جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿وَهُوَ الّذِيَ أَنشَأَكُم مّن نّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصّلْنَا الآيات لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾.
يقول تعالى ذكره : وإلهكم أيها العادلون بالله غيره الّذي أنْشأكُمْ يعني : الذي ابتدأ خلقكم من غير شيء فأوجدكم بعد أن لم تكونوا شيئاً مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ يعني : من آدم عليه السلام كما :
حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السّديّ : مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ قال : آدم عليه السلام.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وَهُوَ الّذِي أنْشأكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ من آدم عليه السلام.
وأما قوله : مُسْتَقَرّ ومُسْتَوْدَعٌ فإن أهل التأويل في تأويله مختلفون فقال بعضهم : معنى ذلك : وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة، فمنكم مستقرّ في الرحم ومنكم مستودع في القبر، حتى يبعثه الله لنشر القيامة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا أبو معاوية، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن إبراهيم، عن عبد الله : يَعْلَمُ مُسْتَقَرّها ومُسْتَوْدَعَها قال : مستقرّها في الأرحام، ومستودعها حيث تموت.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا هشيم، عن إسماعيل، عن إبراهيم، عن عبد الله أنه قال : المستودع حيث تموت، والمستقرّ : ما في الرحم.
حدثت عن عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن السّديّ، عن مرّة، عن عبد الله بن مسعود، قال : المستقرّ الرحم، والمستودع : المكان الذي تموت فيه.
حدثني محمد بن عبيد المحاربي، قال : حدثنا محمد بن فضيل وعليّ بن هاشم، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن إبراهيم : يَعْلَمُ مُسْتَقَرّها ومُسْتَوْدَعَها قال : مستقرّها في الأرحام، ومستودعها في الأرض حيث تموت فيها.
حدثنا أبو كريب وأبو السائب، قالا : حدثنا بن إدريس، عن ليث، عن مِقْسِم، قال : مستقرّها في الصلب حيث تأوي إليه، ومستودعها حيث تموت.
وقال آخرون : المستودع : ما كان في أصلاب الآباء، والمستقرّ : ما كان في بطون النساء وبطون الأرض أو على ظهورها. ذكر من قال ذلك :
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا بن علية، قال : حدثنا كلثوم بن جبر، عن سعيد بن جبير، في قوله : فَمُسْتَقَرّ ومُسْتَوْدَعٌ قال : مستودَعون ما كانوا في أصلاب الرجال، فإذا قرّوا في أرحام النساء أو على ظهر الأرض أو في بطنها، فقد استقرّوا.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا بن عطية، عن كلثوم بن جبر، عن سعيد بن جبير : مُسْتَقَرّ ومُسْتَوْدَعٌ قال : المستودعون : ما كانوا في أصلاب الرجال، فإذا قرّوا في أرحام النساء أو على ظهر الأرض فقد استقروا.
حدثنا محمد بن المثنى، ، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن المغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جبير، قال : قال بن عباس : يَعْلَمُ مُسْتَقَرّها ومُسْتَوْدَعَها قال : المستودع في الصلب والمستقرّ : ما كان على وجه الأرض أو في الأرض.
وقال آخرون : بل معنى ذلك : فمستقرّ في الأرض على ظهورها ومستودع عند الله. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بن وكيع، قال : حدثنا يحيى بن سمان، عن سفيان، عن المغيرة، عن أبي الخير تميم بن حَذْلَم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس :«المستقرّ » : الأرض، و «المستودع » عند الرحمن.
حدثنا بن وكيع، قال : حدثنا عبيد الله، عن إسرائيل، بن أبي نجيح، عن مجاهد، قال :«المستقرّ » الأرض، و «المستودع » : عند ربك.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا ابن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن إبراهيم، قال : عبد الله : مستقرّها في الدنيا، ومستودعها في الآخرة يعني : فَمُسْتَقَرّ وَمُسْتَوْدَع.
حدثني المثنى، قال : حدثنا سويد بن نصر، قال : أخبرنا بن المبارك، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، قال :«المستودع » : في الصلب، و «المستقرّ » : في الاَخرة وعلى وجه الأرض.
وقال آخرون : معنى ذلك : فمستقرّ في الرحم ومستودع في الصلب. ذكر من قال ذلك :
حدثنا هناد، قال : حدثنا أبو الأحوص، عن أبي الحرث، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قول الله : فَمُسْتَقَرّ وَمُسْتَوْدَع قال : مستقرّ في الرحم، ومستودع في صلب لم يخلق وسيخلق.
حدثنا بن وكيع، قال : حدثنا جرير، عن يحيى الجابر، عن عكرمة : فَمُسْتَقَرّ وَمُسْتَوْدَع قال : المستقر : الذي قد استقرّ في الرحم، والمستودع : الذي قد استودع في الصلب.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن مغيرة، عن أبي الخير تميم، عن سعيد بن جبير، قال بن عباس : سَلْ فقلت : فَمُسْتَقَرّ وَمُسْتَوْدَع ؟ قال : المستقرّ : في الرحم، والمستودع : ما استودع في الصلب.
حدثنا أبو كريب وأبو السائب، قالا : حدثنا ابن إدريس، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله : فَمُسْتَقَرّ وَمُسْتَوْدَع قال : المستقرّ : الرحم، والمستودع : ما كان عند ربّ العالمين مما هو خالقه ولم يخلق.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله : يَعْلَمُ مُسْتَقَرّها وَمُسْتَوْدَعَها قال : المستقرّ : ما كان في الرحم مما هو حيّ ومما قد مات والمستودع : ما في الصلب.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، قال : قال لي بن عباس، وذلك قبل أن يخرج وجهي : أتزوجت يا بن جبير ؟ قال : قلت : لا، وما أريد ذاك يومي هذا. قال : فقال : أما إنه مع ذلك سيخرج ما كان في صلبك من المستودعين.
حدثنا بن بشار، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، قال : قال لي ابن عباس : تزوّجتَ ؟ قلت : لا. قال : فضرب ظهري وقال : ما كان من مستودع في ظهرك سيخرج.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله : فَمُسْتَقَرّ وَمُسْتَوْدَع قال : المستقرّ في الأرحام، والمستودع في الصلب لم يخلق وهو خالقه.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس : فَمُسْتَقَرّ وَمُسْتَوْدَع قال : المستقرّ في الرحم، والمستودع : ما استودع في أصلاب الرجال والدواب.
حدثنا بن وكيع، قال : حدثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد، قال : المستقرّ : ما استقرّ في الرحم والمستودع : ما استودع في الصلب.
حدثنا بن وكيع، قال : حدثنا جرير، عن مغيرة، عن أبي الخير تميم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، بنحوه.
حدثنا هناد، قال : حدثنا عبيدة بن حميد، عن عمار الدهني، عن رجل، عن كريب، قال : دعاني بن عباس، فقال : اكتب :«بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله بن عباس إلى فلان حبر تيماء سلام عليك، فإني أحمد إليك الله، الذي لا إله إلا هو، أما بعد » قال : فقلت : تبدأه تقول : السلام عليك ؟ فقال : إن الله هو السلام. ثم قال : اكتب «سلام عليك، أما بعد فحدّثني عن مستقرّ ومستودع ». قال : ثم بعثني بالكتاب إلى اليهودي، فأعطيته إياه فلما نظر إليه قال : مرحباً بكتاب خليلي من المسلمين فذهب بي إلى بيته، ففتح أسفاطاً له كبيرة، فجعل يطرح تلك الأشياء لا يلتفت إليها. قال : قلت : ما شأنك ؟ قال : هذه أشياء كتبها اليهود حتى أخرج سفر موسى عليه السلام، قال : فنظر إليه مرتّين، فقال : المستقرّ : الرحم. قال : ثم قرأ : ونُقِرّ فِي الأرْحَام ما نَشاءُ، وقرأ : وَلَكُمْ فِي الأرْضِ مُسْتَقَرّ ومَتَاعٌ قال : مستقرّة فوق الأرض، ومستقره في الرحم، ومستقرّة تحت الأرض، حتى يصير إلى الجنة أو إلى النار.
حدثنا هناد، قال : حدثنا قبيصة، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء : فَمُسْتَقَرّ وَمُسْتَوْدَعٌ قال : المستقرّ : ما استقرّ في أرحام النساء، والمستودع : ما استودع في أصلاب الرجال.
حدثنا بن وكيع، قال : حدثنا عبد الله، عن سفيان، عن بن جريج، عن عطاء، قال : المستقرّ : الرحم، والمستودع : في أصلاب الرجال.
حدثنا بن وكيع، قال : حدثنا روح بن عبادة، عن ابن جريج، عن عطاء، وعن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال : المستقرّ : الرحم، والمستودع : في الأصلاب.
حدثني محمد بن عروة، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : ثني عيسى، عن بن أبي نجيح، عن مجاهد : فَمُسْتَقَرّ : ما استقرّ في أرحام النساء وَمُسْتَوْدَع ما كان في أصلاب الرجال.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن بن أبي نجيح، عن مجاهد، بنحوه.
حدثنا بن حميد وابن وكيع قالا : حدثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد، قال : المستقرّ : ما استقرّ في الرحم، والمستودع : ما استودع في الصلب.
حدثنا بن وكيع، قال : حدثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال : المستقرّ : الرحم، والمستودع : الصلب.
حدثنا بن وكيع، قال : حدثنا معاذ بن معاذ، عن ابن عون، قال : أتينا إبراهيم عند المساء، فأخبرونا أنه قد مات فقلنا : هل سأله أحد عن شيء ؟ قالوا : عبد الرحمن بن الأسود عن المستقرّ والمستودع فقال : المستقر في الرحم، والمستودع : في الصلب.
حدثنا حميد بن مسعدة، قال : حدثنا بشر بن المفضل، قال : حدثنا ابن عون، قال : أتيتنا إبراهيم، وقد مات، قال : فحدثني بعضهم أن عبد الرحمن بن الأسود سأله قبل أن يموت عن المستقرّ والمستودع، فقال المستقرّ : في الرحم، والمستودع : في الصلب.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا بن علية، عن ابن عون، قال : أتينا منزل إبراهيم، فسألنا عنه، فقالوا : قد توفي، وسأله عبد الرحمن بن الأسود، فذكره نحوه.
حدثني به يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا بن علية، عن ابن عون، أنه بلغه أن عبد الرحمن بن الأسود سأل إبراهيم، عن ذلك، فذكر نحوه.
حدثنا عبيد الله بن محمد الفريابي، قال : حدثنا ضمرة بن ربيعة، عن العلاء بن هارون، قال : انتهيت إلى منزل إبراهيم حين قبض، فقلت لهم : هل سأله أحد عن شيء، قالوا : سأله عبد الرحمن بن الأسود عن مستقرّ ومستودع، فقال : أما المستقرّ : فما استقرّ في أرحام النساء، والمستودع : ما في أصلاب الرجال.
حدثنا أبو كريب وأبو السائب، قالا : حدثنا بن إدريس، عن ليث، عن مجاهد في فَمُسْتَقَرّ وَمُسْتَوْدَع قال : المستقرّ : الرحم، والمستودع : الصلب.
حدثني يونس، قال : ثني سفيان، عن رجل حدثه عن سعيد بن جبير، قال : قال لي بن عباس : ألا تنكح ؟ ثم قال : أنا إني أقول لك هذا وإني لأعلم أن الله مخرج من صلبك ما كان فيه مستودعاً.
حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، قال : المستقر في الرحم، والمستودع : في الصلب.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، عن ابن عباس : فَمُسْتَقَرّ وَمُسْتَوْدَعٌ قال : مستقر في الرحم، ومستودع : في الصلب.
حدثنا محمد بن عب
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
١٣٦١٢ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر"، قال: يضلّ الرجل وهو في الظلمة والجور عن الطريق.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (٩٨)﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وإلهكم، أيها العادلون بالله غيره ="الذي أنشأكم"، يعني: الذي ابتدأ خلقكم من غير شيء، فأوجدكم بعد أن لم تكونوا شيئًا (١) ="من نفس واحدة"، يعني: من آدم كما:-
١٣٦١٣ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"من نفس واحدة"، قال: آدم عليه السلام.
١٣٦١٤ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة"، من آدم عليه السلام.
* * *
وأما قوله:"فمستقر ومستودع"، فإن أهل التأويل في تأويله مختلفون.
فقال بعضهم: معنى ذلك: وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة، فمنكم مستقِرٌّ في الرحم، ومنكم مستودع في القبر حتى يبعثه الله لنَشْر القيامة.
* ذكر من قال ذلك:
١٣٦١٥ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو معاوية، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن إبراهيم، عن عبد الله: وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا، [سورة هود: ٦]. قال:"مستقرها"، في الأرحام ="ومستودعها"، حيث تموت.
١٣٦١٧- حدثت عن عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن السدي، عن مرة، عن عبد الله بن مسعود قال:"المستقر"، الرحم، و"المستودع"، المكان الذي تموت فيه.
١٣٦١٨ - حدثني محمد بن عبيد المحاربي قال، حدثنا محمد بن فضيل وعلي بن هاشم، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن إبراهيم: وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا قال: (مُسْتَقَرَّهَا)، في الأرحام = (وَمُسْتَوْدَعَهَا)، في الأرض، حيث تموت فيها.
١٣٦١٩ - حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا حدثنا ابن إدريس، عن ليث، عن مقسم قال:"مستقرها"، في الصلب حيث تأويل إليه ="ومستودعها"، حيث تموت.
* * *
وقال آخرون:"المستودع"، ما كان في أصلاب الآباء = و"المستقر"، ما كان في بطون النساء، وبطون الأرض، أو على ظهورها.
* ذكر من قال ذلك:
١٣٦٢٠ - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا كلثوم بن جبر، عن سعيد بن جبير في قوله:"فمستقر ومستودع"، قال: مستودعون، ما كانوا في أصلاب الرجال. فإذا قرّوا في أرحام النساء أو على ظهر الأرض أو في بطنها، فقد استقرّوا.
١٣٦٢١- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا ابن علية، عن كلثوم بن جبر، عن سعيد بن جبير:"فمستقر ومستودع"، قال: المستودعون ما كانوا في أصلاب الرجال. فإذا قرّوا في أرحام النساء أو على ظهر الأرض، فقد استقروا.
* * *
وقال آخرون: بل معنى ذلك: فمستقر في الأرض على ظهورها، ومستودع عند الله.
* ذكر من قال ذلك:
١٣٦٢٣ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن المغيرة، عن أبي الجبر بن تميم بن حذلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس:"المستقر" الأرض،"والمستودع"، عند الرحمن. (٢)
(٢) الأثر: ١٣٦٢٣ -"المغيرة" في هذ١ الإسناد، هو"المغيرة بن مقسم الضبي"، إمام مشهور، مضى مرارًا، آخرها رقم: ٩٢٩٢. و"أبو الجبر بن تميم بن حذلم"، كان في المطبوعة هنا، وفي رقم: ١٣٦٢٩، ١٣٦٣٧"أبو الخير تميم بن حذلم"، وفي المخطوطة: "أبو الحر تميم بن حذلم"، غير منقوطة وبإسقاط"بن"، وهو خطأ. فإن"تميم بن حذلم الضبي" كنيته"أبو سلمة"، أو "أبو حذلم"، وهو من أصحاب عبد الله بن مسعود، وأدرك أبا بكر، فهو تابعي قديم، وليس يروى عنه"مغيرة"، إنما يروى عنه من طريق ابنه هذا، ومن طريق إبراهيم اللخعي. وهو مترجم في التهذيب، والكبير ١/٢/١٥١، ١٥٢، وابن أبي حاتم ١/١/٤٤٢. وأما ابنه"أبو الجبر بن تميم"، فاسمه"عبد الرحمن بن تميم بن حذلم الضبي"، روى عنه أبو إسحق الهمداني، ومغيرة. فلذلك صححت ما كان في المخطوطة، والمطبوعة، وزدت"بن"، وكذلك أشار إليه البخاري في التاريخ وغيره في ترجمة أبيه، الكبير ١/٢/١٥١، ١٥٢. و"أبو الجبر" بالجيم والباء، وهو مذكور في أكثر الكتب"أبو الخير"، وهو خطأ، ضبطه عبد الغني في المؤتلف والمختلف، وابن ماكولا، والدولابي، وكذلك ذكره ابن أبي حاتم في الكنى (٤/ ٢/ ٣٥٥) في حرف الجيم، وهو مترجم أيضًا فيه ٢/٢/٢١٨. وانظر الأثرين التاليين رقم: ١٣٦٢٩، ١٣٦٣٧.
١٣٦٢٥ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن إبراهيم قال، قال عبد الله:"مستقرها"، في الدنيا،"ومستودعها"، في الآخرة = يعني="فمستقر ومستودع".
١٣٦٢٦ - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير قال:"المستودع"، في الصلب، و"المستقر"، في الآخرة وعلى وجه الأرض.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: فمستقر في الرحم، ومستودع في الصلب.
* ذكر من قال ذلك:
١٣٦٢٧ - حدثنا هناد قال، حدثنا أبو الأحوص، عن أبي الحارث، عن عكرمة، عن ابن عباس في قول الله:"فمستقر ومستودع"، قال: مستقر في الرحم، ومستودع في صلب، لم يخلق سَيُخلق. (١)
١٣٦٢٨ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن يحيى الجابر، عن عكرمة:"فمستقر ومستودع"، قال:"المستقر"، الذي قد استقر في الرحم، و"المستودع"، الذي قد استودع في الصلب. (٢)
١٣٦٢٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن أبي الجبر تميم، عن سعيد بن جبير، قال ابن عباس: سل! فقلت: "فمستقرّ
(٢) الأثر: ١٣٦٢٨ -"يحيى الجابر"، هو"يحيى بن المجبر" منسوبًا لجده، و"يحيى بن عبد الله بن الحارث بن المجبر التيمي"، مضى برقم: ١٠١٨٨ - ١٠١٩٠، وكان في المطبوعة هنا"يحيى الجابري"، وهو خطأ صرف.
١٣٦٣٠- حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا حدثنا ابن إدريس، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله:"فمستقر ومستودع"، قال:"المستقر" الرحم، و"المستودع"، ما كان عند رب العالمين مما هو خالقه ولم يخلق.
١٣٦٣١- حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ [سورة هود: ٦]، قال:"المستقر"، ما كان في الرحم مما هو حيٌّ، ومما قد مات = و"المستودع"، ما في الصلب.
١٣٦٣٢- حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جيير قال: قال لي ابن عباس، وذلك قبل أن يَخْرُج وجهي (٢) أتزوّجت يا ابن جبير؟ قال: قلت لا وما أريد ذاك يومي هذا! قال فقال: أما إنه مع ذلك سيخرج ما كان في صلبك من المستودَعين.
١٣٦٣٣- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جيير قال: قال لي ابن عباس: تزوجت؟ قلت: لا! قال: فضرب ظهري وقال: ما كان من مستودَع في ظهرك سيخرج.
١٣٦٣٤- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"فمستقر ومستودع"، قال:"المستقر"، في الأرحام، و"المستودع"، في الصلب، لم يخلق وهو خالقه.
١٣٦٣٥- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني
(٢) قوله: "وذلك قبل أن يخرج وجهي"، يعني: قبل أن تنبت لحيته، وهذا تعبير عزيز لا تجد تفسيره في كتب اللغة والمجاز، فقيده.
١٣٦٣٦ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد قال:"المستقر"، ما استقرّ في الرحم، و"المستودع"، ما استودع في الصلب.
١٣٦٣٧- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن أبي الجبر بن تميم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، بنحوه. (١)
١٣٦٣٨ - حدثنا هناد قال، حدثنا عبيدة بن حميد، عن عمار الدهني، عن رجل، عن كريب قال: دعاني ابن عباس فقال: اكتب:"بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله بن عباس، إلى فلان حَبْر تَيْماء، سلامٌ عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد = قال، فقلت: تبدأه تقول: السلام عليك؟ فقال: إن الله هو السلام = ثم قال: اكتب"سلامٌ عليك، أما بعد، فحدثني عن:"مستقر ومستودع". قال: ثم بعثني بالكتاب إلى اليهودي، فأعطيته إياه. فلما نظر إليه قال: مرحبًا بكتاب خليلي من المسلمين! فذهب بي إلى بيته، ففتح أسفاطًا له كبيرة، (٢) فجعل يطرح تلك الأشياء لا يلتفت إليها. قال قلت: ما شأنك؟ قال: هذه أشياء كتبها اليهود! حتى أخرج سفر موسى عليه السلام، قال: فنظر إليه مرتين فقال:"المستقر"، الرحم، قال: ثم قرأ: ﴿وَنُقِرُّ فِي الأرْحَامِ مَا نَشَاءُ﴾ [سورة الحج: ٥]، وقرأ: ﴿وَلَكُمْ فِي الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ﴾، [سورة البقرة: ٣٦]، [سورة الأعراف: ٢٤]. قال: مستقرُّه فوق
(٢) "الأسفاط" جمع"سفط" (بفتحتين) : وهو وعاء كالجوالق، وبين الخبر هنا أنهم كانوا يستخدمونه في حفظ الكتب والأسفار.
١٣٦٣٩ - حدثنا هناد قال، حدثنا قبيصة، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء:"فمستقر ومستودع"، قال:"المستقر"، ما استقر في أرحام النساء، و"المستودع"، ما استودع في أصلاب الرجال.
١٣٦٤٠- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء قال:"المستقر"، الرحم، و"المستودع"، في أصلاب الرجال.
١٣٦٤١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا روح بن عبادة، عن ابن جريج، عن عطاء = وعن ابن أبي نجيح، عن مجاهد = قال:"المستقر"، الرحم، و"المستودع"، في الأصلاب.
١٣٦٤٢- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثناعيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"فمستقر"، ما استقر في أرحام النساء ="ومستودع"، ما كان في أصلاب الرجال.
١٣٦٤٣- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بنحوه.
١٣٦٤٤- حدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا حدثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد قال:"المستقر"، ما استقر في الرحم، و"المستودع"، ما استودع في الصلب.
١٣٦٤٥- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال:"المستقر"، الرحم،"والمستودع"، الصلب.
١٣٦٤٧- حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا بشر بن المفضل قال، حدثنا ابن عون قال: أتينا إبراهيم وقد مات، قال: فحدثني بعضهم: أنّ عبد الرحمن بن الأسود سأله قبل أن يموت عن"المستقر" و"المستودع"، فقال:"المستقر"، في الرحم،"والمستودع"، في الصلب.
١٣٦٤٨- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن ابن عون: أتينا منزل إبراهيم، فسألنا عنه فقالوا: قد توفي. وسأله عبد الرحمن بن الأسود، فذكر نحوه.
١٣٦٤٩- حدثني به يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن ابن عون: أنه بلغه: أنّ عبد الرحمن بن الأسود سأل إبراهيم عن ذلك، فذكر نحوه.
١٣٦٥٠- حدثنا عبيد الله بن محمد الفريابي قال، حدثنا ضمرة بن ربيعة، عن العلاء بن هارون قال: انتهيت إلى منزل إبراهيم حين قبض، فقلت لهم: هل سأله أحد عن شيء؟ قالوا: سأله عبد الرحمن بن الأسود عن"مستقر ومستودع"، فقال: أما"المستقر"، فما استقر في أرحام النساء، و"المستودع"، ما في أصلاب الرجال. (١)
و"ضمرة بن ربيعة الفلسطيني"، مضى برقم: ٧١٣٤، ١٢٨٦٨.
و"العلاء بن هرون الواسطي"، سكن الرملة. روى عن ابن عون. ثقة، مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٣/١/٣٦٢.
وأخشى أن يكون هذا الخبر، عن العلاء بن هرون، عن ابن عون، بل أرجح أن يكون كذلك.
١٣٦٥٢ - حدثني يونس قال، حدثني سفيان، عن رجل حدَّثه، عن سعيد بن جبير قال: قال لي ابن عباس: ألا تنكح؟ ثم قال: أما إني أقول لك هذا، وإني لأعلم أن الله مخرجٌ من صلبك ما كان فيه مستودَع. (١)
١٣٦٥٣- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال:"المستقر"، في الرحم، و"المستودع"، في الصلب.
١٣٦٥٤- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن ابن عباس:"فمستقر ومستودع"، قال:"مستقر"، في الرحم، و"مستودع"، في الصلب.
١٣٦٥٥ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة:"فمستقر ومستودع"، قال:"مستقر"، في الرحم، و"مستودع"، في الصلب.
١٣٦٥٦ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، حدثنا عبيد بن سليمان، عن الضحاك:"فمستقر ومستودع"، أما"مستقر"، فما استقر في الرحم = وأما"مستودع"، فما استودع في الصلب.
١٣٦٥٧ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"فمستقر ومستودع"، قال:"مستقر"، في الأرحام،"ومستودع"، في الأصلاب.
١٣٦٥٨- حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا
* * *
وقال آخرون:"المستقر"، في القبر،"والمستودع"، في الدنيا.
* ذكر من قال ذلك:
١٣٦٥٩ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: كان الحسن يقول:"مستقر"، في القبر،"ومستودع" في الدنيا، وأوشك أن يلحق بصاحبه.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى التأويلات في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله جل ثناؤه عمّ بقوله:"فمستقر ومستودع"، كلَّ خلقه الذي أنشأ من نفس واحدة، مستقرًّا ومستودعًا، ولم يخصص من ذلك معنى دون معنى. ولا شك أنّ من بني آدم مستقرًّا في الرحم، ومستودعًا في الصلب، ومنهم من هو مستقر على ظهر الأرض أو بطنها، ومستودع في أصلاب الرجال، ومنهم مستقر في القبر، مستودع على ظهر الأرض. فكلٌّ"مستقر" أو"مستودع" بمعنى من هذه المعاني، فداخل في عموم قوله:"فمستقر ومستودع" ومراد به، إلا أن يأتي خبرٌ يجب التسليم له بأنه معنيٌّ به معنى دون معنى، وخاص دون عام.
* * *
واختلفت القرأة في قراءة قوله:"فمستقر ومستودع".
فقرأت ذلك عامة قرأة أهل المدينة والكوفة: (فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ)، بمعنى: فمنهم من استقرّه الله في مقرِّه، فهو مستقَرٌّ = ومنهم من استودعه الله فيما استودعه فيه، فهو مستودَع فيه.
* * *
وقرأ ذلك بعض أهل المدينة وبعض أهل البصرة: (فَمُسْتَقِرٌّ)، بكسر"القاف"
* * *
وأولى القراءتين بالصواب عندي، وإن كان لكليهما عندي وجه صحيح: (فَمُسْتَقَرٌّ)، بمعنى: استقرّه الله في مستقَرِّه، ليأتلف المعنى فيه وفي"المستودَع"، في أن كل واحد منهما لم يسمَّ فاعله، وفي إضافة الخبر بذلك إلى الله في أنه المستقِرُّ هذا، والمستودِع هذا. وذلك أن الجميع مجمعون على قراءة قوله:"ومستودَع" بفتح"الدال" على وجه ما لم يسمَّ فاعله، فإجراء الأوّل = أعني قوله:"فمستقر" = عليه، أشبه من عُدُوله عنه.
* * *
وأما قوله:"قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون"، يقول تعالى: قد بيّنا الحجج، وميزنا الأدلة والأعلام وأحكمناها (١) ="لقوم يفقهون"، مواقعَ الحجج ومواضع العبر، ويفهمون الآيات والذكر، (٢) فإنهم إذا اعتبروا بما نبّهتهم عليه من إنشائي من نفس واحدة ما عاينوا من البشر، وخلقي ما خلقت منها من عجائب الألوان والصور، علموا أنّ ذلك من فعل من ليس له مثل ولا شريك فيشركوه في عبادتهم إياه، كما:-
١٣٦٦٠- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون"، يقول: قد بينا الآيات لقوم يفقهون.
* * *
(٢) انظر تفسير"فقه" فيما سلف ص: ٤٣٣، تعليق٢، والمراجع هناك.