تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي
عن الكتاب
يقول تعالى راداً على من أنكر بعثة الرسل من البشر :﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نوحي إِلَيْهِمْ﴾ أي جميع الرسل الذين تقدموا كانوا رجالاً من البشر لم يكن فيهم أحد من الملائكة، كما قال في الآية الأخرى :﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نوحي إِلَيْهِمْ مِّنْ أَهْلِ القرى﴾ [يوسف: ١٠٩]، وقال تعالى :﴿قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ الرسل﴾ [الأحقاف: ٩]. وقال تعالى حكاية عمن تقدم من الأمم لأنهم أنكروا ذلك فقالوا :﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ [التغابن: ٦]، ولهذا قال تعالى :﴿فاسئلوا أَهْلَ الذكر إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾، أي اسألوا أهل العلم من الأمم كاليهود والنصارى وسائر الطوائف هل كان الرسل الذين أتوهم بشراً أو ملائكة؟ وقوله :﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لاَّ يَأْكُلُونَ الطعام﴾ أي بل قد كانوا أجساداً يأكلون الطعام، كما قال تعالى :﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ المرسلين إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطعام وَيَمْشُونَ فِي الأسواق﴾ [الفرقان: ٢٠] : أي قد كانوا بشراً من البشر، يأكلون ويشربون مثل الناس، ويدخلون في الأسواق للتكسب والتجارة، وليس ذلك بضار لهم ولا ناقص منهم شيئاً كما توهمه المشركون في قولهم :﴿وَقَالُواْ مَالِ هذا الرسول يَأْكُلُ الطعام وَيَمْشِي فِي الأسواق لولا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً﴾ [الفرقان: ٧]. وقوله :﴿وَمَا كَانُواْ خَالِدِينَ﴾ أي في الدنيا، بل كانوا يعيشون ثم يموتون ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الخلد﴾ [الأنبياء: ٣٤] وخاصتهم أنهم يوحى إليهم من الله عزَّ وجلَّ تنزل عليهم الملائكة عن الله بما يحكمه في خلقه مما يأمر به وينهى عنه، وقوله :﴿ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الوعد﴾ أي الذي وعدهم ربهم ليهلكن الظالمين، صدقهم الله وعده وفعل ذلك، ولهذا قال ﴿فَأَنجَيْنَاهُمْ وَمَن نَّشَآءُ﴾ أي أتباعهم من المؤمنين، ﴿وَأَهْلَكْنَا المسرفين﴾ : أي المكذبين بما جاءت به الرسل.