زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَهُوَ الذي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء﴾ يعني المطر ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾ أي : بالمطر. وفي قوله تعالى :﴿نَبَاتَ كُلّ شيء﴾ قولان :
أحدهما : نبات كل شيء من الثمار، لأن كل ما ينبت، فنباته بالماء.
والثاني : رزق كل شيء وغذاؤه. وفي قوله تعالى :﴿فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ﴾ قولان :
أحدهما : من الماء، أي : به.
والثاني : من النبات، قال الزجاج : الخضر بمعنى الأخضر ؛ يقال : اخضر، فهو أخضر، وخضر، مثل اعوَّر، فهو أعور وعَوِر.
قوله تعالى :﴿نُّخْرِجُ مِنْهُ﴾ أي : من الخضر ﴿حَبّاً متراكبا﴾ كالسنبل والشعير. والمتراكب : الذي بعضه فوق بعض.
قوله تعالى :﴿وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوانٌ دَانِيَةٌ﴾ وروى الخفاف عن أبي عمرو :" قُنوان " بضم القاف ؛ وروى هارون عنه بفتحها. قال الفراء : معناه : ومن النخل ما قنوانه دانية ؛ وأهل الحجاز يقولون :﴿قِنْوانٌ﴾ بكسر القاف ؛ وقيس يضمونها ؛ وضبة، وتميم يقولون :" قنيان ". وأنشدني المفضل عنهم :
فأثت أعاليه وآدت أصولهومال بقنيان من البسر أحمرا
ويجتمعون جميعا، فيقولون :" قِنو " و " قُنو " ولا يقولون :" قِني " ولا " قُني " وكلب يقولون :" ومال بقنيان " قال المصنف : والبيت لامرئ القيس ؛ ورواه أبو سعيد السكري :" ومال بقنوان " مكسورة القاف مع الواو، ففيه أربع لغات : قِنوان، وقُنوان، وقِنيان، وقُنيان و " أثت " : كثرت ؛ ومنه : شعر أثيت. و " آدت " : اشتدت. وقال ابن قتيبة : القنوان : عذوق النخل، واحدها : قنو، جمع على لفظ تثنية ؛ ومثله : صنو وصنوان في التثنية، وصنوان في الجميع. وقال الزجاج : قِنوان : جمع قِنو، وإذا ثنيته فهما قِنوان، بكسر النون. ودانية، أي : قريبة المتناول، ولم يقل :" وَمِنْهَا قِنْوانٌ بعيدة } لأن في الكلام دليلا أن البعيدة السحيقة ؛ قد كانت غير سحيقة، فاجتزئ عن ذكر البعيدة ؛ كقوله تعالى :﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]. وقال ابن عباس : القنوان الدانية : قصار النخل اللاصقة عذوقها بالأرض.
قوله تعالى :﴿وَجَنَّاتٍ مّنْ أَعْنَابٍ﴾ قال الزجاج : هو نسق على قوله :﴿خُضْرًا﴾ ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ﴾ المعنى : وأخرجنا منه شجر الزيتون والرمان ؛ وقد روى أبو زيد عن المفضل :﴿وجَنَّاتٍ﴾ بالرفع.
قوله تعالى :﴿مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ فيه ثلاثة أقوال :
أحدها : مشتبها في المنظر، وغير متشابه في الطعم، رواه أبو صالح عن ابن عباس.
والثاني : مشتبها ورقه، مختلفا ثمره، قاله قتادة، وهو في معنى الأول.
والثالث : منه ما يشبه بعضه بعضا، ومنه ما يخالف. قال الزجاج : وإنما قرن الزيتون بالرمان، لأنهما شجرتان تعرف العرب أن ورقهما يشتمل على الغصن من أوله إلى آخره. قال الشاعر :
بورك الميت الغريب كما بورك نضح الرمان والزيتون
ومعناه : أن البركة في ورقه اشتماله على عوده كله.
قوله تعالى :﴿انْظُرُواْ إِلِى ثَمَرَه﴾ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم :﴿انْظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ﴾، و ﴿كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، و﴿لِيَأْكُلُواْ مِن ثَمَرِهِ﴾ [يس: ٣٥] : بالفتح في ذلك. وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف : بالضم فيهن. قال الزجاج : يقال : ثَمرةٌ، وثَمَرَ، وثِمَار، وثُمُر ؛ فمن قرأ :﴿إِلِى ثَمَرِهِ﴾ بالضم أراد جمع الجمع. وقال أبو علي : يحتمل وجهين : أحدهما هذا، وهو أن يكون الثمر جمع ثمار.
والثاني : أن تكون الثمر جمع ثمرة وكذلك : أكمة، وأكم، وخَشَبة وخُشُب. قال الفراء : يقول : انظروا إليه أول ما يعقد، وانظروا إلى ينعه، وهو نضجه وبلوغه. وأهل الحجاز يقولون : يَنَع، بفتح الياء، وبعض أهل نجد يضمونها. قال ابن قتيبة : يقال : ينعت الثمرة، وأينعت : إذا أدركت، وهو اليُنع واليَنع. وقرأ الحسن، ومجاهد، وقتادة، والأعمش، وابن محيصن :﴿وَيَنْعِهِ﴾ بضم الياء. قال الزجاج : الينع : النضج. قال الشاعر :
في قباب حول دسكرةحولها الزيتون قد ينعا
وبين الله تعالى لهم بتصريف ما خلق، ونقله من حال إلى حال لا يقدر عليه الخلق، أنه كذلك يبعثهم.
قوله تعالى :﴿إِنَّ فِي ذلِكُمْ لآيات لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ قال ابن عباس : يصدقون أن الذي أخرج هذا النبات قادر على أن يحيي الموتى. وقال مقاتل : يصدقون بالتوحيد.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى