اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ﴾ الآية. في المراد بالإنسان قولان :
أحدهما : أنه النوع، وذلك أنهم كانوا يستعجلون العذاب ﴿وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد﴾(١). ( والمعنى أن ينبته من العجلة وعليها طبع كما قال :﴿وَكَانَ الإنسان عَجُولاً(٢)(٣). فإن قيل : مقدمة الكلام لا بد وأن تكون مناسبة للكلام وكون الإنسان مخلوقاً من العجل يناسب كونه معذوراً فيه فلم رتب على هذه المقدمة قوله :﴿فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ﴾ ؟
فالجواب أنه تعالى نبه بهذا على أن ترك الاستعجال حالة مرغوب فيها(٤).
القول الثاني : أن المراد بالإنسان شخص معين، فقال ابن عباس في رواية عطاء : نزلت هذه الآية في النضر بن الحرث(٥).
وقال مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة والسدي والكلبي ومقاتل والضحاك : المراد آدم عليه السلام(٦). وروى ابن جريج وليث بن أبي سليم(٧) قال : خلق آدم بعد كل شيء من آخر نهار يوم الجمعة، فلما دخل الروح رأسه ولم يبلغ الروح إلى رجليه عجلان إلى ثمار الجنة فوقع فقيل :﴿خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ﴾(٨) والقول الأول أولى، لأن الغرض ذم القوم، وذلك لا يحصل إلا إذا حملنا لفظ الإنسان على النوع(٩). قوله :«من عجل » فيه قولان :
أحدهما : أنه من باب القلب، والأصل : خُلِقَ العَجَلُ مِنَ الإنْسَانِ لشدة صدوره منه وملازمته له وإلى هذا ذهب أبو عمرو، ويؤيده قراءة عبد الله :«وَخُلِقَ العَجَلُ مِنَ الإنْسَانِ »(١٠). والقلب موجود في كلامهم قال الشاعر :
٣٧١٤- حَسَرْتُ كَفِّي عَنِ السِّرْبَالِ آخذُهُ(١١) ***. . .
يريد : حسرت السربال عن كفي.
ومثله في الكلام : إذا طلعت الشِّعرى(١٢) استوى العود على الحِرْبَاء وقالوا : عرضت الناقة على الحوض(١٣)، وتقدم منه أمثلة إلا أن بعضهم يخصه بالضرورة(١٤) وتقدم فيه ثلاثة مذاهب.
والثاني : أنه لا قلب فيه، وفيه ثلاثة(١٥) تأويلات أحسنها أن ذلك على المبالغة جعل ذات الإنسان كأنها خلقت من نفس العجلة دلالة على شدة اتصاف الإنسان بها، وأنها مادته التي أخذ منها كما قيل للرجل الذي هو حاد : نار تشعل العرب قد تسمى المرء بما يكثر منه، فتقول : ما أنت إلا أكل ونوم، وما هو إلا إقبال وإدبار، قال الشاعر :
٣٧١٥- تَرْتَعُ مَا رَتَعَتْ حتى إذَا ادَّكَرَتْ(١٦)فَإِنَّمَا هِيَ إِقْبَالٌ وَإِدْبَارٌ(١٧)
ويتأكد هذا بقوله :﴿وَكَانَ(١٨) الإنسان عَجُولاً﴾(١٩).
قال المبرد :﴿خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ﴾ أي من شأنه العجلة كقوله ﴿خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ(٢٠) أي : ضُعَفَاء(٢١). ومثله في المبالغة من جانب النفي قوله عليه السلام(٢٢) :«لست من الدَّدِ وَلاَ الدِّدُ مِنِّي »(٢٣)، والدُّدُ : اللعب، وفيه لغات : دَدٌ محذوف اللام ودَدَا مقصوراً كعصا، ودَدَنٌ بالنون. وألفه في إحدى لغاته مجهولة الأصل لا يدري أهي عن ياء أو واو(٢٤). وقيل :﴿خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ﴾ أي بسرعة، وتعجيل من غير ترتيب خلق سائر الآدميين من النطفة ثم العلقة ثم المضغة ثم العظام ثم أنشأناه خلقاً آخر(٢٥).
وقال أبو عبيدة : العَجَل الطين بلغة حمير قال شاعرهم :
٣٧١٦- والنَّبْعُ في الصَّخْرَةِ الصَّمَّاءِ مَنْبِتُهُوالنَّخْلُ يَنْبِتُ بَيْنَ المَاءِ وَالعَجَلِ(٢٦)
قال الزمخشري بعد إنشاده عجز هذا البيت : والله أعلم بصحته(٢٧).
قال شهاب الدين : وهو معذور(٢٨). وهذا الجار يحتمل تعلقه ب «خُلِقَ » على المجاز أو الحقيقة المتقدمتين(٢٩). وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال كأنه قال : خلق الإنسان عجلاً. قاله أبو البقاء(٣٠). وقرأ العامة «خُلِقَ » مبنياً للمفعول «الإنسان » مرفوعاً لقيامه مقام الفاعل. وقرأ مجاهد وحميد وابن مقسم «خَلَقَ » مبنياً للفاعل «الإنسان » نصباً مفعولاً به(٣١). فإن قيل : القوم استعجلوا الوعيد على وجه التكذيب، ومن هذا حاله لا يكون مستعجلاً على الحقيقة.
فالجواب : أن استعجالهم بما توعدهم من عقاب الآخرة أو هلاك الدنيا يتضمن استعجال الموت، وهم عالمون بذلك فكانوا مستعجلين حقيقة(٣٢).
قوله :﴿سَأُرِيكُمْ آيَاتِي﴾ مواعيدي ؛ قيل : هي الهلاك المعجل في الدنيا والآخرة، ولذلك قال ﴿فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ﴾ أي أنه سيأتي لا محالة في وقته، فلا تطلبوا العذاب قبل وقته، فأراهم يوم بدر. وقيل : كانوا يستعجلون القيامة. وقيل : الآيات : أدلة التوحيد وصدق الرسول. وقيل : الآيات آثار القرون الماضية بالشام واليمن(٣٣).
١ [الأنبياء: ٣٨]..
٢ من قوله تعالى: ﴿ويدع الإنسان بالشر دعاء بالخير وكان الإنسان عجولا﴾ [الإسراء: ١١] انظر البغوي ٥/٤٨٦..
٣ ما بين القوسين سقط من الأصل..
٤ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٧١..
٥ الفخر الرازي ٢٢/١٧١..
٦ في ب: عليه الصلاة والسلام. انظر الفخر الرازي ٢٢/١٧١..
٧ هو ليث بن أبي سليم القرشي، أحد العلماء والنساك، أخذ عن عكرمة، وغيره، وأخذ عنه شعبة، والصوري، وخلق، مات سنة ١٤٣ هـ. خلاصة تذهيب تهذيب الكمال ٣٢٣..
٨ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٧١، والقرطبي ١١/٢٨٨-٢٨٩..
٩ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٧١..
١٠ البحر المحيط ٦/٣١٢..
١١ صدر بيت من بحر البسيط لتميم بن مقبل وعجزه:
فردا يجر على أيدي المفدِّينا
وهو في ديوانه (٣٢٥)، جمهرة أشعار العرب ٢/٨٦٢ وتفسير ابن عطية ١٠/١٥٠ البحر المحيط ٦/٣١٣ وهو في الجمهرة برواية: حسرت عن كفي السربال.
السربال: القميص والدرع. والشاهد فيه أنه من المقلوب، فهو يريد أن يقول: حسرت السربال عن كفي..

١٢ الشعري: كوكب نير يطلع عند شدة الحر..
١٣ هذا من المقلوب في كلام العرب، والأصل: استوى الحرباء على العود، وعرضت الحوض على الناقة. انظر البحر المحيط ٦/٣١٣..
١٤ قال أبو حيان ردا على من ادعى القلب في الآية: (فليس قوله بجيد، لأن القلب الصحيح فيه أن يكون في كلام فصيح وأن بابه الشعر) البحر المحيط ٦/٢١٣-٢١٤..
١٥ ثلاثة: سقط من الأصل..
١٦ في النسختين: ترتع إذا نسيت حتى إذا ذكرت..
١٧ البيت من بحر البسيط قالته الخنساء، رتعت الإبل: إذا رعت، وأرتعتها: تركتها ترعى. ادكرت. تذكرت..
١٨ في النسختين: خلق. وهو تحريف..
١٩ [الإسراء: ١١]..
٢٠ من قوله تعالى: ﴿الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير﴾ [الروم: ٥٤]..
٢١ هذا القول أقرب إلى الصواب لأنه أمكن حمل الكلام على معنى صحيح، وهو على ترتيبه، فهو أولى من أن يحمل على أنه مقلوب. انظر الفخر الرازي ٢٢/١٧٢..
٢٢ في ب: عليه السلام والصلاة..
٢٣ سبق تخريجه..
٢٤ ينظر هذه اللغات في اللسان (ددن-ددا)..
٢٥ البحر المحيط ٦/٣١٣..
٢٦ انظر البحر المحيط ٦/٣١٣، والبيت من بحر البسيط لم أهتد إلى قائله وهو في الكشاف ٣/١١-١٢، تفسير ابن عطية ١٠/١٥١، اللسان (عجل) تفسير القرطبي ١١/٢٨٩، البحر المحيط ٦/٣١٣.
النبع: شجر من أشجار الجبال تتخذ منه القسي: الصماء: الصلبة. يقول: النبع منبته في الصخرة الصماء، والنخل ينبت في الأرض اللينة. والشاهد فيه أن (العجل) بمعنى الطين..

٢٧ الكشاف ٣/١٢..
٢٨ الدر المصون ٥/٤٩..
٢٩ انظر التبيان ٢/٩١٨..
٣٠ المرجع السابق..
٣١ المختصر: (٩١)، البحر المحيط ٦/٣١٣..
٣٢ النظر الفخر الرازي ٢٢/١٧٢..
٣٣ الأول أقرب إلى النظم وهو : الهلاك المعجل في الدنيا والعذاب في الآخرة انظر الفخر الرازي ٢٢/١٧٢، البحر المحيط ٦/٣١٣..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى