كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني

عن الكتاب
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَآءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس ومجاهدُ :(السِّجِلُّ هُوَ الصَّحِيْفَةُ تُطْوَى بمَا فِيْهَا مِنَ الْكِتَابَةِ) وَاللاَّمُ في قوله (لِلْكُتُبِ) : بمعنى (على)، وقال السديُّ :(هُوَ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ بالصُّحُفِ، إذا مَاتَ الإنْسَانُ رُفِعَ كِتَابُهُ إلَيْهِ فَطَوَاهُ). وَقِيْلَ : إن السِّجِلَّ كاتبٌ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم. ويقالُ : هو الرجلُ بلغة الحبَشَة.
قرأ أبو جعفرٍ :(تُطْوَى السَّمَاءُ) بالتاء، ورفعَ (السَّمَاءُ) على ما لَم يُسَمَّ فاعلهُ. وقرأ أهلُ الكوفة :(لِلْكُتُب) على الجمعِ.
والمرادُ بطَيِّ السَّماءِ أنَّ اللهَ تعالى يَطْوِيْهَا، ثُم يفتحُها ثم يُعيدها، ولذلك قال :﴿كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ﴾ ؛ أي كما بدأناها أوَّلَ مرَّة، نعيدُها إلى الحالةِ الأُولى. ويجوزُ أن يكون معنى قولهِ ﴿كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ﴾ نعيدُ الخلقَ للبعثِ كما بدأناهُ في النُّطفةِ، ودليلُ هذا القولِ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾[الأعراف: ٢٩].
والطَّيُّ في هذه الآيةِ يحتملُ معنَيين ؛ أحدهما : الدَّرْجُ الذي هو ضِدُّ النَّشْرِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى :﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾[الزمر: ٦٧]. والثَّانِي : الإخفاءُ والتَّعْمِيَةُ والْمَحْوُ والطَّمسُ ؛ لأن اللهَ تعالى يَمحُو رسُومَها ويُكْدِرُ نُجومَها. وَقِيْلَ : معنى قولهِ تعالى ﴿كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ﴾ : كما بدأنَاهُم في بطُونِ أمَّهاتِهم حفاةً عُراة غُرْلاً، كذلك نعيدُهم يومَ القيامةِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَعْداً عَلَيْنَآ﴾ ؛ نُصِبَ على المصدرِ بمعنى : قد وَعَدْنَاهم هذا وَعْداً، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ ؛ ما وعَدْنَاكم مِن ذلك، وَقِيْلَ : فاعلينَ الإعادةَ والبعثَ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى