اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
وهذا نَوْعٌ خَامِسٌ من الدَّلائِل على كمال قُدْرَتِهِ تعالى وعلمه وحكمته ورحمته وإحسانه إلى خَلقِهِ.
قوله :" فَأخْرَجْنَا " فيه التِفَاتٌ من غيبة إلى تَكَلُّم بنون العظمة والباء في " به " للسَّببية.
وقوله :﴿نَبَات كُلِّ شَيْءٍ﴾ قيل : المراد كُلّ ما يسمّى نباتاً في اللغة.
قال الفراء(١) :" رزق كل شيء، أي : ما يصلح أن يكون غِذَاءً لكل شَيءٍ، فيكون مَخْصُوصاً بالمتغذى به ".
وقال الطَّبري(٢) :" هو جميع ما يَنْمُوا من الحيوان والنبات والمعادن ؛ لأن كل ذلك يَتَغَذَّى بالماء ".
ويترتب على ذلك صِنَاعَةٌ إعرابية وذلك أنَّا إذا قُلْنَا بقول غير الفراء كانت الإضافة رَاجِعَةٌ في المعنى إلى إضافة شبه الصفة لموصوفها، إذ يصير المعنى على ذلك : فَأخْرَجْنَا به كُلَّ شيء مُنْبَتٍ، فإن النبات بمعنى المُنْبَتِ، وليس مصدراً كهو في
﴿أَنبَتَكُمْ مِّنَ الأَرْضِ نباتاً﴾ [نوح: ١٧] وإذا قلنا بقول الفراء : كانت الإضافة إضافة بين مُتباينين ؛ إذ يصير المعنى غذاء كل شيء أو رزقه، ولم ينقل أبو حيان عن الفراء غير هذا القول والفرَّاء له في هذه الآية القَولانِ المُتقدِّمان، فإنه قال :" رزق كل شيء " قال : وكذا جاء في التفسير، وهو وَجْهُ الكلام، وقد يجوز في العربية أن تضيف النبات إلى كُلّ شيء، وأنت تريد بكُلِّ شيء النَّبَات أيضاً، فيكون مثل قوله :" حَقّ اليَقينِ واليقين هو الحق ".

فصل في دحض شبهة للمعتزلة


هذه الآية تقتضي نُزُولَ المَطَرِ من السماء.
قال الجُبَّائِيُّ(٣) : إن الله -تبارك وتعالى- ينزل الماء من السَّماء إلى السحاب، ومن السحاب إلى الأرض لظاهر النَّصِّ قال بعض الفَلاسِفَةِ(٤) : إن البُخَارَاتِ الكثيرة تجتمع في بَاطِنِ الأرض، ثم تَصْعَدُ، وترتفع إلى الهواء، فينعقد الغَيْمُ منها، ويَتَقَاطَرُ، وذلك هو المَطَرُ، فقيل : المراد أنزل من جانب السماء ماءً.
وقيل : ينزل من السحاب، وسمي السحاب سماء ؛ لأن العربَ تُسَمِّي كل ما فَوْقَكَ سماء كسماءِ البيت.
ونقل الواحديُّ(٥) في " البسيط " عن ابن عباس - رضي الله عنهما - يريد بالماء هاهُنَا المَطَرَ، ولا تنزل نقطة من الماء إلا ومعها مَلَكٌ(٦).
قوله :﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يَدُلُّ على أنَّ إخْراجَ النَّباتِ بواسطة الماء، وذلك يوجب القَوْلَ بالطَّبع، والمتكلمون ينكرونه.
قال الفراء : هذا الكلام يَدُلُّ على أنه أخرج به نبات كل شيء، وليس الأمر كذلك، وكأن المراد : فأخرجنا [ به نبات كل شيء له نبات، وإذا كان كذلك فالذي لا نبات له لا يكون داخلاً فيه وقوله :" فأخرجنا " ](٧) بعد قوله :" أنزل " فيه الْتِفَاتٌ، وهو من الفَصَاحةِ مذكور في قوله تبارك وتعالى :﴿حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم﴾ [يونس: ٢٢].
وقوله تبارك وتعالى :" فأخْرَجْنَا " هذه النون تسمى نون العَظَمَةِ لا نون الجمع كقوله :﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً﴾ [نوح: ١] ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ [الحجر: ٩] ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١].
قوله :" فَأخْرَجْنَا مِنْهُ " في الهاء وجهان :
أحدهما : أن يعود على النَّبَاتِ، وهو الظاهر، ولم يذكر الزمخشري غيره، وتكون " من " على بابها من كونها لابتداء الغاية، أو تكون " من " للتبعيض، وليس كذلك.
والثاني : يَعودُ على الماء، وتكون " من " سَبَبِيَّةً.
وذكر أبو البقاء(٨) - رحمه الله تعالى - الوَجْهَيْنِ، فقال :" فَأخْرَجْنَا مِنْهُ " أي : بسببه، ويجوز أن تكون الهاء في " منه " راجعةً على النبات، وهو الأشبه، وعلى الأول يكون " فأخْرَجْنَا " بدلاً من " أخْرَجْنَا " الأول أي : أنه يكتفى في المعنى بالإخبار بهذه الجملة الثانية، وإلا فالبدلُ الصناعي لا يظهر، فالظاهر أن " فأخرجنا " عطف على " فأخرجنا " الأول.
وقال أبو حيان(٩) : وأجاز أبو البقاء(١٠) - رحمه الله تعالى - أن يكون بدلاً من " فأخرجنا ".
قلت : إنما جعله بَدَلاً بِنَاءً على عَوْدِ الضمير في " منه " على الماء فلا يَصِحُّ أن يحكى عنه أنه جَعَلَهُ بدلاً مطلقاً ؛ لأن البدليَّة لا تتصَوَّرُ على جعل الهاء في " منه " عائدةً على النبات، والخَضِرُ بمعنى الأخْضَر ك " عَوِر " و " أعور ".
قال أبو إسحاق(١١) : يقال : أخضر يخضر فهو خضر وأخضر ك " أعور " فهو عَوِر وأعور.
والخُضْرَة أحد الألوان، وهو بين البياض والسواد ولكنها إلى السَّوادِ أقرب، وكذلك أطْلِقَ الأسود على الأخضر، وبالعكس، ومنه " سواد العراق " لِخُضْرَةِ أرضه بالشجر، وقال تبارك وتعالى :﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ [الرحمان: ٦٤] أي : شَديدتَا السواد لريِّهِمَا، والمُخاضَرَةُ مُبايَعَةُ الخُضَرِ والثمار قبل بلوغها، والخضيرة : نخلة ينتثر بُسْرُهَا أخضر.
وقوله عليه الصلاة والسلام :" إيَّاكُمْ وخَضْرَاءَ الدِّمَنِ " فقد فَسَّرَهُ رسول الله ﷺ بقوله :" المَرْأةُ الحَسْنَاءُ في المَنْبَتِ السُّوءِ " (١٢) والدِّمنُ : مَطَارحُ الزِّبَالَةِ، وما يُسْتَقْذَرُ، فقد يَنْبُت منها ما يَسْتَحْسِنُهُ الرائي.
قال اللَّيْثُ : الخضر في كتاب الله الزَّرْعُ والكلأ، وكل نبت من الخضر.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما : يريد القمح والشعير والسلت والذرة والأرز، والمراد بهذا الخضر العود الأخضر الذي يخرج أوّلاً، وتكون السُّنْبُلَةُ مركبةً عليه من فوقه(١٣)
قوله :" نُخْرِجُ مِنْهُ " أي : من الخضر.
والجمهور(١٤) على " نخرج " مُسْنَداً إلى ضمير المعظم نفسه.
وقرأ ابن محيصن(١٥) والأعمش :" يخرج " بياء الغيبة مبنياً للمفعول و " حَبٌّ " قائم مقام فاعله، وعلى كلتا القراءتين تكون الجملة صفةً ل " خَضِراً " وهذا هو الظاهر، وجوّزوا فيها أن تكون مُسْتَأنَفَةً، و " متراكب " رفعاً ونصباً صفة ل " حب " بالاعتبارين، والمعنى أن تكون الحبَّات متراكبةً بعضها فوق بعض، مثل [ سَنَابِلِ ](١٦) البُرِّ والشعير والأرز، وسائر الحبوب، ويحصل فوق السُّنْبُلَةِ أجسام دقيقة حادة كأنها الإبَرُ، والمقصود [ من تخليقها مَنْعُ الطير من التِقَاطِ تلك الحبَّاتِ المتراكبة.
قوله :﴿وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ﴾ يجوز في هذه الجملة أوجه :](١٧)
أحسنها : أن يكون " من النخل " خبراً مقدماً، و " من طلعها " بدل بعض من كل بإعادة العامل، فهو كقوله تعالى :﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ [الأحزاب: ٢١].
و " قِنْوَانٌ " مبتدأ مؤخر، وهذه الجملة ابتدائية عطفت على الفعلية قبلها.
الثاني : أن يكون " قِنْوان " فاعلاً بالجار قبله، وهو " من النخل " و " من طلعها " على ما تقدَّم من البدليَّة، وذلك على رأي الأخفش.
الثالث : أن تكون المسألةُ من باب التَّنَازُعِ، يعني أن كلاًّ من الجارَّيْنِ يطلب " قنوان " على أنه فاعل على رأي الأخفش، فإن أعملت الثاني، وهو مختار قول البصريين أضمرت في الأوَّل، وإن أعملت الأوَّل كما هو مختار قول الكوفيين أضمرت في الثاني.
قال أبو البقاءِ(١٨) : والوجه الآخر أن يرتفع " قنوان " على أنه فاعل " من طلعها " فيكون في " من النخل " ضمير يفسره " قنوان " وإن رفعت [ " قنوان " ](١٩) بقوله :" ومن النخل " على قول من أعمل أول الفعلين جاز، وكان في " من طلعها " ضمير مرفوع قلت : فقد أشار بقوله : على أنه فاعل " من طلعها " إلى إعمال الثاني.
الرابع : أن يكون " قنوان " مبتدأ، و " من طلعها " الخبر، وفي " من النخل " ضمير، تقديره ونبت من النخل شيء أو ثمر، فيكون " من طلعها " بدلاً منه. قاله أبو(٢٠) البقاء رحمه الله، وهذا كلام لا يصح ؛ لأنه بعد أن جعل " من طلعها " الخبر، فكيف يجعله بدلاً ؟ فإن قيل : يجعله بدلاً منه ؛ لأن " من النخل " خبر للمبتدأ.
فالجواب : أنه قد تقدَّم هذا الوجه، وجعله مقابلاً لهذا، فلا بد أن يكون هذا غيره، فإنه قال قبل ذلك : وفي رفعه وجهان :
أحدهما : هو مبتدأ، وفي خبره وجهان :
أحدهما : هو " من النخل "، و " من طلعها " بدل بإعادة الجار.
قال أبو حيان(٢١) : وهذا إعراب فيه تخليط.
الخامس : أن يكون مبتدأ محذوف الخبر لدلالة " أخرجنا " عليه، تقديره : ومخرجه من طلع النخل " قنوان ". هذا نص الزمخشري(٢٢)، وهو كما قال أبو حيان(٢٣) لا حاجة إليه ؛ لأن الجملة مُسْتَقِلَّةٌ في الإخبار بدونه.
السادس : أن يكون " من النخل " متعلقاً بفعل مقدر، ويكون " من طلعها قنوان " جملة ابتدائية في موضع المفعول ب " نخرج " وإليه ذهب ابن عطية(٢٤)، فإنه قال :" ومن النخل " تقديره :" نخرج من النخل "، و " من طلعها قنوان " ابتداء خبر مقدم، والجملة موضع المفعول ب " نخرج ".
قال الشيخ(٢٥) : وهذا خطأ ؛ لأن ما يتعدى إلى مفعول واحد لا تقع الجملة في موضع مفعوله إلا إذا كان الفعل مما يعلق، وكان في الجملة مَانِعٌ يمنع من العمل في شيء من مفرداتها على ما شرح في النحو، و " نخرج " ليس مما يعلّق، وليس في الجملة ما يمنع من العمل في مفرداتها ؛ إذ لو سُلِّطَ الفعل على شيء من مفردات الجملة لكان التركيب : ويخرج من النخل من طلعها قنوان [ بالنصب مفعولاً به.
وقال أبو حيَّان(٢٦) : ومن قرأ " يخرج منه حبّ متراكب " جاز أن يكون قوله " ومن النخل من طلعها قنوان " ](٢٧) معطوفاً عليه نحو : ضرب في الدار زيد وفي السوق عمرو أي : إنه يعطف " قنوان " على حب " ومن النخل " على " منه "، ثم قال :" وجاز أن يكون مبتدأ وخبراً وهو الأوجه ".
والقنوان جمع ل " قِنْو "، كالصِّنْوَان جمع ل " صِنُو " والقِنْو : العِذْق بكسر العين وهو عُنْقُودُ النخلة، ويقال له : الكِبَاسَةُ.
قال امرؤ القيس :[ الطويل ]
وَفَرْع يُغَشِّي المَتْنَ أسْوَدَ فَاحِمٍأثِيثٍ كَقِنُوِ النَّخْلَةِ المُتَعَثْكِلِ(٢٨)
وقال الآخر [ الطويل ] :
سَوَامِقُ جَبَّارٍ أثِيثٍ فُرُوُعُهُوعَالَيْنَ قِنْوَاناً مِنَ البُسْرِ أحْمَرَا(٢٩)
والقنوان : جمع تكسير.
قال أبو علي : الكسرة التي في قنوان ليست التي في " قِنْو " ؛ لأن تلك حذفت في التكسير، وعاقبتها كسرة أخرى كما قُدِّرَ تَغَيُّرُ كسرة " هِجَان " جمعاً عن كَسْرته مفرداً، فكسرة " هجان " جمعاً ككسرة " ظِرَاف ".
قال الواحدي - رحمه الله - : وهذا مما تُوَضِّحُهُ الضمة في آخر " منصُور " على قول من قال " يا حارُ " يعني بالضمة ليست التي كانت فيه في قول من قال :" يا حَار " يعني بالكسر.
وفي لغات :
فَلُغَةُ " الحجاز " :" قِنْوان " بكسر القاف، وهي قراءة(٣٠) الجمهور وقرأ الأعمش، والحباب(٣١) عن أبي عمرو - رضي الله عنه -، والأعرج بضمها، ورواها السلمي عن علي بن أبي طَلْحَةَ، وهي لغة " قَيْس ".
ونقل(٣٢) ابن عطية عكس هذا، فجعل الضم لغة " الحجاز "، فإنه قال :" وروي عن الأعرج ضم القاف على أنه جمع " قُنْو " بضم القاف ".
قال الفراء :" وهي لغة " قيس
١ ينظر: معاني القرآن ١/٣٤٧..
٢ ينظر: الطبري ٥/٢٨٧..
٣ ينظر: الرازي ١٣/٨٦..
٤ ينظر: المصدر السابق..
٥ ينظر: المصدر السابق..
٦ ذكره الرازي في "التفسير الكبير" (١٣/٨٧) عن ابن عباس..
٧ سقط في أ..
٨ ينظر: الإملاء ١/٢٥٤..
٩ ينظر: البحر المحيط ٤/١٩٣..
١٠ ينظر: الإملاء ١/٢٥٤..
١١ ينظر: معاني القرآن ٢/٣٠٢..
١٢ ذكره الحافظ العراقي (٢/٣٨) في تخريج الإحياء وقال: رواه الدارقطني في الأفراد والرامهرمزي في الأمثال من حديث أبي سعيد الخدري، قال الدارقطني: تفرد به الواقدي وهو ضعيف..
١٣ ذكره القرطبي في "تفسيره" (٧/٣٢)..
١٤ ينظر: الدر المصون ٣/١٣٧، البحر المحيط ٤/١٩٢ ـ ١٩٣..
١٥ ينظر: الدر المصون ٣/١٣٧، البحر المحيط ٣/١٩٢ ـ ١٩٣..
١٦ في أ: سنبل..
١٧ سقط في أ..
١٨ ينظر: الإملاء ١/٢٥٥..
١٩ سقط في أ..
٢٠ ينظر: الإملاء ١/٢٥٥..
٢١ ينظر: البحر المحيط ٤/١٩٣..
٢٢ ينظر: الكشاف ٢/٥١..
٢٣ ينظر: البحر المحيط ٤/١٩٣..
٢٤ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٣٢٧..
٢٥ ينظر: البحر المحيط ٤/١٩٣..
٢٦ ينظر: البحر المحيط ٤/١٩٣..
٢٧ سقط في أ..
٢٨ تقدم..
٢٩ تقدم..
٣٠ ينظر: الدر المصون ٣/١٣٩، البحر المحيط ٤/١٩٣..
٣١ ينظر: الدر المصون ٣/١٣٩، البحر المحيط ٤/١٩٣..
٣٢ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٣٢٨..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى