فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
لما أبطل كون الأصنام نافعة أضرب عن ذلك منتقلاً إلى بيان أن ما هم فيه من الخير والتمتع بالحياة العاجلة هو من الله، لا من مانع يمنعهم من الهلاك، ولا من ناصر ينصرهم على أسباب التمتع فقال :﴿بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلاء وَآبَاءهُمْ﴾ يعني : أهل مكة متعهّم الله بما أنعم عليهم ﴿حتى طَالَ عَلَيْهِمُ العمر﴾ فاغترّوا بذلك وظنوا أنهم لا يزالون كذلك، فرد سبحانه عليهم قائلاً :﴿أَفَلاَ يَرَوْنَ﴾ أي أفلا ينظرون فيرون ﴿أَنَّا نَأْتِي الأرض نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ أي أرض الكفر ننقصها بالظهور عليها من أطرافها فنفتحها بلداً بعد بلد وأرضاً بعد أرض، وقيل : ننقصها بالقتل والسبي، وقد مضى في الرعد الكلام على هذا مستوفى، والاستفهام في قوله :﴿أَفَهُمُ الغالبون﴾ للإنكار، والفاء للعطف على مقدّر كنظائره، أي كيف يكونون غالبين بعد نقصنا لأرضهم من أطرافها ؟ وفي هذا إشارة إلى أن الغالبين هم المسلمون.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج أحمد والترمذي، وابن جرير في تهذيبه، وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن عائشة ( أن رجلاً قال : يا رسول الله إن لي مملوكين يكذبونني ويخونونني ويعصونني وأضربهم وأشتمهم فكيف أنا منهم ؟ فقال له رسول الله ﷺ :( يحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك وعتابك إياهم، فإن كان عقابك إياهم دون ذنوبهم كان فضلا لك، وإن كان عقابك إياهم بقدر ذنوبهم كان كفافا لا عليك ولا لك، وإن كان عقابك إياهم دون ذنوبهم اقتصّ لهم منك الفضل )، فجعل الرجل يبكي ويهتف، فقال رسول الله ﷺ :( أما تقرأ كتاب الله :﴿وَنَضَعُ الموازين القسط لِيَوْمِ القيامة فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ منْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وكفى بِنَا حاسبين﴾ ) فقال له الرجل : يا رسول الله، ما أجد لي ولهم خيراً من مفارقتهم أشهدك أنهم أحرار ). رواه أحمد هكذا : حدّثنا أبو نوح الأقراد، أخبرنا ليث بن سعد عن مالك بن أنس عن الزهري عن عروة، عن عائشة فذكره، وفي معناه أحاديث. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر عن ابن عباس أنه كان يقرأ :﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى وهارون الفرقان وَضِيَاء﴾. وأخرج عبد بن حميد عن أبي صالح ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى وهارون الفرقان﴾ قال : التوراة. وأخرج ابن جرير عن قتادة نحوه. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال :﴿الفرقان﴾ : الحقّ. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة :﴿وهذا ذِكْرٌ مبَارَكٌ﴾ أي القرآن. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله :﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إبراهيم رُشْدَهُ﴾ قال : هديناه صغيراً، وفي قوله :﴿مَا هذه التماثيل﴾ قال : الأصنام.