زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿يَوْمَ نَطْوِى السَّمَاء﴾ وقرأ أبو العالية، وابن أبي عبلة، وأبو جعفر :" تطوى " بتاء مضمومة " السماء " بالرفع ؛ وذلك بمحو رسومها، وتكدير نجومها، وتكوير شمسها، ﴿كَطَيّ السّجِلّ للكتاب﴾ قرأ الجمهور :" السجل " بكسر السين والجيم وتشديد اللام. وقرأ الحسن، وأبو المتوكل، وأبو الجوزاء، ومحبوب عن أبي عمرو :" السجل " بكسر السين وإسكان الجيم خفيفة. وقرأ أبو السماك كذلك، إلا أنه فتح الجيم.
قوله تعالى :﴿للكتاب﴾ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر : للكتاب. وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم :" للكتب " على الجمع.
وفي السجل أربعة أقوال :
أحدها : أنه ملك، قاله علي بن أبي طالب، وابن عمر، والسدي.
والثاني : أنه كاتب كان لرسول الله ﷺ، رواه أبو الجوزاء عن ابن عباس.
والثالث أن السجل بمعنى : الرجل روى أبو الجوزاء عن ابن عباس، قال : السجل : هو الرجل. قال شيخنا أبو منصور اللغوي : وقد قيل :" السجل " بلغة الحبشة : الرجل.
والرابع : أنه الصحيفة. رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، والفراء، وابن قتيبة. وقرأت على شيخنا أبي منصور، قال : قال أبو بكر، يعني ابن دريد : السجل : الكتاب، والله أعلم ؛ ولا ألتفت إلى قولهم : إنه معرب، والمعنى : كما يطوي السجل على ما فيه من كتاب. و " اللام " بمعنى " على ". وقال بعض العلماء : المراد بالكتاب : المكتوب، فلما كان المكتوب ينطوي بانطواء الصحيفة، جعل السجل كأنه يطوي الكتاب.
ثم استأنف، فقال تعالى :﴿لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ﴾ الخلق ها هنا مصدر، وليس بمعنى المخلوق.
وفي معنى الكلام أربعة أقوال :
أحدها : كما بدأناهم في بطون أمهاتهم حفاةً عراةً غرلاً، كذلك نعيدهم يوم القيامة ؛ روي عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ أنه قال :" يحشر الناس يوم القيامة عراةً حفاةً غرلاً كما خلقوا "، ثم قرأ :﴿كما بدأنا أول خلق نعيده﴾ ؛ وإلى هذا المعنى ذهب مجاهد.
والثاني : أن المعنى : إنا نهلك كل شيء كما كان أول مرة، رواه العوفي عن ابن عباس.
والثالث : أن السماء تمطر أربعين يوما كمني الرجال، فينبتون بالمطر في قبورهم، كما ينبتون في بطون أمهاتهم، رواه أبو صالح عن ابن عباس.
والرابع : أن المعنى : قدرتنا على الإعادة كقدرتنا على الابتداء، قاله الزجاج.
قوله تعالى :﴿وَعْداً﴾ قال الزجاج : هو منصوب على المصدر، لأن قوله تعالى :" نعيده " بمعنى : وعدنا هذا وعدا، ﴿إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ أي : قادرين على فعل ما نشاء. وقال غيره : إنا كنا فاعلين ما وعدنا.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى