اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَنُوحاً إِذْ نادى مِن قَبْلُ﴾ الآية. في نصب «نوحاً » وجهان :
أحدهما : أنه منصوب عطفاً على «لوطاً » فيكون مشتركاً معه في عامله الذي هو «آتَيْنَاهُ » المفسر ب «آتَيْنَاهُ » الظاهر، وكذلك ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ والتقدير : وَنُوحاً آتيناه حُكْماً وداود وسليمان آتيناهما حكماً(١)، وعلى هذا ف «إذْ » بدل من «نُوحاً » ومن «داود وسليمان » بدل اشتمال، وتقدم تحقيق مثل هذا في طه(٢).
الثاني : أنه منصوب بإضمار ( اذكر )، أي : اذكر نوحاً وداود وسليمان أي : اذكر خبرها وقصتهم، وعلى هذا فيكون «إذْ » منصوبة بنفس المضاف المقدر، أي : خبرهم(٣) الواقع في وقت كان كيت وكيت(٤).
وقوله :«مَنْ قَبْلُ » أي : من قبل هؤلاء المذكورين(٥).

فصل


المراد من هذا النداء(٦) : دعاؤه على قومه بالعذاب، ويدل على لك قوله :﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ فانتصر﴾(٧)، وقوله :﴿رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّاراً﴾(٨) ويؤكده قوله تعالى ﴿فاستجبنا لَهُ﴾(٩) «فَنَجَّيْنَاهُ »، يدل على ذلك أنَّ نداءه ودعاءه كان بأن ينجيه مما يلحقه من جهتهم من الأذى بسبب تكذيبهم وردهم عليه واتفق المحققون على أنَّ ذلك النداء كان بأمر الله، لأنَّه لو لم يكن بإذنه لم يؤمن أن يكون المصلحة أن لا يجاب إليه، فيصير ذلك سبباً لنقصان حال الأنبياء. وقال آخرون : لم يكن مأذوناً له في ذلك. قال أبو أمامة : لم يتحسر أحد من(١٠) خلق الله كحسرة آدم ونوح -عليهما السلام(١١)- فحسرة آدم على قبول(١٢) وسوسة إبليس، وحسرة نوح على دعائه على قومه فأوحى الله إليه أن دعوتك وافقت قدرتي(١٣) قوله :﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الكرب العظيم﴾ المراد بالأهل هنا أهل دينه(١٤) قال ابن عباس : المراد ﴿مِنَ الكرب العظيم﴾ من الغرق وتكذيبه قومه(١٥) وقيل : لأنه كان أطول الأنبياء عُمراً وأشدَّهُمْ بلاءً، والكرب أشد الغم(١٦).
١ انظر التبيان ٢/٩٢٢، البحر المحيط ٦/٣٣٠..
٢ انظر سورة طه..
٣ في الأصل: أخبرهم..
٤ انظر معاني القرآن وإعرابه للزجاج ٣/٣٩٩، ومشكل إعراب القرآن ٢/٨٥، البيان ٢/١٦٣ والتبيان ٢/٩٢٣..
٥ انظر الكشاف ٣/١٧..
٦ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/١٩٣..
٧ من قوله تعالى: ﴿فدعا ربه أني مغلوب فانتصر﴾ [القمر: ١٠]..
٨ [نوح: ٢٦]..
٩ فاستجبنا له: سقط من الأصل..
١٠ في النسختين: لم يحسر أحد في..
١١ في ب: عليهما الصلاة والسلام..
١٢ قبول: سقط من ب..
١٣ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/١٩٣..
١٤ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٩٣..
١٥ انظر البغوي ٥/٥٠٢..
١٦ المرجع السابق..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى