المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية
عن الكتاب
ثم قررهم تعالى ثانية على اتخاذ الآلهة، وفي تكرار هذا التقرير مبالغة في نكره وبيان فساده، وفي هذا التقرير زيادة على الأول وهي قوله تعالى :﴿من دونه﴾ فكأنهم قررهم هنا على قصد الكفر بالله عز وجل، ثم دعاهم إلى الحجة والإتيان بالبرهان. وقوله تعالى :﴿هذا ذكر من معي وذكر من قبلي﴾ يحتمل أن يريد به هذا جميع الكتب المنزلة قديمها وحديثها، أي ليس فيها برهان على اتخاذ آلهة من دون الله، بل فيها ضد ذلك، ويحتمل أن يريد هذا القرآن والمعنى فيه ذكر الأولين والآخرين، فذكر الآخرين بالدعوة وبيان الشرع لهم وردهم على طريق النجاة، وذكر الأولين بقص أخبارهم وذكر الغيوب في أمورهم، ومعنى الكلام على هذا التأويل عرض القرآن في معرض البرهان أي ﴿هاتوا برهانكم﴾ فهذا برهاني أنا ظاهر في ﴿ذكر من معي وذكر من قبلي﴾ وقرأت فرقة «هذا ذكرُ من » «وذكرُ من » بالإضافة فيهما، وقرأت فرقة «هذا ذكرُ من » بالإضافة «وذكرٌ مِن قبلي » بتنوين «ذكر » الثاني وكسر الميم من قوله تعالى :﴿مِن قبلي﴾ وقرأ يحيى بن سعيد(١) وابن مصرف بالتنوين في «ذكرٌ مِن » في الموضعين وكسر الميم من قوله «مِن » في الموضعين، وضعف أبو حاتم هذه القراءة كسر الميم في الأولى ولم يرلها وجهاً(٢)، ثم حكم عليهم تعالى بأن ﴿أكثرهم لا يعلمون الحق﴾ لإعراضهم عنه وليس المعنى ﴿فهم معرضون﴾ لأنهم لا يعلمون بل المعنى ﴿فهم معرضون﴾ ولذلك ﴿لا يعلمون الحق﴾ وقرأ الحسن وابن محيصن «الحقُ » بالرفع على معنى هذا القول هو الحق والوقف على هذه القراءة على ﴿لا يعلمون﴾(٣).
١ في كتب التفسير والقراءات: "يحيى بن يعمر"، وهو غير يحيى بن سعيد الأنصاري، ولعل الخطأ من النساخ..
٢ قال: لأن (من) دخلت على (مع)، وقال أبو الفتح: "هذا أحد ما يدل على أن (مع) اسم، وهو دخول (من) عليها، حكى صاحب الكتاب، وأبو زيد ذلك عنهم: جئت من معهم، أي: من عندهم، فكأنه قال: هذا ذكر من عندي ومن قبلي، أي: جئت أنا به كما جاء به الأنبياء من قبلي، كما قال الله تعالى: ﴿إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده﴾"..
٣ ويكون قوله سبحانه: [الحق] مستأنفا، وتقدير الكلام: "هذا الحق"، فهو خبر مبتدأ محذوف، ويوقف أيضا على [الحق] ثم يستأنف الكلام فيقال: ﴿فهم معرضون﴾..
٢ قال: لأن (من) دخلت على (مع)، وقال أبو الفتح: "هذا أحد ما يدل على أن (مع) اسم، وهو دخول (من) عليها، حكى صاحب الكتاب، وأبو زيد ذلك عنهم: جئت من معهم، أي: من عندهم، فكأنه قال: هذا ذكر من عندي ومن قبلي، أي: جئت أنا به كما جاء به الأنبياء من قبلي، كما قال الله تعالى: ﴿إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده﴾"..
٣ ويكون قوله سبحانه: [الحق] مستأنفا، وتقدير الكلام: "هذا الحق"، فهو خبر مبتدأ محذوف، ويوقف أيضا على [الحق] ثم يستأنف الكلام فيقال: ﴿فهم معرضون﴾..