الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري
عن الكتاب
كرّر ﴿أَمِ اتخذوا مِن دُونِهِ ءالِهَةً﴾ استفظاعاً لشأنهم واستعظاماً لكفرهم، أي : وصفتم الله تعالى بأنّ له شريكاً، فهاتوا برهانكم على ذلك : إمّا من جهة العقل، وإمّا من جهة الوحي، فإنكم لا تجدون كتاباً من كتب الأوّلين إلا وتوحيد الله وتنزيهه عن الأنداد مدعوّ إليه، والإشراك به منهي عنه متوعد عليه. أي ﴿هذا﴾ الوحي الوارد في معنى توحيد الله ونفي الشركاء عنه، كما ورد عليّ فقد ورد على جميع الأنبياء، فهو ذكر : أي عظة للذين معي : يعني أمّته، وذكر للذين من قبلي : يريد أمم الأنبياء عليهم السلام. وقرىء :﴿ذِكْرُ مَن مَّعِىَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِى﴾ بالتنوين ومن مفعول منصوب بالذكر كقوله :﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِى يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ يَتِيماً﴾ [البلد: ١٤] وهو الأصل والإضافة من إضافة المصدر إلى المفعول كقوله :﴿غُلِبَتِ الروم فِى أَدْنَى الأرض وَهُم مّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم: ٣] وقرىء :«من معي » و«من قبلي » على من الإضافية في هذه القراءة. وإدخال الجار على «مع » غريب، والعذر فيه أنه اسم هو ظرف، نحو : قبل، وبعد، وعند، ولدن، وما أشبه ذلك، فدخل عليه «من » كما يدخل على أخواته. وقرىء «ذكر معي وذكر قبلي » كأنه قيل : بل عندهم ما هو أصل الشرّ والفساد كله وهو الجهل وفقد العلم، وعدم التمييز بين الحق والباطل، فمن ثم جاء هذا الإعراض، ومن هناك ورد هذا الإنكار. وقرىء :﴿الحق﴾ بالرفع على توسيط التوكيد بين السبب والمسبب. والمعنى أن إعراضهم بسبب الجهل هو الحق لا الباطل. ويجوز أن يكون المنصوب أيضاً على هذا المعنى، كما تقول : هذا عبد الله الحق لا الباطل.