إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود
عن الكتاب
وقوله تعالى :﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ﴾ نوعُ تفصيل لإجمالِ قوله تعالى :﴿وَأَهْلَكْنَا المسرفين﴾ وبيانٌ لكيفية إهلاكِهم وسببِه وتنبيهٌ على كثرتهم، وكم خبريةٌ مفيدةٌ للتكثير محلُّها النصبُ على أنها مفعولٌ لقصمنا ومن قرية تمييزٌ، وفي لفظ القصْمِ الذي هو عبارةٌ عن الكسر بإبانة أجزاءِ المكسور وإزالةِ تأليفها بالكلية من الدِلالة على قوة الغضبِ وشدة السُّخط ما لا يخفى وقوله تعالى :﴿كَانَتْ ظالمة﴾ في محل الجرِّ على أنها صفةٌ لقرية بتقدير مضافٍ ينبئ عنه الضميرُ الآتي، أي وكثيراً قصمنا من أهل قريةٍ كانوا ظالمين بآيات الله تعالى كافرين بها كدأْبكم ﴿وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا﴾ أي بعد إهلاكها ﴿قَوْماً آخَرِينَ﴾ أي ليسوا منهم نسباً ولا ديناً، ففيه تنبيهٌ على استئصال الأولين وقطعِ دابرهم بالكلية وهو السرُّ في تقديم حكاية إنشاءِ هؤلاء على حكاية مبادي إهلاكِ أولئك بقوله تعالى :﴿فَلَمَّا أَحَسُّواْ بَأْسَنَا إذا هم منها يركضون﴾.