غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
القراءات :﴿وأنشأنا﴾ بغير همز حيث كان : أبو عمرو ويزيد والأعشى وورش من طريق الأصفهاني وحمزة في الوقف. ﴿ولقد استهزئ﴾ وبابه بالهمز : أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعاصم، وقرأ يزيد والشموني وحمزة في الوقف بغير همز الباقون بغير همز مطلقاً ﴿فحاق﴾ بالإمالة حيث كان حمزة.
الوقوف :﴿والنور﴾ ط لأن «ثم» لترتيب الأخبار ﴿يعدلون﴾ ه ﴿أجلاً﴾ ط ﴿تمترون﴾ ه ﴿وفي الأرض﴾ ج وقيل : لا وقف ليصير التقدير وهو الله يعلم سركم وجهركم في السموات وفي الأرض وفيه بعد، بل المعنى وهو المستحق للعبودية في أهل السموات وأهل الأرض. ﴿تكسبون﴾ ه ﴿معرضين﴾ ه ﴿لما جاءهم﴾ ط للابتداء بالتهديد ﴿يستهزءون﴾ ه ﴿مدراراً﴾ ص لعطف المتفقين ﴿آخرين﴾ ه ﴿سحر مبين﴾ ه ﴿عليه ملك﴾ ط ﴿لا ينظرون﴾ ه ﴿يلبسون﴾ ه ﴿يستهزءون﴾ ه ﴿المكذبين﴾ ه.
فأجاب الله تعالى عن شبهتهم بقوله ﴿ولو جعلناه﴾ أي الرسول ﴿ملكاً لجعلناه رجلاً﴾ لأن إنزال الملك آية ظاهرة جارية مجرى الإلجاء وإزالة الاختيار وذلك منافٍ لغرض التكليف، ولأن الجنس إلى الجنس أميل، ولأن البشر لا يطيق رؤية الملك، ولأن طاعات الملك كثيرة فيحقرون طاعات البشر ويستعظمون إقدامهم على المعاصي فلا يصبرون معهم، ولأن إنزال الملك يقوي الشبهة من وجه آخر وذلك أن أيّ معجزة ظهرت عليه قالوا هذا فعلك فعلته باختيارك وقدرتك، ولو حصل لنا مثل ما حصل لك من القدرة والقوة لفعلنا مثل ما فعلت.
ثم قال ﴿وللبسنا عليهم ما يلبسون﴾ لبست الأمر على القوم ألبسه لبساً إذا شبهته عليهم وجعلته مشكلاً ومنه لبس الثوب لأنه يفيد الستر. والمعنى إذا جعلنا الملك في صورة البشر كان فعلنا نظيراً لفعلهم في التلبيس، وإنما كان ذلك لبساً لأن الناس يظنونه ملكاً مع أنه ليس بملك، أو يظنونه بشراً مع أنه ليس ببشر وإنما كان فعلهم لبساً لأنهم يخلطون على أنفسهم ويقولون إن البشر لا يصلح للرسالة فلا ينقطع السؤال أبداً ويبقى الأمر في حيز الاشتباه. وعلى هذا التفسير يكون قوله ﴿ما يلبسون﴾ مفعولاً مطلقاً. ويجوز أن يراد ولخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم حينئذ فيكون مفعولاً به يعني أن القوم إذا رأوا الملك في صورة الإنسان اشتبه الأمر عليهم، وإذ كنا قد فعلنا ذلك كان اللبس منسوباً إلينا.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل : حمد نفسه القديم الأزلي بكلامه القديم الأزلي على أن خلق سموات القلوب وأرض النفوس وجعل الظلمات. أي الصفات البهيمية والسبعية في النفوس والنور في القلوب وهو صفاتها الملكية والروحانية، فخص الجعل بالمعاني التي هي من عالم الأمر والخلق بالأعيان لأنها من عالم الصورة، ولهذا لما ذكر صورة آدم قال ﴿إني خالق بشراً من طين﴾ [ص: ٧١] وحيث أراد معناه قال ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾ [البقرة: ٣٠] ثم بعد هذا الجعل والخلق مال نفوس الكفار بغلبات الظلمات إلى طاغوت الهوى فجعلوه عديلاً لربهم ﴿ثم قضى أجلاً﴾ للروح المفارق عن حضرته لأيام فراقه ﴿وأجل مسمى عنده﴾ وهو أجل الوصال بعد الفراق بجذبة ﴿ارجعي إلى ربك﴾ [الفجر: ٢٨] ﴿ثم أنتم تمترون﴾ يا أهل الوصال كما يمتري أهل الفراق وهذا محال ﴿وهو الله﴾ في سموات القلوب وفي أرض النفوس يعلم سر الخلافة الذي أودع فيكم ﴿وجهركم﴾ الذي يظهر عنكم ﴿ويعلم ما تكسبون﴾ باستعمال الاستعداد السري والجهري في المأمورات والمنهيات في الخير أو الشر ﴿من آية من آيات ربهم﴾ في الآفاق وفي أنفسهم مكناهم في طلب الحق من قهر النفس وأسباب الخيرات والطاعات. وأرسلنا مطر الواردات من سماء القلوب عليهم مدراراً متوالياً، وجعلنا أنهار الحكمة تجري من تحت نظرهم فأهلكنا مع هذه المقدمات أرواحهم بسموم ذنوب طلب الدنيا مالها وجاهها ﴿وأنشأنا من بعدهم قرناً آخرين﴾ من الطلاب الصادقين التائبين المستقيمين ﴿لجعلناه رجلاً﴾ ليفهموا خطابه ويكون واقفاً على الأحوال البشرية فيعالجهم بما يرى فيه صلاح حالهم كما قال ﴿وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم﴾ [إبراهيم: ٤] قل سيروا في أرض النفوس بقدم التقوى ومخالفة الهوى إلى أن تبلغوا سواحل بحار القلوب فتشاهدوا بأنوار الله المودعة فيها عاقبة من هلكوا في بوادي القطيعة إذ ساروا بقدم الطبيعة.
الوقوف :﴿والنور﴾ ط لأن «ثم» لترتيب الأخبار ﴿يعدلون﴾ ه ﴿أجلاً﴾ ط ﴿تمترون﴾ ه ﴿وفي الأرض﴾ ج وقيل : لا وقف ليصير التقدير وهو الله يعلم سركم وجهركم في السموات وفي الأرض وفيه بعد، بل المعنى وهو المستحق للعبودية في أهل السموات وأهل الأرض. ﴿تكسبون﴾ ه ﴿معرضين﴾ ه ﴿لما جاءهم﴾ ط للابتداء بالتهديد ﴿يستهزءون﴾ ه ﴿مدراراً﴾ ص لعطف المتفقين ﴿آخرين﴾ ه ﴿سحر مبين﴾ ه ﴿عليه ملك﴾ ط ﴿لا ينظرون﴾ ه ﴿يلبسون﴾ ه ﴿يستهزءون﴾ ه ﴿المكذبين﴾ ه.
فأجاب الله تعالى عن شبهتهم بقوله ﴿ولو جعلناه﴾ أي الرسول ﴿ملكاً لجعلناه رجلاً﴾ لأن إنزال الملك آية ظاهرة جارية مجرى الإلجاء وإزالة الاختيار وذلك منافٍ لغرض التكليف، ولأن الجنس إلى الجنس أميل، ولأن البشر لا يطيق رؤية الملك، ولأن طاعات الملك كثيرة فيحقرون طاعات البشر ويستعظمون إقدامهم على المعاصي فلا يصبرون معهم، ولأن إنزال الملك يقوي الشبهة من وجه آخر وذلك أن أيّ معجزة ظهرت عليه قالوا هذا فعلك فعلته باختيارك وقدرتك، ولو حصل لنا مثل ما حصل لك من القدرة والقوة لفعلنا مثل ما فعلت.
ثم قال ﴿وللبسنا عليهم ما يلبسون﴾ لبست الأمر على القوم ألبسه لبساً إذا شبهته عليهم وجعلته مشكلاً ومنه لبس الثوب لأنه يفيد الستر. والمعنى إذا جعلنا الملك في صورة البشر كان فعلنا نظيراً لفعلهم في التلبيس، وإنما كان ذلك لبساً لأن الناس يظنونه ملكاً مع أنه ليس بملك، أو يظنونه بشراً مع أنه ليس ببشر وإنما كان فعلهم لبساً لأنهم يخلطون على أنفسهم ويقولون إن البشر لا يصلح للرسالة فلا ينقطع السؤال أبداً ويبقى الأمر في حيز الاشتباه. وعلى هذا التفسير يكون قوله ﴿ما يلبسون﴾ مفعولاً مطلقاً. ويجوز أن يراد ولخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم حينئذ فيكون مفعولاً به يعني أن القوم إذا رأوا الملك في صورة الإنسان اشتبه الأمر عليهم، وإذ كنا قد فعلنا ذلك كان اللبس منسوباً إلينا.