّا مُتَرَكِباً يقول : نخرج من الخضر حبّا، يعني : ما في السنبل، سنبل الحنطة والشعير والأرز، وما أشبه ذلك من السنابل التي حبها يركب بعضه بعضاً.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن مفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، قوله : مِنْه خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبّا مُتَرَاكِباً فهذا السنبل.
القول في تأويل قوله تعالى : وَمِنَ النّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ.
يقول تعالى ذكره : ومن النخل من طلعها قنوان دانية ولذلك رفعت «القنوان ». والقنوان : جمع قِنْو، كما الصنوان : جمع صِنْو، وهو العِذْق، يقال للواحد : هو قِنو وقُنْو وقَنَا : يثنى قِنوانِ، ويجمع قِنوانٌ وقُنْوانٌ، قالوا في جمع قليله : ثلاثة أقناء، والقِنْوان : من لغة الحجاز، والقنوان : من لغة قيس وقال امرؤ القيس :
| فأثّتْ أعالِيهِ وآدَتْ أُصُولُهُ | وَمالَ بِقِنْوَانٍ مِنَ البُسْرِ أحْمَرَا |
| لَهَا ذَنَبٌ كالْقِنْوِ قَدْ مَذِلَتْ بِهِ | وأسْحَمَ للتّخْطارِ بَعْدَ التّشَذّرِ |
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس : قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ يعني بالقنوان الدانية : قصار النخل لاصقة عذوقها بالأرض.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : مِنْ طَلْعِها قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ قال : عذوق متهدلة.
حدثنا محمد بن الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة : قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ يقول : متهدلة.
حدثنا هناد، قال : حدثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن البراء، في قوله : قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ قال : قريبة.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا الثوري، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب : قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ قال : قريبة.
حدثني محمد بن سعيد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : وَمِنَ النّخْلِ مِنْ طَلُعِها قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ قال : الدانية لتهدّل العذوق من الطلع.
حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال : سمعت أبا معاذ، قال : حدثنا عبيد بن سليمان، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : وَمِنَ النّخْلِ مِنْ طَلْعها قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ يعني : النخل القصار الملتزقة بالأرض، والقنوان : طلعه.
القول في تأويل قوله تعالى : وَجَنّاتٍ مِنْ أعْنَابٍ والزّيْتُونَ والرّمّانِ مُشْتَبِهاً وَغيرَ مُتَشابِه.
يقول تعالى ذكره : وأخرجنا أيضاً جنات من أعناب، يعني : بساتين من أعناب.
واختلف القرّاء في قراءة ذلك، فقرأه عامة القرّاء : وَجَنّاتٍ نصباً، غير أن التاء كسرت لأنها تاء جمع المؤنث، وهي تخفض ي موضع النصب. وقد :
حدثني الحارث، قال : حدثنا القاسم بن سلام، عن الكسائي، قال : أخبرنا حمزة، عن الأعمش، أنه قرأ : وَجَنّاتٍ مِنْ أعْنَابٍ بالرفع، فرفع «جنات » على إتباعها «القنوان » في الإعراب، وإن لم تكن من جنسها، كما قال الشاعر :
| ورأيْت زَوْجَكِ في الوَغَى | مُتَقَلّداً سَيْفاً وَرُمْحَا |
وكان قتادة يقول في معنى مُشْتَبِهاً وَغيرَ مُتَشابِه ما :
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وَجَنّاتٍ مِنْ أعْنَابٍ والزّيْتُونَ والرّمّانِ مُشْتَبِهاً وَغيرَ مُتَشابِه قال : مشتبهاً ورقه، مختلفاً تمره.
وجائز أن يكون مراداً به : مشتبهاً في الخلق مختلفاً في الطعم ومعنى الكلام : وشجر الزيتون والرمان، فاكتفى من ذكر الشجر بذكر ثمره، كما قيل : وَاسأل القَرْيَةَ فاكتفى بذكر القرية من ذكر أهلها، لمعرفة المخاطبين بذلك بمعناه.
القول في تأويل قوله تعالى : انْظُرُوا إلى ثَمَرِهِ إذَا أثْمَرَ وَيَنْعِهِ.
اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء أهل المدينة وبعض أهل البصرة : انْظُرُوا إلى ثَمَرِهِ بفتح الثاء والميم، وقرأه بعض قراء أهل مكة وعامة قرّاء الكوفيين : إلى ثُمُرِهِ بضم الثاء والميم. فكأنّ من فتح الثاء والميم من ذلك وجّه معنى الكلام : انظروا إلى ثمر هذه الأشجار التي سمينا من النخل والأعناب والزيتون والرمان إذا أثمر وأن الثّمَر جمع ثمرة، كما القَصَب جمع قصبة، والخشب جمع خشبة. وكأن من ضمّ الثاء والميم، وجه ذلك إلى أنه جمع ثمار، كما الحُمُر جمع حمار، والجُرُب جمع جراب. وقد :
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الرحمن بن أبي حماد، عن ابن إدريس، عن الأعمش، عن يحيى بن وثاب، أنه كان يقرأ :«إلى ثُمُرِهِ » يقول : هو أصناف المال.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، حدثنا بن أبي حماد، قال : حدثنا محمد بن عبيد الله، عن قيس بن سعد، عن مجاهد، قال الثّمُر : هو المال، والثّمَر : ثمر النخل.
وأولى القراءتين في ذلك عند بالصواب، قراءة من قرأ : انْظُرُوا إلى ثُمُرِهِ بضمّ الثاء والميم، لأن الله جلّ ثناؤه وصف أصنافاً من المال، كما قال يحيى بن وثاب. وكذلك حبّ الزرع المتراكب، وقنوان النخل الدانية، والجنات من الأعناب والزيتون والرمان، فكان ذلك أنواعاً من الثمر، فجمعت الثمرة ثَمراً ثم جمع الثمر ثماراً، ثم جمع ذلك فقيل :«انظروا إلى ثُمُره »، فكان ذلك جمع الثمار، والثمار جمع الثمرة، وإثماره : عقد الثمر.
وأما قوله : وَيَنْعِهِ فإنه نضجه وبلوغه حين يبلغ. وكان بعض أهل العلم بكلام العرب من أهل البصرة يقول في «يَنْعِهِ » إذا فتحت ياؤه : هو جمع يانع، كما التّجْر : جمع تاجر، والصّحْب : جمع صاحب. وكان بعض أهل مكة ينكر ذلك ويرى أنه مصدر، من قولهم : ينع الثمر فهو يَيْنَع يَنْعاً، ويحكي في مصدره عن العرب لغات ثلاثاً : يَنْع، ويُنْعٌ، ويَنَع، وكذلك في النّضْج النّضْج والنّضَج.
وأما في قراءة من قرأ ذلك :«ويَانِعِهِ » فإنه يعني به : وناضجه وبالغه وقد يجوز في مصدره ينُوعاً، ومسموع عند العرب : أينعت الثمرة تونع إيناعاً ومن لغة اللذين قالوا يَنَع، قول الشاعر :
| فِي قِبابٍ عِنْدَ دَسْكَرَةٍ | حَوْلَهَا الزّيْتُونُ قَدْ يَنَعا |
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس : ويَنْعِهِ يعني : إذا نضج.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله : انْطُرُوا إلى ثَمَرِهِ إذَا أثْمَرَ وَيَنْعِهِ قال : ينعه : نضجه.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : انْظُرُوا إلى ثَمَرِهِ إذَا أثْمَرَ ويَنْعِهِ أي نضجه.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله : وَيَنْعِهِ قال : نضجه.
حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : ويَنْعِهِ يقول : ونضجه.
حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال : سمعت أبا معاذ، قال : حدثنا عبيد بن سليمان، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : وَيَنْعِهِ قال : يعني : نضجه.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : قال ابن عباس : وَيَنْعِهِ قال : نضجه.
القول في تأويل قوله تعالى : إنّ فِي ذَلكَ لاَياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ.
يقول تعالى ذكره : إن في إنزال الله تعالى من السماء الماء الذي أخرج به نبات كلّ شيء، والخضر الذي أخرج منه الحبّ المتراكب، وسائر ما عدّد في هذه الآية من صنوف خلقه لاَيَاتٍ يقول : في ذلكم أيها الناس إذا أنتم نظرتم إلى ثمره عند عقد ثمره، وعند ينعه وانتهائه، فرأيتم اختلاف أحواله وتصرّفه في زيادته ونموّه، علمتم أن له مدبراً ليس كمثله شيء، ولا تصلح العبادة إلاّ له دون الآلهة والأنداد، وكان فيه حجج وبرهان وبيان لَقوْمٍ يُؤْمِنُونَ يقول : لقوم يصدّقون بوحدانية الله وقدرته على ما يشاء. وخصّ بذلك تعالى ذكره القوم الذين يؤمنون، لأنهم هم المنتفعون بحجج الله والمعتبرون بها، دون من قد طبع على قلبه فلا يعرف حقّا من باطل ولا يتبين هدى من ضلالة.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: والله الذي له العبادة خالصة لا شريك فيها لشيء سواه، (١) هو الإله الذي أنزل من السماء ماء ="فأخرجنا به نبات كل شيء"، فأخرجنا بالماء الذي أنزلناه من السماء من غذاء الأنعام والبهائم والطير والوحش وأرزاق بني آدم وأقواتهم، ما يتغذون به ويأكلونه فينبتُون عليه وينمون. وإنما معنى قوله:"فأخرجنا به نبات كل شيء"، فأخرجنا به ما ينبت به كل شيء وينمو عليه ويصلحُ.
* * *
ولو قيل: معناه: فأخرجنا به نبات جميع أنواع النبات، فيكون"كل شيء"، هو أصناف النبات = كان مذهبًا، وإن كان الوجه الصحيح هو القولَ الأول. (٢)
* * *
وقوله:"فأخرجنا منه خضرًا"، يقول:"فأخرجنا منه"، يعني: من الماء الذي أنزلناه من السماء ="خَضِرًا"، رطبًا من الزرع.
* * *
"والخضر"، هو"الأخضر"، كقول العرب:"أرِنيهَا نَمِرة، أُرِكْها مَطِرَة". (٣) يقال:"خَضِرَت الأرض خَضَرًا. وخَضَارة". (٤) و"الخضر" رطب البقول،
(٢) انظر معاني القرآن للفراء ١: ٣٤٧.
(٣) هذا مثل، نسبه صاحب اللسان في (نمر) إلى أبي ذؤيب الهذلي، ولم ينسبه في (خضر)، ورواه الميداني في الأمثال ١: ٢٥٨، وأبو هلال في جمهرة الأمثال: ١٤، ولم ينسباه إليه، وأذكر أني قرأت قصته ثم افتقدتها الآن فلم أجدها. وقوله: "نمرة" يعني، سحابة، وهو أن يكون سواد وبياض ونمرة، يضرب مثلا في صحة مخيلة الشيء، وصحة الدلالة عليه. وذلك إذا رأيت دليل الشيء، علمت ما يتبعه.
(٤) "الخضارة" مصدر، مثل"الغضارة"، لم يذكر في مادته من كتب اللغة.
* * *
قوله:"نخرج منه حبًّا متراكبًا"، يقول: نخرج من الخضر حبًّا = يعني: ما في السنبل، سنبل الحنطة والشعير والأرز، (٢) وما أشبه ذلك من السنابل التي حبُّها يركب بعضه بعضًا.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
١٣٦٦١ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله:"منه خضرًا نخرج منه حبًّا متراكبًا"، فهذا السنبل.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ومن النخل من طلعها قنوانه دانية، (٣) = ولذلك رفعت"القِنوان".
* * *
(٢) انظر تفسير"الحب" فيما سلف ص: ٥٥٠.
(٣) في المطبوعة والمخطوطة: "ومن النخل من طلعها قنوان دانية"، وهو نص الآية، وهو بيان لا يستقيم، وإنما الصواب ما أثبت، استظهرته من معاني القرآن للفراء ١: ٣٤٧.
| فَأَثَّتْ أَعَالِيهِ، وَآدَتْ أُصُولُهُ | وَمَالَ بِقِنْوانٍ مِنَ البُسْرِ أَحْمَرَا (٣) |
| لَهَا ذَنَبٌ كَالْقِنْوِ قَدْ مَذِلَتْ بِهِ | وَأَسْحَمَ لِلتَّخْطَارِ بَعْدَ التَّشَذُّرِ (٥) |
(٢) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٢٠٢.
(٣) ديوانه: ٦٧، واللسان (قنا)، وغيرها كثير. من قصيدته المستجادة، وهو من أولها، يصف ظعن الحي يشبهها بالنخل، يقول قبله:
| بِعَيْنيَّ ظُعْنُ الحَيِّ لَمَّا تَحَمَّلُوا | لَدَى جَانِبِ الأَفْلاجِ مِنْ جَنْبِ تَيْمرَا |
| فَشَبَّهْتُهُمْ فِي الآلِ لَمَّا تَكَمَّشُوا | حَدَائِقَ دَوْمٍ، أوْ سَفِينًا مُقَيَّرَا |
| أَوِ المُكْرِعَاتِ من نَخِيلِ ابْنِ يَامِنٍ | دُوَيْنَ الصَّفَا اللائِي يَلِينَ المُشقّرا |
| سَوَامِقَ جَبَّارٍ أَثِيثٍ فُرُوعُهُ | وَعَالَيْنَ قِنْوَانًا مِنَ البُسْرِ أَحْمَرَا |
(٤) لم أعرف قائله.
(٥) رواه أبو زيد في نوادره: ١٨٢، بيتًا مفرادًا، وقال في تفسيره: "التشذر"، إذا لقحت الناقة عقدت ذنبها ونصبته على عجزها من التخيل، فذاك التشذر. و"المذل" (بفتحتين) : أن لا تحرك ذنبها. ولم أعرف لقوله"أسحم" في هذا البيت معنى، ورواية أبي زيد: "وأسمح"، وهو حق المعنى فيما أرجح. و"التخطار"، مصدر"خطر الفحل بذنبه خطرًا وخطرانًا وخطيرًا"، رفعه مرة بعد مرة، وضرب به حاذيه، وهما ما ظهر من فخذيه حيث يقع شعر الذنب. وهذا المصدر لم يذكر في شيء من معاجم اللغة. والمعنى: أنها أقرت ذنبها، ثم أسمح لها بعد نشاطها وتبخترها فاسترخى. هكذا ظننت معناه.
* * *
ويعني بقوله:"دانية"، قريبة متهدّلة.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
١٣٦٦٢ - حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:"قنوان دانية"، يعني ب"القنوان الدانية"، قصار النخل، لاصقة عُذُوقها بالأرض.
١٣٦٦٣ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"من طلعها قنوان دانية"، قال: عذوق متهدلة.
١٣٦٦٤- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة:"قنوان دانية"، يقول: متهدلة.
١٣٦٦٥ - حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن البراء في قوله:"قنوان دانية"، قال: قريبة.
١٣٦٦٦- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب:"قنوان دانية"، قال: قريبة.
١٣٦٦٧- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"ومن النخل من طلعها قنوان دانية"، قال: الدانية، لتهدُّل العُذوق من الطلع.
١٣٦٦٨ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:"ومن النخل من طلعها قنوان دانية"، يعني النخل القصارَ الملتزقة بالأرض، و"القنوان" طلعه.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وأخرجنا أيضًا جنات من أعناب = يعني: بساتينَ من أعناب. (١)
* * *
واختلف القرأة في قراءة ذلك.
فقرأه عامة القرأة: (وَجَنَّاتٍ) نصبًا، غير أن"التاء" كسرت، لأنها"تاء" جمع المؤنث، وهي تخفض في موضع النصب. (٢)
* * *
وقد:-
١٣٦٦٩- حدثني الحارث قال، حدثنا القاسم بن سلام، عن الكسائي قال، أخبرنا حمزة، عن الأعمش أنه قرأ: (وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ).
* * *
= بالرفع، فرفع"جنات" على إتباعها"القنوان" في الإعراب، وإن لم تكن من جنسها، كما قال الشاعر:
| وَرَأَيْتِ زَوْجَكِ فِي الوَغَى | مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحَا (٣) |
قال أبو جعفر: والقراءة التي لا أستجيز أن يقرأ ذلك إلا بها، النصبُ: (وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ)، لإجماع الحجة من القرأة على تصويبها والقراءة بها، ورفضهم ما عداها، وبُعْدِ معنى ذلك من الصواب إذ قرئ رفعًا.
* * *
(٢) في المطبوعة، أسقط"في" من الكلام سهوًا.
(٣) مضى البيت وتخريجه مرارًا ١: ١٤٠/٦: ٤٢٣/ ١٠: ٤٠٨.
* * *
وكان قتادة يقول في معنى"مشتبهًا وغير متشابه"، ما:-
١٣٦٧٠ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبهًا وغير متشابه"، قال: مشتبهًا ورقه، مختلفًا ثمرُه.
* * *
وجائز أن يكون مرادًا به: مشتبهًا في الخلق، مختلفًا في الطعم. (١)
* * *
قال أبو جعفر: ومعنى الكلام: وشجر الزيتون والرمان، فاكتفى من ذكر"الشجر" بذكر ثمره، كما قيل: (واسأل القرية)، [سورة يوسف: ٨٢]، فاكتفى بذكر"القرية" من ذكر"أهلها"، لمعرفة المخاطبين بذلك بمعناه.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾
قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأته عامة قرأة أهل المدينة وبعض أهل البصرة: (انْظُرُوا إلَى ثَمَرِهِ)، بفتح"الثاء" و"الميم".
* * *
وقرأه بعض قرأة أهل مكة وعامة قرأة الكوفيين: (إلَى ثُمُرِهِ)، بضم"الثاء" و"الميم".
* * *
* * *
= وكأنّ من ضم"الثاء" و"الميم"، وجَّه ذلك إلى أنه جمع"ثِمَار"، كما"الحُمُر" جمع"حمار"، و"الجُرُب" جمع"جراب"، وقد:-
١٣٦٧١ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن أبي حماد، عن ابن إدريس، عن الأعمش، عن يحيى بن وثاب: أنه كان يقرأ: (إلَى ثُمُرِهِ)، يقول: هو أصناف المال.
١٣٦٧٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي حماد قال، حدثنا محمد بن عبيد الله، عن قيس بن سعد، عن مجاهد قال:"الثُّمُر"، هو المال = و"الثمر"، ثَمَر النخل. (١)
* * *
وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب، قراءة من قرأ: (انْظُرُوا إلَى ثُمُرِهِ) بضم"الثاء" و"الميم"، لأن الله جل ثناؤه وصفَ أصنافًا من المال كما قال يحيى بن وثاب، وكذلك حبّ الزرع المتراكب، وقنوان النخل الدانية، والجنات من الأعناب والزيتون والرمان، فكان ذلك أنواعًا من الثمر، فجمعت"الثمرة""ثمرًا"، ثم جمع"الثمر""ثمارًا"، ثم جمع ذلك فقيل: (انْظُرُوا إلَى ثُمُرِهِ)، فكان ذلك جمع"الثمار" و"الثمار" جمع"الثمر" = و"إثماره"، عقدُ الثمر.
* * *
وأما قوله:"وَينْعه"، فإنه نُضجه وبلوغُه حين يبلغ.
* * *
* * *
وكان بعض أهل الكوفة ينكر ذلك، ويرى أنه مصدر من قولهم:"ينع الثمر فهو يَيْنع يَنْعًا"، ويحكى في مصدره عن العرب لغات ثلاثًا:"يَنْع"، و"يُنْع"، و"يَنَع"، وكذلك في"النَّضْج""النُّضج" و"النَّضَج". (٢)
* * *
وأما في قراءة من قرأ ذلك: (وَيَانِعِهِ)، فإنه يعني به: وناضجه، وبالغه.
* * *
وقد يجوز في مصدره"يُنُوعًا"، ومسموع من العرب:"أينعت الثمرة تُونِع إيناعًا"، ومن لغة الذين قالوا:"ينع"، قول الشاعر: (٣)
| فِي قِبَابٍ عِنْدَ دَسْكَرَةٍ | حَوْلَهَا الزَّيْتُونُ قَدْ يَنَعَا (٤) |
(٢) ذكر أبو جعفر في"ينع" و"نضج" مصدرًا ثالثًا غير الذي ذكره أصحاب المعاجم، فإنهم اقتصروا في (ينع) على فتح الياء وسكون النون، وضمها وسكون النون = واقتصروا في (نضج) على فتح النون وسكون الضاد، وضمها وسكون الضاد. أما هذا المصدر الثالث الذي رواه أبو جعفر ولم يضبطه، فلم أجده في شيء من المعاجم، وهو مما يزاد عليها، إلا أني استظهرت ضبطه في الحرفين بفتح الياء والنون في ينع"، وبفتح النون والضاد في"نضج". وسيذكر أبو جعفر مصدرًا آخر بعد قليل وهو"ينوع".
(٣) هذا شعر مختلف فيه من شعر يزيد بن معاوية، ونسبه المبرد إلى الأحوص، ونسبه الجاحظ إلى أبي دهبل، وينسب إلى الأخطل خطأ.
(٤) الحيوان ٤: ١٠، الكامل ١: ٢٢٦، أنساب الأشراف ٤/٢/٢، مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٢٠٢، تاريخ ابن كثير ٨: ٢٣٤، تاريخ الخلفاء للسيوطي: ١٤٠، معجم ياقوت (الماطرون) ؛ الخزانة ٣: ٢٧٩، العيني (هامش الخزانة ١: ١٤٩)، واللسان (ينع) وغيرها. من شعر يقال إن يزيد قاله في نصرانية ترهبت في دير خرب عند الماطرون، وهو موضع بالشأم. وهذا هو الشعر، مع اختلاف الرواية فيه:
| آبَ هَذَا الهَمُّ فَاكْتَنَعَا | وأتَرَّ النَّوْمَ فَاْمْتَنَعَا |
| رَاعِيًا للِنَّجْمِ أرْقُبُهُ | فَإِذَا ما كَوْكَبٌ طَلَعَا |
| حَامَ، حَتَّى إنَّنِي لأرَى | أنَّهُ بِالْغَورِ قَدْ وَقَعَا |
| وَلَهَا بالمَاطِرُونِ إذَا | أكَلَ النَّمْلُ الَّذِي جَمَعَا |
| خُرْفَةٌ، حَتَّى إذَا ارْتَبَعَتْ | سَكَنَتْ منْ جِلَّقٍ بِيَعَا |
| فِي قِبَابٍ حَوْلَ دَسْكَرةٍ | حَوْلَهَا الزَّيْتُونُ قَدْ يَنَعَا |
| عِنْد غَيْري، فَالْتَمِسْ رَجُلا | يأكُلُ التَّنُّوَم والسَّلَعَا |
| ذَاكَ شَيءٌ لَسْتُ آكُلُهُ | وَأرَاهُ مَأْكَلا فَظِعَا |
ورواية البل اذري للبيت:
| فِي جِنَانٍ ثَمَّ مُؤْنِقَةٍ | حَوْلَهَا الزَّيْتُونُ قَدْ يَنَعَا |
* ذكر من قال ذلك:
١٣٧٦٣ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:"وينعه"، يعني: إذا نضج.
١٣٦٧٤- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"انطروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه"، قال:"ينعه"، نضجه.
١٣٦٧٥ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:
١٣٦٧٦- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"وينعه"، قال: نضجه.
١٣٦٧٧ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"وينعه"، يقول: ونضجه.
١٣٦٧٨- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:"وينعه"، قال: يعني نضجه.
١٣٦٧٩- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس:"وينعه"، قال: نضجه.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره إن في إنزال الله من السماء الماءَ الذي أخرج به نباتَ كل شيء، والخضِرَ الذي أخرج منه الحبَّ المتراكب، وسائر ما عدَّد في هذه الآية من صنوف خلقه ="لآيات"، يقول: في ذلكم، أيها الناس، إذا أنتم نظرتم إلى ثمره عند عقد ثمره، وعند ينعه وانتهائه، فرأيتم اختلاف أحواله وتصرفه في زيادته ونموّه، علمتم أن له مدبِّرًا ليس كمثله شيء، ولا تصلح العبادة إلا له دون الآلهة والأنداد، وكان فيه حجج وبرهان وبيان (١) ="لقوم يؤمنون"،
وخصّ بذلك تعالى ذكره القوم الذين يؤمنون، لأنهم هم المنتفعون بحجج الله والمعتبرون بها، دون من قد طَبعَ الله على قلبه، فلا يعرف حقًّا من باطل، ولا يتبين هدًى من ضلالة.
* * *
تفسير القرآن العظيم — ابن كثير
قال ابن جرير : وأهل الحجاز يقولون : قِنْوان، وقيس يقولون : قُنْوان، وقال امرؤ القيس :
| فَأَثَّت أعاليه وآدت أصولهُ | ومَالَ بقنْوانٍ من البُسر أحْمَرَا |
وقوله :﴿وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ﴾ أي : ونخرج منه جنات من أعناب، وهذان النوعان هما أشرف عند أهل الحجاز، وربما كانا(٥) خيار الثمار في الدنيا، كما امتن تعالى بهما على عباده، في قوله :﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٧]، وكان ذلك قبل تحريم الخمر.
وقال :﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ [يس: ٣٤].
وقوله :﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ قال قتادة وغيره : يتشابه في الورق، قريب الشكل بعضه من بعض، ويتخالف في الثمار شكلا وطعما وطبعا.
وقوله :﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾ أي : نضجه، قاله البراء بن عازب، وابن عباس، والضحاك، وعطاء الخراساني، والسُّدِّي، وقتادة، وغيرهم. أي : فكروا في قُدْرة خالقه من العدم إلى الوجود، بعد أن كان حَطَبًا صار عِنبًا ورطبًا وغير ذلك، مما خلق تعالى من الألوان والأشكال والطعوم والروائح، كما قال تعالى :﴿وَفِي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأكُلِ [ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ](٦)﴾ [الرعد: ٤] ولهذا قال هاهنا ﴿إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ﴾ أي : دلالات على كمال قدرة خالق هذه الأشياء وحكمته ورحمته ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي : يصدقون به، ويتبعون رسله.
٢ في م: "عروقها"..
٣ في أ: "تقول"..
٤ البيت في تفسير الطبري (١١/٥٧٥) ولسان العرب، مادة (قنا)..
٥ في م: "أنهما"..
٦ زيادة من م، وفي هـ: "الآية".
.
تيسير الكريم الرحمن — السعدي
وهذا من أعظم مننه العظيمة، التي يضطر إليها الخلق، من الآدميين وغيرهم، وهو أنه أنزل من السماء ماء متتابعا وقت حاجة الناس إليه، فأنبت الله به كل شيء، مما يأكل الناس والأنعام، فرتع الخلق بفضل الله، وانبسطوا برزقه، وفرحوا بإحسانه، وزال عنهم الجدب واليأس والقحط، ففرحت القلوب، وأسفرت الوجوه، وحصل للعباد من رحمة الرحمن الرحيم، ما به يتمتعون وبه يرتعون، مما يوجب لهم، أن يبذلوا جهدهم في شكر من أسدى النعم، وعبادته والإنابة إليه، والمحبة له.
ولما ذكر عموم ما ينبت بالماء، من أنواع الأشجار والنبات، ذكر الزرع والنخل، لكثرة نفعهما وكونهما قوتا لأكثر الناس فقال :﴿فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ﴾ أي : من ذلك النبات الخضر، ﴿حَبًّا مُتَرَاكِبًا﴾ بعضه فوق بعض، من بر، وشعير، وذرة، وأرز، وغير ذلك، من أصناف الزروع، وفي وصفه بأنه متراكب، إشارة إلى أن حبوبه متعددة، وجميعها تستمد من مادة واحدة، وهي لا تختلط، بل هي متفرقة الحبوب، مجتمعة الأصول، وإشارة أيضا إلى كثرتها، وشمول ريعها وغلتها، ليبقى أصل البذر، ويبقى بقية كثيرة للأكل والادخار.
﴿وَمِنَ النَّخْلِ﴾ أخرج الله ﴿مِنْ طَلْعِهَا﴾ وهو الكفرى، والوعاء قبل ظهور القنو منه، فيخرج من ذلك الوعاء ﴿قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾ أي : قريبة سهلة التناول، متدلية على من أرادها، بحيث لا يعسر التناول من النخل وإن طالت، فإنه يوجد فيها كرب ومراقي، يسهل صعودها.
﴿و﴾ أخرج تعالى بالماء ﴿جنات مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ﴾ فهذه من الأشجار الكثيرة النفع، العظيمة الوقع، فلذلك خصصها الله بالذكر بعد أن عم جميع الأشجار والنوابت.
وقوله ﴿مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ يحتمل أن يرجع إلى الرمان والزيتون، أي : مشتبها في شجره وورقه، غير متشابه في ثمره.
ويحتمل أن يرجع ذلك، إلى سائر الأشجار والفواكه، وأن بعضها مشتبه، يشبه بعضه بعضا، ويتقارب في بعض أوصافه، وبعضها لا مشابهة بينه وبين غيره، والكل ينتفع به العباد، ويتفكهون، ويقتاتون، ويعتبرون، ولهذا أمر تعالى بالاعتبار به، فقال :﴿انْظُرُوا﴾ نظر فكر واعتبار ﴿إِلَى ثَمَرِهِ﴾ أي : الأشجار كلها، خصوصا : النخل ﴿إذا أثمر﴾
﴿وَيَنْعِهِ﴾ أي : انظروا إليه، وقت إطلاعه، ووقت نضجه وإيناعه، فإن في ذلك عبرا وآيات، يستدل بها على رحمة الله، وسعة إحسانه وجوده، وكمال اقتداره وعنايته بعباده.
ولكن ليس كل أحد يعتبر ويتفكر وليس كل من تفكر، أدرك المعنى المقصود، ولهذا قيد تعالى الانتفاع بالآيات بالمؤمنين فقال :﴿إِنَّ فِي ذَلِكَم لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ فإن المؤمنين يحملهم ما معهم من الإيمان، على العمل بمقتضياته ولوازمه، التي منها التفكر في آيات الله، والاستنتاج منها ما يراد منها، وما تدل عليه، عقلا، وفطرة، وشرعا.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
وهذا من أعظم مننه العظيمة، التي يضطر إليها الخلق، من الآدميين وغيرهم، وهو أنه أنزل من السماء ماء متتابعا وقت حاجة الناس إليه، فأنبت الله به كل شيء، مما يأكل الناس والأنعام، فرتع الخلق بفضل الله، وانبسطوا برزقه، وفرحوا بإحسانه، وزال عنهم الجدب واليأس والقحط، ففرحت القلوب، وأسفرت الوجوه، وحصل للعباد من رحمة الرحمن الرحيم، ما به يتمتعون وبه يرتعون، مما يوجب لهم، أن يبذلوا جهدهم في شكر من أسدى النعم، وعبادته والإنابة إليه، والمحبة له.
ولما ذكر عموم ما ينبت بالماء، من أنواع الأشجار والنبات، ذكر الزرع والنخل، لكثرة نفعهما وكونهما قوتا لأكثر الناس فقال: ﴿فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ﴾ أي: من ذلك النبات الخضر، ﴿حَبًّا مُتَرَاكِبًا﴾ بعضه فوق بعض، من بر، وشعير، وذرة، وأرز، وغير ذلك، من أصناف الزروع، وفي وصفه بأنه متراكب، إشارة إلى أن حبوبه متعددة، وجميعها تستمد من مادة واحدة، وهي لا تختلط، بل هي متفرقة الحبوب، مجتمعة الأصول، وإشارة أيضا إلى كثرتها، وشمول ريعها وغلتها، ليبقى أصل البذر، ويبقى بقية كثيرة للأكل والادخار.
﴿وَمِنَ النَّخْلِ﴾ أخرج الله ﴿مِنْ طَلْعِهَا﴾ وهو الكفرى، والوعاء قبل ظهور القنو منه، فيخرج من ذلك الوعاء ﴿قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾ أي: قريبة سهلة التناول، متدلية على من أرادها، بحيث لا يعسر التناول من النخل وإن طالت، فإنه يوجد فيها كرب ومراقي، يسهل صعودها.
﴿و﴾ أخرج تعالى بالماء ﴿جنات مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ﴾ فهذه من الأشجار الكثيرة النفع، العظيمة الوقع، فلذلك خصصها الله بالذكر بعد أن عم جميع الأشجار والنوابت.
وقوله ﴿مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ يحتمل أن يرجع إلى الرمان والزيتون، أي: مشتبها في شجره وورقه، غير متشابه في ثمره.
ويحتمل أن يرجع ذلك، إلى سائر الأشجار والفواكه، وأن بعضها مشتبه، يشبه بعضه بعضا، ويتقارب في بعض أوصافه، وبعضها لا مشابهة بينه وبين غيره، والكل ينتفع به العباد، ويتفكهون، ويقتاتون، ويعتبرون، ولهذا أمر تعالى بالاعتبار به، فقال: ﴿انْظُرُوا﴾ نظر فكر واعتبار ﴿إِلَى ثَمَرِهِ﴾ أي: الأشجار كلها، خصوصا: النخل ﴿إذا أثمر﴾.
﴿وَيَنْعِهِ﴾ أي: انظروا إليه، وقت إطلاعه، ووقت نضجه وإيناعه، فإن في ذلك عبرا وآيات، يستدل بها على رحمة الله، وسعة إحسانه وجوده، وكمال اقتداره وعنايته بعباده.
ولكن ليس كل أحد يعتبر ويتفكر وليس كل من تفكر، أدرك المعنى المقصود، ولهذا قيد تعالى الانتفاع بالآيات بالمؤمنين فقال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَم لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ فإن المؤمنين يحملهم ما معهم من الإيمان، على العمل بمقتضياته ولوازمه، التي منها التفكر في آيات الله، والاستنتاج منها ما يراد منها، وما تدل عليه، عقلا وفطرة، وشرعا.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١١٨ كتابًا)
غريب الكلمات ومعانيها
معاني الكلمات الغريبة في الآية
- خَضِرًا
- زَرْعًا، وَشَجَرًا أَخْضَرَ.
- مُّتَرَاكِبًا
- يَرْكَبُ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ.
- طَلْعِهَا
- مَا تَنْشَأُ فِيهِ عُذُوقُ الرُّطَبِ.
- قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ
- عُذُوقٌ قَرِيبَةُ التَّنَاوُلِ.
- وَيَنْعِهِ
- نُضْجِهِ، وَبُلُوغِهِ حِينَ يَبْلُغُ.
إعراب الآية ٩٩ من سورة الأنعام
من كتاب: إعراب القرآن
[سورة الأنعام (٦) : آية ٩٩]
وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٩٩)وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً والأصل في ماء «ماه» والهاء خفيّة والألف كذلك فأبدل من الهاء همزة لأن الهمزة جلدة. فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ أي كل شيء نابت.
فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً قال الأخفش: أي أخضر كما يقول العرب: «أرنيها نمرة أركها مطرة» «١». وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ رفع بالابتداء، وأجاز الفراء «٢» في غير القرآن «قنوانا دانية» على العطف على ما قبله. قال سيبويه: ومن العرب من يقول «٣» : قنوان.
قال الفراء: هذه لغة قيس، وأهل الحجاز يقولون: قنوان، وتميم تقول: قنيان ثم يجتمعون في الواحد فيقولون: قنو وقنو. وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ قراءة العامة بالنصب عطفا أي فأخرجنا جنات، وقرأ محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى والأعمش وهو الصحيح من قراءة عاصم وجنات بالرفع وأنكر هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم حتى قال أبو حاتم: هي محال لأن الجنات لا تكون من النخل. قال أبو جعفر: والقراءة جائزة وليس التأويل على هذا ولكنه رفع بالابتداء والخبر محذوف أي ولهم جنات كما قرأ جماعة من القراء. وَحُورٌ عِينٌ [الواقعة: ٢٢] وأجاز مثل هذا سيبويه والكسائي والفراء، ومثله كثير وعلى هذا أيضا وحورا عينا»
حكاه سيبويه وأنشد: [البسيط] ١٣٥-
| جئني بمثل بني بدر لقومهم | أو مثل أسرة منظور بن سيّار «٥» |
(٢) انظر معاني الفراء ١/ ٣٤٧.
(٣) هذه قراءة الأعرج وهارون وأبي عمرو، انظر البحر المحيط ٤/ ١٩٣.
(٤) هذه قراءة أبيّ، انظر الكتاب ١/ ١٤٩. [.....]
(٥) الشاهد لجرير في ديوانه ٢٣٧، والكتاب ١/ ١٤٨، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٦٦، والمقتضب ٤/ ١٥٣، وبلا نسبة في شرح المفصل ٦/ ٦٩، والمحتسب ٢/ ٧٨.
(٦) وهي قراءة مجاهد أيضا، انظر البحر المحيط ٤/ ١٩٥.
القراءات في الآية ٩٩ من سورة الأنعام
اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية
ثَمَرِهِ إِذَآ
(ثُمُرِهِ) بضم الثاء والميم ومد الصلة 4 حركات
(ثُمُرِه) بضم الثاء والميم ومد الصلة 6 حركات
(ثَمَرِهِ) بفتح الثاء والميم ومد الصلة 3 حركات
(ثَمَرِهِ) بفتح الثاء والميم ومد الصلة 4 أو 5 حركات
(ثَمَره) بفتح الثاء والميم ومد الصلة 4 حركات
(ثَمَرِه) بفتح الثاء والميم ومد الصلة 6 حركات
(ثَمَره) بفتح الثاء والميم ومد الصلة حركتين
مُتَشَابِهٍ انظُرُواْ
بضم نون التنوين لالتقاء الساكنين
بكسر نون التنوين لالتقاء الساكنين
الموضوعات القرآنية للآية ٩٩ من سورة الأنعام
١٩ موضوعًا تتناولها هذه الآية
- آيات الله في الكون وفي الخلق
- أصل الحياة في كل كائن حي
- أيمان كاذبة
- إنزاله من االسماء
- الإنبات به
- إنباته بعض عطاء الخالق الرازق
- إخراجه من النبات وإخراج النبات منه
- اختلاف الزروع والثمار ألواناً وطعوماً
- بعض ما أنشأ المعبود لمنفعة عباده
- بعض نعم الخالق على عباده
- ثمرات النبات والاشجار آيةٌ للخالق تستوجب النظر
- الثمر
- حديث عن جنات الأرض
- الحَبَّة
- الرّمَّان
- الرًّطب
- الزيتون
- مرسل الرياح ومنزل الغيث
- النخيل
أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور
٣٣ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور
تفسير
٢٤ قولًاقال الحسن البصري: ﴿إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون﴾، يقول: الذي أخرج من هذا الماء هذا النبات، وهذا الخضر، وهذه الجنات؛ قادرٌ على أن يُحْيِيَ الموتى١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إن في ذلكم﴾ يعني: إنّ في هذا الذي ذُكِر من صنعه وعجائبه ﴿لآيات﴾ لَعِبْرَة ﴿لقوم يؤمنون﴾ يعني: يُصَدِّقون بالتوحيد١
عن قتادة بن دعامة -من طريق خالد بن قيس- في قوله: ﴿مشتبها وغير متشابه﴾، قال: متشابهًا ورَقُه، مختلِفًا ثمرُه١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿مشتبها﴾ ورقها في المنظر، يشبه ورق الزيتون، وورق الرمان، ثم قال: ﴿وغير متشابه﴾ في اللون، مختلف في الطَّعم١
قال يحيى بن سلّام: يعني: وأخرجنا الزيتون والرمان ﴿مشتبها وغير متشابه﴾، أي: مشتبهًا في طعمه ولونه، وغير متشابه١
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- ﴿وينعه﴾، قال: نُضْجِه١
عن عبد الله بن عباس: أنّ نافع بن الأزرق قال له: أخبِرني عن قوله: ﴿وينعه﴾. قال: نُضْجِه، وبلاغِه. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعتَ الشاعر وهو يقول: = إذا ما مَشَتْ وسْطَ النساء تأوَّدَتْ كما اهْتَزَّ غُصْنٌ ناعِمَ النَّبْتِ يانِعُ١
عن البراء بن عازب -من طريق أبي إسحاق- ﴿وينعه﴾، قال: نُضْجه١
عن عطاء الخراساني، وعبد الله بن أبي إسحاق البصري، مثل ذلك١
عن الضحاك بن مُزاحم -من طريق عبيد بن سليمان- قال في قوله: ﴿وينعه﴾: يعني: نُضْجه١
عن قتادة بن دعامة -من طريق مَعْمَر- في قوله: ﴿وينعه﴾، قال: نُضْجه١
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- ﴿وينعه﴾، يقول: ونُضْجه١
قال مقاتل بن سليمان: ثم أخبر عن صُنعِه؛ لِيُعْرَف توحيدُه، فقال: ﴿وهو الذي أنزل من السماء ماء﴾، يعني: المطر١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فأخرجنا به﴾ يعني: بالمطر ﴿نبات كل شيء﴾ يعني: الثمار، والحبوب، وألوان النبات، ﴿فأخرجنا منه خضرا﴾ يعني: أول النبات١
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- في قوله: ﴿نخرج منه حبا متراكبا﴾، قال: فهذا السُّنبُلُ١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿نخرج منه﴾ يعني: من الماء ﴿حبا متراكبا﴾ يعني: السُّنبُل، قد رَكِب بعضُه بعضًا١
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- ﴿قنوان دانية﴾، قال: قِصارُ النخل اللّاصقةُ عُذوقُها بالأرض١
عن عبد الله بن عباس -من طريق السدي- ﴿قنوان﴾: الكبائسُ١، والدّانيةُ: المنصوبة٢٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية- في قوله: ﴿قنوان دانية﴾، قال: تَهَدُّلُ العُذُوقِ من الطَّلْع١
عن البراء بن عازب -من طريق أبي إسحاق- ﴿قنوان دانية﴾، قال: قريبة١
قال مجاهد بن جبر: ﴿دانية﴾: مُتَدَلِّيَة١
عن الضحاك بن مزاحم -من طريق عبيد بن سليمان- قال في قوله: ﴿ومن النخل من طلعها قنوان دانية﴾: يعني: النخل القصار الملتزقة بالأرض، والقنوان: طَلْعُه١
عن قتادة بن دعامة -من طريق مَعْمَر- في قوله: ﴿قنوان﴾ قال: عُذُوقُ النخل، ﴿دانية﴾ قال: مُتَهَدِّلَة، يعني: مُتَدَلِّية١
قال مقاتل بن سليمان: وأخرجنا بالماء من النخل؛ ﴿من طلعها﴾ يعني: من ثمرها ﴿قنوان﴾ يعني: قصار النخل ﴿دانية﴾ يعني: ملتصقة بالأرض تُجْنى باليد١
قراءات
٣ أقوالتفسير الآية
٤ أقوالقال مقاتل بن سليمان: وأخرجنا بالماء جنات، يعني: البساتين. ثُمَّ نعت البساتين، فقال: ﴿من أعناب والزيتون والرمان.. ﴾١
عن مجاهد بن جبر -من طريق قيس بن سعد- قال: الثُّمُر: هو المال. والثَّمَر: ثمر النخل١
عن محمد بن كعب القرظي -من طريق موسى بن عبيدة- في قوله: ﴿انظروا إلى ثمره إذا أثمر﴾، قال: رُطَبه، وعِنَبه١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿انظروا إلى ثمره إذا أثمر﴾ حين يبدو غضًّا أوَّلُه صِيصًا١ ﴿وينعه﴾٢
آثار متعلقة بالآية
قولانِعن محمد بن مِسْعَر، قال: فَرْضًا على الناس إذا أُخرِجت الثمار أن يَخرُجوا وينظُروا إليها، قال الله: ﴿انظروا إلى ثمره إذا أثمر﴾١
عن سيار، قال: كان خالد بن يزيد عند عبد الملك بن مروان، فذكروا الماء، فقال خالد بن يزيد: منه من السماء، ومنه ما يسقيه الغيم من البحر فَيُعْذِبُهُ١ الرعد والبرق، فأمّا ما كان من البحر فلا يكون له نبات، وأمّا النبات فمِمّا كان من السماء٢
وقفات تدبرية في الآية ٩٩ من سورة الأنعام
١٠ وقفات في هذه الآية
-
﴿والزيتون والرمان مشتبهاً وغير متشابه﴾ مالفرق بين المشتبه والمتشابه؟ الاشتباه في الشكل التشابه في الطعم شكل متحد وطعم مختلف
— روائع القرآن
-
﴿والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه﴾ الفرق بين المشتبه والمتشابه هو أن الاشتباه يكون في الشكل ، والتشابه في الطعم.
— محاسن التاويل
-
قوله {قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون} ثم قال {قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون} وقال بعدهما {إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون} , لأن من أحاط علما بما في الآية الأولى صار عالما لأنه أشرف العلوم فختم الآية بقوله {يعلمون} والآية الثانية مشتملة على ما يستدعي تأملا وتدبرا والفقه علم يحصل بالتدبر والتأمل والتفكر ولهذا لا يوصف به الله سبحانه وتعالى فختم الآية بقوله {يفقهون} ومن أقر بما في الآية الثالثة صار مؤمنا حقا فختم الآية بقوله {يؤمنون} حكاه أبو مسلم عن الخطيب وقوله {إن في ذلكم لآيات} في هذه السورة بحضور الجماعات وظهور الآيات عم الخطاب وجمع الآيات. .
— كتاب أسرار التكرار للكرماني
-
قوله {مشتبها وغير متشابه} وفي الآية الأخرى {متشابها وغير متشابه} لأن أكثر ما جاء في القرآن من هاتين الكلمتين جاء بلفظ التشابه نحو قوله {وأتوا به متشابها} {إن البقر تشابه علينا} {تشابهت قلوبهم} {وأخر متشابهات} فجاء قوله {مشتبها وغير متشابه} في الآية الأولى و {متشابها وغير متشابه} في الآية الأخرى على تلك القاعدة ثم كان لقوله تشابه معنيان أحدهما التبس والثاني تساوى وما في البقرة معناه التبس فحسب فبين بقوله {متشابها} ومعناه ملتبسا لأن ما بعده من باب التساوي والله أعلم .
— كتاب أسرار التكرار للكرماني
-
مسألة: قوله تعالى: (قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون) وبعده: (لقوم يفقهون) وبعده: (يؤمنون) ما وجه اختصاص كل آية بخاتمتها؟ . جوابه: أن حساب الشمس والقمر والنجوم والاهتداء بها يختص بالعلماء بذلك فناسب ختمه ب (يعلمون) . وإنشاء الخلائق من نفس واحدة، ونقلهم من صلب إلى رحم، ثم إلى الدنيا ثم إلى مستقر ومستودع، ثم إلي حياة وموت. والنظر في ذلك والفكر فيه أدق فناسب ختمه ب (يفقهون) أي: يفهمون، وهو اشتغال الذهن بما يتوصل به إلى غيره، فيتوصل بالنظر في ذلك إلى صحة وقوع البعث والنشور بثواب أو عقاب. ولما ذكر ما أنعم به على عباده من سعة الأرزاق والأقوات والثمار وأنواع ذلك ناسب ذلك ختمه بالإيمان الداعي إلى شكره تعالى على نعمه.
— كتاب كشف المعاني / لابن جماعة
-
آية (٩٩) : (وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) * الفرق بين الآيتين (٩٩) و (١٤١) : من حيث السياق: الآية (٩٩) في سياق تبيين قدرة الله تعالى منذ بداية (إِنَّ اللّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى) إلى (انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ) ولذلك جاء التعقيب (إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) لأنها مسألة تدبر وتأمل (انظُرُواْ) . الآية (١٤١) (وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (١٤١)) في سياق بيان الأطعمة، ما حللّه وما حرّمه. قال (وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ) هذا طعم، ما يتعلق بالمطعوم (كلوا من ثمره) في المطعوم وليس في بيان قدرة الله تعالى (وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) ولذلك جاء التعقيب (وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) كلوا ولا تسرفوا. متشابه ومشتبه: عندنا اشتبه وتشابه، إشتبه مشتبهاً وتشابه متشابهاً. المشتبه هو الملتبس من شدة التشابه يلتبس على الرائي والأمور المشتبهة هي المشكلة. يقولون اشتبهت عليه القِبلة أي التبست. (التشابه) في أي معنى من المعاني، هذا متشابه مع هذا في هذه المسألة. أيهما الأدلّ على القدرة؟ مشتبهين لأنه يجعل أمرين مختلفين من شدة التشابه كأنهما ملتبسان وهذا في أمر من الأمور. بعد أن عرفناها من حيث اللغة أين نضع متشابه وأين نضع مشتبه؟ مشتبه نضعها مع قدرة الله تعالى. قال في الآيتين (وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ) ولم يقل في الأولى وغير مشتبه: نفي الاشتباه لا ينفي التشابه، إذا قلت هذا وهذا ليسا مشتبهين محتمل أن يكون فيهما تشابه لكن ليسا مشتبهين. أما نفي التشابه ينفي الإشتباه إذا قلت ليسا متشابهين ينفي الإشتباه. مشتبه فِعلها إشتبه بمعنى إلتبس، هما مختلفان لكن من شدة التشابه التبسا عليك. متشابه قد يكون التشابه في أمر واحد أقول هذا يشبه هذا في الطول، في العرض، في اللون، لكن اشتبها تكون في أمور كثيرة بحيث إلتبس عليك الأمر. مشتبه مثل التوأم التفريق بينهما صعب، وقد يتشابها أن كلاهما عيناه زرقاوان. (وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ): نفي التشابه لا ينفي الإشتباه ولو نفيت التشابه فقد نفيت الإشتباه لأنه ليس هناك وجه تشابه . لو قال غير مشتبه يبقى التشابه موجود. فأراد أن ينفيها كلها من أصلها حتى يفرق بينهما تفرقة كاملة ليس هناك وجه للشبه. ولو قال وغير مشتبه قد يكون بينهما تشابه في أمر آخر. فإذن قال (وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ) في الحالين حتى ينفيهما. في الأولى (مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ) هذا نفي ولو قال وغير مشتبه قد يكون هناك تشابه وهو تعالى أراد أن يبين قدرته سبحانه. ومشتبه أدلّ على القدرة فوضعها في بيان القدرة وطلب التأمل والتدبر (انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ). أما الثانية في وضع المأكولات (مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ) (كُلُواْ) فاستعمل (مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ) ولا داعي للفت النظر إلى القدرة الإلهية هنا. * الفرق بين ذلك وذلكم في الاستعمال القرآني إذا كان المقام مقام توسع وتفصيل وإطالة فيأتي بالحرف مناسباً لأن (ذلكم) أكثر من (ذلك) من حيث الحروف وإذا كان في مقام الإيجاز يأتي بكل ما في الإيجاز لغة. * دلالة اختلاف هذه الأوصاف في خواتيم الآي الثلاث الأخيرة: الآية الأولى (٩٧) : - لما تقدم قوله تعالى (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) ذكر ما يستدل به العقل على وحدانيته سبحانه، ولكن علم ذلك ليس راجعًا إلى مجرد الفكر والتفطن بل إدراك العلم بالنجوم والكواكب الذي نحتاجه للاهتداء بها والعلم بعدد السنين والحساب، فعبّر بالعلم الذي هو الخبر القاطع مع النظر السديد فقيل فى ختام هذه الآية (لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) . - لما تقدم قوله تعالى (إِنَّ اللّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى) وما تلاها آيات دالة على معرفة الله تعالى والعلم به وبوحدانيته، وهو أشرف معلوم، فأعقب بأشرف ما يوصف به المعتبرون فقيل (لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) وذلك أعلى من الوصف بقوله تعالى (لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ) و (لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) ولذلك ما ورد وصفه تعالى بالعلم ولا يوصف سبحانه بالفقه ولا العقل فلما كان المعلوم أشرف المعلومات عبر عن الآيات التي نصبت للدلالة عليه باللفظ الأشرف. الآية الثانية (٩٨) : - تقدم قبلها قوله تعالى (وَهُوَ الَّذِيَ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ) ومرجع العلم بنشأة الإنسان جملة وتفصيلا لا يحصل بالسمع والبصر وإنما يطلع بالاعتبار والتفكر من ذوى الفطن السالمة والنظر العقلي السديد والفهم المصيب، فناسب هذا قوله تعالى (لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ) والفقه التفهم والتفطن . الآية الثالثة (٩٩) : لما ذكر سبحانه إنزال الماء من السماء وإخراج النبات به من الأرض في أول الآية كان هذا مذكرا بالبعث والنشأة الثانية، وإنما يحصل العلم بذلك وسائر أمور الآخرة من قبل الرسل عليهم الصلاة والسلام والإيمان بهم وبما جاؤوا به فقال تعالى (إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) أى يصدقون بالبعث وأنه تعالى كما بدأهم يعودون.
— مختصر لمسات بيانية
-
آية (99): * ما الفرق بين الآيتين (99) و (141) في سورة الأنعام ؟ نقرأ الآيتين ونلاحظ السياق الذي هو يبين سبب الاختيار والسياق هو الأساس. الآيتان هما في سورة الأنعام، الآية الأولى (وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (99)) الغرض تبيين قدرة الله تعالى (انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) إذن هي في بيان قدرة الله. الآية الأخرى (وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (141)) واضح أن الآية الأولى في سياق بيان قدرة الله والآية الثانية في سياق الأطعمة، بيان الأطعمة، ما حللّه وما حرّمه. قال (وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ) هذا طعم، ما يتعلق بالمطعوم (كلوا من ثمره) في المطعوم وليس في بيان قدرة الله تعالى (وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) كل السياق في الأطعمة وما حلله بعضهم وما حرمه افتراء عليه. إذن الآية الأولى في بيان قدرة الله تعالى منذ بداية (إِنَّ اللّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (95)) (وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (99)) أُنظر الفرق بين (انظروا إلى ثمره) و (كلوا من ثمره) النظر تدبر وتأمل و (كلوا) أكل. ثم ننظر إلى التعقيب في الآيتين: (إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) مسألة تدبر وفي الثانية (وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) كلوا ولا تسرفوا. إحداهما في المطعوم والأخرى في التدبر في قدرة الله تعالى. متشابه ومشتبه: المشتبه هو المُلتبِس من شدة التشابه. عندنا اشتبه وتشابه، إشتبه مشتبهاً وتشابه متشابهاً. المشتبه هو الملتبس من شدة التشابه يلتبس على الرائي والأمور المشتبهة هي المشكلة. يقولون اشتبهت عليه القِبلة أي التبست. (التشابه) في أي معنى من المعاني، هذا متشابه مع هذا في هذه المسألة. أيهما الأدلّ على القدرة؟ أن الأمرين المختلفين يجعلهما متشابهين في أمر واحد أو مشتبهين؟ مشتبهين أدل على القدرة أنه يجعل أمرين مختلفين ملتبسان، يجعلهما من شدة التشابه كأنهما ملتبسان وهذا في أمر من الأمور. بعد أن عرفناها من حيث اللغة أين نضع متشابه وأين نضع مشتبه؟ مشتبه نضعها مع قدرة الله تعالى. *قد يُثار سؤال: لماذا قال في الآيتين (وغير متشابه)؟ لِمَ لم يقل في الأولى وغير مشتبه؟ في الحالتين قال (وغير متشابه). نفي الاشتباه لا ينفي التشابه، إذا نفيت الالتباس قد يتشابهان في أمر ولكن غير مشتبه، إذا قلت هذا غير مشتبه يعني ليس متشابه أو قد يكون متشابهاً في شيء. إذا قلت هذا وهذا ليسا مشتبهين محتمل أن يكون فيهما تشابه لكن ليسا مشتبهين. إذن نفي الإشتباه لا ينفي التشابه. إذا قلت ليسا مشتبهين لكن قد يكونا متشابهين. نفي التشابه ينفي الإشتباه إذا قلت ليسا متشابهين ينفي الإشتباه. إذا قلت ليسا مشتبهين قد يكونا متشابهين. مشتبه فِعلها إشتبه بمعنى إلتبس، هما مختلفان لكن من شدة التشابه التبسا عليك. متشابه قد يكون التشابه في أمر واحد أقول هذا يشبه هذا في الطول، في العرض، في اللون، إذن تشابها في أمر واحد، لكن اشتبها تكون في أمور كثيرة بحيث إلتبس عليك الأمر. مشتبه مثل التوأم التفريق بينهما صعب، وقد يتشابها أن كلاهما عيناه زرقاوان. (وغير متشابه): نفي الإشتباه إذا قلت هذان ليسا مشتبهين قد يكونا متشابهين في أمر من الأمور. نفي التشابه لا ينفي الإشتباه ولو نفيت التشابه فقد نفيت الإشتباه لأنه ليس هناك وجه تشابه لكن لو نفيت الإشتباه لا تنفي التشابه. قال تعالى (وغير متشابه) لينفيها من أصلها لأنه لو قال غير مشتبه يبقى التشابه موجود. أراد أن ينفيها كلها حتى يفرق بينهما تفرقة كاملة ليس هناك وجه للشبه. ولو قال وغير مشتبه قد يكون بينهما تشابه في أمر آخر. فإذن قال (وغير متشابه) في الحالين حتى ينفيهما. في الأولى (مشتبهاً وغير متشابه) هذا نفي ولو قال وغير مشتبه قد يكون هناك تشابه وهو تعالى أراد أن يبين قدرته سبحانه. نفي الإشتباه لا ينفي التشابه وإنما نفي التشابه ينفي الإشتباه. ومشتبه أدلّ على القدرة فوضعها في بيان القدرة وطلب التأمل والتدبر (انظروا إلى ثمره).أما الثانية في وضع المأكولات (مختلفاً أكله) (كلوا) إذن استعمل (متشابهاً وغير متشابه). أما في قوله تعالى (متشابهاً وغير متشابه) فهذا للتشابه وقد وردت الآيات في الإبل عامة ولا داعي للفت النظر إلى القدرة الإلهية هنا. فنفي التشابه ينفي الإشتباه من باب أولى، والتشابه قد يكون في جزئية معينة والاشتباه هو الإلتباس لشدة التشابه.
— فاضل السامرائي
-
* ما الفرق بين ذلك وذلكم في الاستعمال القرآني ؟(د.فاضل السامرائي) في أكثر من مناسبة ذكرنا شيئاً من هذا. طبعاً الكاف في (ذلك) حرف خطاب وقلنا حرف الخطاب في ذلك وتلك وأولئك هذا قد يطابق المخاطب ذلك، ذلكما، ذلكنّ حسب المخاطبين المشار إليه. ذلكَ المشار إليه واحد والمخاطَب واحد مفرد مذكر وذلكِ المشار إليه واحد والمخاطبة امرأة وذلكما المشار إليه واحد والمخاطب اثنين وذلكم المشار إليه واحد والمخاطب جماعة ذكور وذلكنّ المشار إليه واحد والمخاطب جماعة إناث (قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ (32) يوسف) لا يدل على جمع المشار إليه وإنما أولئك، ذانك. (أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ (22) الأعراف) هي شجرة واحدة والمخاطب اثنان والكاف هو حرف خطاب ليس ضمير خطاب. حرف الخطاب في اسم الإشارة فيه لغتان لغة أنه تجعل مطابقاً للمخاطب إذا مفرد أو مفردة أو مثنى أو جمع ذكور أو إناث ولك أن تجعله بلفظ واحد وهو الإفراد والتذكير أياً كان المخاطَب مثل ذلك إذا كانوا أربعة أو خمسة، تلك شجرة ذلكم كتاب، لك أن تقول ذلكم كتاب هذا ممكن وذلك كتاب هذا من حيث اللغة. إذن فيها لغتان إما أن نجعل حرف الخطاب بصيغة التذكير أياً كان المخاطبين مفرد مذكر مؤنث جمع أو يطابق، فيها لغتين لكن يبقى كيف استعملها القرآن؟ مرة يستعملها مفرد ومرة يستعملها جمع. في اللغة لا يسأل عنها لأنه كله جائز من حيث الحكم النحوي لكن نسأل من الناحية البيانية أحياناً يطابق وأحياناً يُفرِد، لماذا؟ هذا سؤال آخر. هناك فرق بين الحكم النحوي اللغوي والاستخدام البياني لماذا استخدم هذا بيانياً؟ هنالك أسباب عدّة لهذا الأمر من جملتها أن يكون في مقام التوسع والإطالة في التعبير والمقام مقام توسع وتفصيل وإطالة فيأتي بالحرف مناسباً لأن (ذلكم) أكثر من (ذلك) من حيث الحروف إذا كان المقام كله مقام إطالة يأتي بكل ما يفيد الإطالة لغة وإذا كان في مقام الإيجاز يأتي بكل ما في الإيجاز لغة، مثال (وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (99) الأنعام) فيها تفصيل فقال (إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)، (وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (12) النحل) لأن المقام مقام إيجاز. صار توسع في المعنى لما عدّد أشياء كثيرة إذن صار إطالة وتوسّع فجمع (ذلكم) حتى تتلاءم مع ما قبلها. وقد يكون في مقام التوكيد وما هو أقل توكيداً: في مقام التوكيد يأتي بما هو أكثر توكيداً فيجمع وإذا كان أقل توكيداً يُفرِد، وإذا كان عندنا مجموعتان إحداهما أوسع من الأخرى يستعمل للأوسع ضمير الجمع وللأقل ضمير الإفراد. القرآن استعمل (فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ (32) القصص) المخاطب واحد وبرهانين، ذانك للمشار إليه هما برهانان والمخاطَب واحد والتعبير صحيح (ذانك) ولا يمكن أن يقول ذلك. (ذانك) أصلها ذا اسم إشارة وأحياناً نلحق بها هاء التنبيه فيصير (هذا) للمذكر وأحياناً نقول ذان، نقول هذا، هذان، وللخطاب نقول ذانك. وإذا كان مؤنث (تانك) نقول هاتان، (تانك) أصلها (تا) هذه أسماء الإشارة للمؤنث (ذي وذه وتا وتي وته) (فالمذكر ذال والمؤنث كلها تان) (قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ (27) القصص) هاتان: الهاء للتنبيه وتان إسم الإشارة.
— فاضل السامرائي
-
( مشتبها وغير متشابه .. ) المشتبه : من شدة التشابه لا يمكن التفريق بينهما ، جاءت منسجمة مع قوله ( نخرج منه حبا متراكبا .... ) لما كان مشتبها دعا للنظر ( انظروا ) لأنه آية - ( متشابها وغير متشابه .. ) المتشابه : يمكن التفريق فيما بينهما ، ثم دعا للأكل منه ( كلوا من .. ) .
— صالح التركي / من لطائف القرآن
-
برنامج لمسات بيانية سورة الأنعام أية 99
— فاضل السامرائي
فتاوى متعلقة بالآية ٩٩ من سورة الأنعام
فتوى واحدة تتعلق بهذه الآية
ترجمات معاني الآية ٩٩ من سورة الأنعام
ترجمة معاني الآية إلى ٦٠ لغةً
(99) And it is He who sends down rain from the sky, and We produce thereby the growth of all things. We produce from it greenery from which We produce grains arranged in layers. And from the palm trees - of its emerging fruit are clusters hanging low. And [We produce] gardens of grapevines and olives and pomegranates, similar yet varied. Look at [each of] its fruit when it yields and [at] its ripening. Indeed in that are signs for a people who believe.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال
- الإنجليزية
- الفرنسية
- الإسبانية
- البرتغالية
- الألمانية
- الإيطالية
- التركية
- الإندونيسية
- الفلبينية
- الفارسية
- الأردية
- البنغالية
- الكردية
- البشتوية
- البوسنية
- الألبانية
- الأوكرانية
- الصينية
- الأويغورية
- اليابانية
- الكورية
- الفيتنامية
- الكازاخية
- الأوزبكية
- الأذرية
- الطاجيكية
- الهندية
- المليبارية
- الغوجراتية
- الماراتية
- التلجوية
- التاميلية
- السنهالية
- الأسامية
- الخميرية
- النيبالية
- التايلاندية
- الصومالية
- الهوساوية
- الأمهرية
- اليورباوية
- الأورومية
- الفنلندية
- ماراناو
- فلمكني (هولندية)
- النرويجية
- البولندية
- الرومانية
- الروسية
- تتاري
- السواحلية
- لغة الملايو
- تشيكي
- المالديفية
- السويدية
- العبرية
- الجورجية
- الصربية
- اللوغندية
- الإنكو بامبارا