اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الخلد﴾(١) الآية. لما استدل بالأشياء المذكورة، وهي من أصول النعم الدنيوية أتبعه بما يدل على أن هذه الدنيا أمرها كذلك لا يبقى ولا يدوم، وإنما خلقها سبحانه وتعالى للابتلاء والامتحان، وليتوصل بها إلى دار الخلود فقال :﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الخلد﴾.
قال مقاتل : إن ناساً كانوا يقولون : إن محمداً لا يكون فنزلت هذه الآية(٢).
وقيل : كانوا يقدرون أنه سيموت فيشمتون به في قولهم : نتربص بمحمد ريب المنون(٣)، فنفى الله عنه الشماتة بهذه الآية فقال :﴿أَفَإِنْ مِّتَّ فَهُمُ الخالدون﴾ قضى الله تعالى(٤) أن لا يخلد في الدنيا بشراً لا أنت ولا هم، وفي هذا المعنى قول القائل :
٣٧١٣- فَقُلْ للشَّامِتِينَ بِنَا أَفِيقُواسيلقى الشَّامِتُونَ كَمَا لَقِينَا(٥)
وقيل : يحتمل أنه لما أظهر أنه عليه السلام(٦) خاتم الأنبياء، وجاز أن يقدم مقدر أنه لا يموت إذ لو مات لتغير شرعه، فنبه الله تعالى على أنه حاله كحال غيره من الأنبياء عليهم السلام(٧) في الموت(٨).
قوله :﴿أَفَإِنْ مِّتَّ﴾ تقدم نظيره في آل عمران عند قوله :﴿أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ﴾(٩) وفي هذه الآية دليل لمذهب سيبويه، وهو أنه إذا اجتمع شرط واستفهام(١٠) أجيب الشرط، فتكون الآية قد دخلت فيها همزة الاستفهام على جملة الشرط والجملة المقترنة بالفاء جواب الشرط، وليست مصبًّا للاستفهام، وزعم يونس أن الاستفهام منصب على الجملة المقترنة بالفاء، وأن الشرط معترض بين الاستفهام وبينها، وجوابه محذوف(١١). وليس بشيء إذ لو كان كما قال لكان التركيب : أفإن مت هم الخالدون بغير فاء(١٢). وكان ابن عطية ينحى منحى يونس فإنه قال : وألف استفهام داخلة في المعنى على جواب الشرط(١٣).
١ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٦٩ بتصرف..
٢ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٦٩..
٣ حيث قال الله تعالى: ﴿أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون﴾ [الطور: ٣٠]..
٤ تعالى: سقط من ب..
٥ البيت من بحر الوافر قاله ذو الإصبع العدواني، وقيل: فروة بن مسيك المرادي وقيل: الفرزدق. والبيت في الكشاف ٣/١١، والفخر الرازي ٢٢/١٦٩، والبحر المحيط ٦/٣١٠ وشرح شواهد الكشاف ١٣١.
الشامت: المستشفى من غيظه بما أصاب عدوه. أي فقل للشامتين لما نزل بنا من الهزيمة أفيقوا من سكرتكم فإنكم ستلقون من الهزيمة مثل ما لقينا..

٦ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٧ في ب: عليهم الصلاة والسلام..
٨ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٦٩..
٩ [آل عمران: ١٤٤]..
١٠ في النسختين: وقسم. والصواب ما أثبته..
١١ أي: أن الشرط إذا دخل عليه همزة الاستفهام فمذهب سيبويه أن همزة الاستفهام داخلة على جملة الشرط والجواب لكونهما كجملة واحدة.
وزعم يونس أن جملة الجزاء هي مصب الاستفهام، وجملة الشرط معترضة بين همزة الاستفهام وجملة الجزاء، وجوابها محذوف. والحق مذهب سيبويه لأن الأولى أن يجعل الجواب للشرط ويجعل الاستفهام داخلا على الشرط والجزاء معا كدخول الموصول عليهما معا في نحو جاءني الذي إن تأته يشكرك والآية دليل لمذهبه فالفاء في "فهم" لجواب الشرط، وفي "فإن" للسببية ولو كان التقدير: أفهم الخالدون لم يقل: فإن مت بل كان يقول أئن مت فهم الخالدون أي: أفهم الخالدون إن مت. والأصل عدم الحكم بزيادة الفاء. انظر الكتاب ٣/٨٢-٨٣، وشرح الكافية ٢/٣٩٤-٣٩٥. والتبيان ١/٢٩٦، والبحر المحيط ٦/٣١٠-٣١١..

١٢ انظر البيان ٢/١٦١، البحر المحيط ٦/٣١١..
١٣ تفسير ابن عطية ١٠/١٤٦، وفيه: (وقدمت في أول الجملة، لأن الاستفهام له صدر الكلام، والتقدير: أفهم الخالدون إن مت؟ والفاء في قوله تعالى "أفإن" عاطفة جملة على جملة)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى