غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
القراآت ﴿جذاذاً﴾ بكسر الجيم : علي. الآخرون بضمها ﴿أف﴾ بفتح الفاء : ابن كثير وابن عامر وسهل ويعقوب ﴿أف﴾ بالكسر والتنوين : أبو جعفر ونافع وحفص. الباقون بالكسر من غير تنوين ﴿لنحصنكم﴾ بالنون : أبو بكر وحماد ورويس وبالتاء الفوقانية والضمير للصنعة أو للدرع لأنها مؤنثة سماعاً : ابن عامر ويزيد وحفص والمفضل وروح وزيد. الباقون بالياء التحتانية والضمير لداود عليه السلام أو للبوس والكل بتخفيف الصاد والرياح على الجمع : يزيد بطريق المفضل الآخرون على التوحيد. ﴿مسني الضر﴾ و ﴿عبادي الصالحون﴾ في آخر السورة مرسلة الياء : حمزة. الباقون بفتحها ﴿وأن لن﴾ يقدر بالياء مجهولاً : يعقوب ﴿ننجي﴾ بضم النون الواحدة وتشديد الجيم وتسكين الياء : ابن عامر وعباس وأبو بكر وحماد. الآخرون من الإنجاء مخففاً.
الوقوف :﴿عالمين﴾ ج٥ لأن " إذ " يصلح ظرفاً لآتينا أو ﴿لرشده﴾ أو للعلم به مفعولاً لأذكر محذوفاً ﴿عاكفون﴾ ٥ ﴿عابدين﴾ ٥ ﴿مبين﴾ ٥ ﴿اللاعبين﴾ ٥ ﴿فطرهن﴾. ز لواو الابتداء والحال أولى ﴿الشاهدين﴾ ٥ ﴿يرجعون﴾ ٥ ﴿الظالمين﴾ ٥ ﴿إبراهيم﴾ ٥ ﴿يشهدون﴾ ٥ ﴿يا إبراهيم﴾ ٥ط ﴿فعله﴾. وفيه بعد ويجيء في التفسير ﴿ينطقون﴾ ٥ ﴿الظالمون﴾ ٥ لا للعطف ﴿على رؤوسهم﴾ ج لاتحاد المقصود مع إضمار القول ﴿ينطقون﴾ ٥ ﴿ولا يضركم﴾ ط لاستئناف الدعاء عليهم ﴿من دون الله﴾ ط ﴿تعقلون﴾ ٥ ﴿فاعلين﴾ ٥ ﴿على إبراهيم﴾ ٥ لا بناء على أن التقدير وقد أرادوا ﴿الأخسرين﴾ ج٥ للعطف والآية ﴿للعالمين﴾ ٥ ﴿إسحق﴾ ط بناء على أن المراد ووهبنا له يعقوب حال كونه نافلة ﴿نافلة﴾ ط ﴿صالحين﴾ ٥ ﴿الزكاة﴾ ج لاحتمال الاستئناف والحال ﴿عابدين﴾ ٥ وكان ينبغي أن لا يوقف للعطف ولكنهم حكموا بالوقف لتمام القصة وكذلك أمثالها ﴿الخبائث﴾ ط ﴿فاسقين﴾ ٥ لا بناء على أن التقدير وقد أدخلناه ﴿رحمتنا﴾ ط ﴿الصالحين﴾ ٥ ﴿العظيم﴾ ٥ ج للعطف مع الآية ﴿بآياتنا﴾ ط ﴿أجمعين﴾ ٥ ﴿غنم القوم﴾ ج لاحتمال الواو بعده الاستئناف والحال ﴿شاهدين﴾ ٥ لا للعطف بالفاء ﴿سليمان﴾ ج لانقطاع النظم بتقديم المفعول مع اتحاد الكلام ﴿وعلماً﴾ ز لعطف المتفقين مع نوع عدول ﴿والطير﴾ ط ﴿فاعلين﴾ ٥ ﴿من بأسكم﴾ ج للاستفهام مع الفاء ﴿شاكرون﴾ ٥ ﴿فيها﴾ ط ﴿عالمين﴾ ٥ ﴿دون ذلك﴾ ج لاحتمال الاستئناف والحال ﴿حافظين﴾ ٥ ﴿الراحمين﴾ ٥ ط للفاء وللآية ﴿للعابدين﴾ ٥ ﴿وذا الكفل﴾ ط ﴿الصابرين﴾ ٥ وقد يوصل لعطف ﴿وأدخلناهم﴾ على ﴿نجينا﴾ للقدرة ﴿في رحمتنا﴾ ط الصالحين ٥ ﴿سبحانك﴾ قد يوقف لأجل " أن " ولكنه داخل في حكم النداء ﴿الظالمين﴾ ج٥ على ما ذكر في الوجهين ﴿فاستجبنا له﴾ لا لاتفاق الجملتين واتصال النجاة بالاستجابة ﴿من الغم﴾ ط ﴿المؤمنين﴾ ٥ ﴿الوارثين﴾ ٥ ﴿فاستجبنا له﴾ ٥ لا مكان الفصل بين الاستجابة المعجلة وحصول الولد الموهوب على المهلة ﴿زوجه﴾ ط ﴿ورهباً﴾ ط ﴿خاشعين﴾ ط ﴿للعالمين﴾ ٥.
فلما نظر أيوب في شأنه وليس عنده لا طعام ولا شراب ولا صديق وقد ذهبت امرأته خر ساجداً وقال ﴿إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين﴾. فقال : ارفع رأسك فقد استجبت لك ﴿اركض برجلك﴾ [ص: ٤٢] فركض برجله فنبعت عين ماء فاغتسل منها فلم يبق في ظاهر بدنه دابة. إلا سقطت ثم ضرب رجله مرة أخرى فنبعت عين أخرى فشرب منها فلم يبق في جوفه داء إلا خرج وقام صحيحاً، وعاد إلى شبابه وجماله حتى صار أحسن مما كان حتى ذكر أن الماء الذي اغتسل منه تطاير على صدره جراداً من ذهب فجعل يضمه بيده فأوحي إليه : يا أيوب ألم أغنك ؟ قال : بلى ولكنها بركتك فمن يشبع منها. قال : فخرج حتى جلس على مكان مشرف. ثم إن امرأته قالت : هب أنه طردني أفأتركه حتى يموت وتأكله السباع لأرجعن إليه. فلما رجعت ما رأته في تلك الكناسة ولا تلك الحالة فجعلت تطوف وتبكي فدعاها أيوب وقال : ما تريدين يا أمة الله ؟ فقالت : أردت ذلك المبتلى الذي كان ملقى على الكناسة. فقال : تعرفينه إذا رايته ؟ قالت : وهل يخفى علي أحد يراه. فتبسم قائلاً : أنا هو. فعرفته بضحكه فاعتنقته ثم قال : إنك أمرتني أن أذبح لإبليس وإني أطعت الله وعصيت الشيطان فعافاني الله ببركة ذلك.
الرواية الثالثة : قال الضحاك ومقاتل : بقي في البلاء سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام وسبع ساعات، فلما غلب أيوب إبليس ذهب إبليس إلى امرأته على هيئة ليست كهيئة بني آدم في العظم والجسم والجمال على مركب ليس كمراكب الناس وقال لها : أنت صاحبة أيوب ؟ قالت : نعم. قال : فهل تعرفيني ؟ قالت : لا. قال : أنا إله الأرض، أنا صنعت بأيوب ما صنعت وذلك أنه عبد إله السماء وتركني فأغضبني ولو سجد لي سجدة واحدة رددت عليه وعليك جميع ما لكما من مال وولد فإن ذلك عندي. قال وهب : وسمعت أنه قال : لو أن صاحبك أكل طعاماً ولم يسم الله تعالى لعوفي مما فيه من البلاء. وأيضا قال لها : لو شئت فاسجدي لي سجدة واحدة حتى أرد عليك المال والولد وأعافي زوجك. فرجعت إلى أيوب فأخبرته فقال : أتاك عدوّ الله ليفتنك عن دينك، ثم أقسم لئن عافاني الله لأجلدنك مائة جلدة وقال عند ذلك ﴿مسني الضر﴾ يعني من طمع إبليس في سجودي وسجود زوجتي له.
الرواية الرابعة قال إسماعيل السدي : إن إبليس تمثل للقوم في صورة بشر وقال : تركتم أيوب في قريتكم أعدى إليكم ما به من العلة، فأخرجوه إلى باب البلد ثم قال لهم : إن امرأته تدخل عليكم وتعمل وتمس زوجها أما تخافون أن تعدي إليكم علته، فحينئذ لم يستعملها أحد فتحيرت وكان لها ثلاث ذوائب فعمدت إلى إحداها وقطعتها وباعتها فأعطوها بذلك خبزاً ولحماً فقال أيوب : من أين هذا ؟ قالت : كل فإنه حلال. فلما كان من الغد لم تجد شيئاً فباعت الثانية، وكذلك فعلت في اليوم الثالث وقالت : كل فإنه حلال. فقال : لا آكل أو تخبريني فأخبرته فبلغ ذلك من أيوب ما الله به عليم فقال :﴿رب إني مسني الضر﴾.
والرواية الخامسة قيل : سقطت دودة من فخذه فرفعها وردها غلى موضعها وقال : قد جعلني الله طعمة لك فعضته عضة شديدة فقال :﴿مسني الضر﴾ فأوحى الله إليه : لولا أني جعلت في كل شعرة منك صبراً لما صبرت. واعلم أن مس الضر ههنا مطلق إلا أنه ورد في " ص " مقيداً وذلك قوله ﴿أني مسني الشيطان بنصب وعذاب﴾ [ص: ٤١] فصح أن يكون سنداً لهذه الروايات إلا أن الجبائي طعن فيها بأن الشيطان كيف يقدر على إحداث الأمراض والأسقام والقادر على ذلك قادر على خلق الأجسام وحينئذ يكون إلهاً. وأيضاً إن هذه التأثيرات تنافي قوله سبحانه حكاية عنه ﴿وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم﴾ [إبراهيم: ٢٢] والجواب أنه كان بإذن من الله كما حكينا فلا محذور ولا تنافي. وقال ومن البعيد أنه لم يسأل الله إلا عند أمور مخصوصة والجواب أن الأمور مرهونة بأوقاتها. وقال انتهاء أمراض الأنبياء إلى حد التنفير من القبول غير جائز. والجواب المنع ولاسيما بشرط العافية في العاقبة. قوله سبحانه ﴿فكشفنا ما به من ضر﴾ مجمل يقتضي إعادته إلى ما كان في بدنه وأحواله. وقوله :﴿وآتيناه أهله ومثلهم معهم﴾ تفصيل لذلك المجمل وفيه قولان : الأول قال ابن عباس وابن مسعود وقتادة ومقاتل والكلبي : إن الله تعالى أحيا له أهله يعني أولاده بأعيانهم. والثاني قال الليث : أرسل مجاهد إلى عكرمة وسئل عن الآية فقال : أراد أهلك لك في الآخرة وآتيناك مثلهم في الدنيا. فقد روي أن زوجته ولدت بعد ذلك ستة وعشرين ابناً له. ثم بين الحكمة في ذلك الابتلاء ثم الاستجابة بقوله ﴿رحمة من عندنا﴾ لأيوب ﴿وذكرى﴾ لغيره من العابدين للرحمن أو الرحمة والذكرى كلاهما ﴿للعابدين﴾ لكي يتفكروا فيصبروا كما صبر حتى يثابوا في الدارين كما أثيب. وإنما خص الرحمة والتذكرة بالعابدين لأنهم هم المنتفعون بذلك لا الذين يعبدون الهوى والشيطان. قال أهل البرهان : إنما قال في هذه السورة ﴿رحمة من عندنا﴾ وقال في " ص " ﴿رحمة منا﴾ [ص: ٤٣] لأنه بالغ ههنا في الدعاء بزيادة قوله :﴿وأنت أرحم الراحمين﴾ فبالغ في الاستجابة لأن لفظ " عند " يدل على مزيد التخصيص وأنه سبحانه تولى ذلك من غير واسطة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل : الإشارات المفهومة من قصص الأنبياء أكثرها مرّ فلنذكر ما يختص بالمقام. منها قوله ﴿بل فعله كبيرهم﴾ أي الله الكبير لأن كسر الأصنام ليس من طبيعة الإنسانية بل من طبيعتها أن تنحتها، فإن صدر من أحدهم كسرها فإنما ذلك بتوفيق الله وتأييده. فقوله ﴿هذا﴾ بدل الكلِ من الضمير في فعله :﴿قالوا حرقوه﴾ إذا أراد الله أن يكمل عبداً من عباده المخلصين فداه خلقاً عظيماً كما أراد استكمال حوت في البحر فداه كثيراً من الحيتان الصغار، فلما أراد تخليص جسد الخلة من غش البشرية جعل نمرود وقومه فداء له حتى أجمعوا على تحريقه ولم يعلموا أن تلك النار له نور. وذلك العذاب له روح وريحان، لأن نار العشق قد أحرقت أنانيته حتى لم ير غير الله بل لم يبق إلا هو فلم يمكن للنار أن تتصرف فيه فوقع قوله :﴿قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم﴾ تمثيلاً لهذا المعنى.
ونجينا إبراهيم الروح ولوط القلب من أرض البشرية إلى أرض الروحانية المتبركة المشرفة المشرقة لتجلي الذات والصفات. ﴿ونجيناه﴾ من قرية القالب. ﴿التي كانت تعمل الخبائث﴾ بالأوصاف البهيمية والسبعية ﴿وداود﴾ الروح ﴿وسليمان﴾ القلب ﴿إذ يحكمان في﴾ شأن حرث الدنيا ﴿إذ نفشت﴾ أي دخلت فيه في ظلمة ليل البشرية ﴿غنم القوم﴾ أي الصفات البشرية من غير راعي العقل فأفسدت الحرث بالإفراط والإسراف. فحكم الروح بانجذابه إلى عالمه بالكلية أن يمنع الأوصاف عن التصرف فيها مطلقاً. ﴿ففهمناها سليمان﴾ القلب لكونه متقلباً في طودي الروح والجسد أن يحكم بمنع التصرف فيها إلى أن يعود الحرث من حالة الإسراف فيه المؤدي إلى الفساد إلى حالة التوسط والاعتدال الذي هو المعتبر في باب الكمال والإكمال جمعاً بين المصلحتين ورعاية للجانبين. ﴿وسخرنا مع داود الجبال﴾ وهي الأعضاء والجوارح التي فيها ثقل وكثافة ﴿يسبحن﴾ بتسبيحه ﴿والطير﴾ وهن القوى الحيوانية السيارة بل الطيارة بين قضاء القلب والقالب. هذا في الباطن، وأما في الظاهر فإذا استولى سلطان الذكر على أجزاء البدن انعكس نوره في مرآة القلب إلى ما يحاذيها من الجمادات والحيوانات فيذكر ما يذكره كالحصاة سبحت في يد رسول الله ﷺ. وعن بعض الصحابة أنه قال : كنا نأكل الطعام ونسمع تسبيحه ﴿وعلمنا صنعة لبوس لكم﴾ إن الله تعالى ألهم داود الروح كيفية إلانة القلب الذي هو في القساوة بمنزلة الحديد حتى يتولد من ذلك القلب أوصاف حميدة تحصن الإنسان من بأس الأعداء التي هي النفس والهوى والشيطان. ﴿وسخرنا لسليمان﴾ القلب ريح الروح الحيواني فإنه مركب الروح الإنساني به يتهيأ له السير إلى مقام بورك له فيه ﴿ومن الشياطين﴾ وهم الأوصاف النفسية ﴿من يغوصون له﴾ في بحر الحديد فيستخرجون درر الفضائل الإنسية ﴿ويعملون عملاً دون ذلك﴾ من الوسائط والوسائل إلى تلك الفضائل :﴿وكنا لهم حافظين﴾ من أن يزيغوا عن سواء السبيل ويميلوا عن جادة الشريعة وقانون الطريقة. قال أهل التحقيق : إذا بلغ الإنسان مبلغ الرجال البالغين سخر الله له بحسب مقامه السفليات والعلويات كما سخر لسليمان الريح والجن والشياطين والطير ومن العلويات الشمس حين ردت أجل صلاته، وسخر لنبينا جميع السفليات والعلويات حتى قال " زويت لي الأرض " وقال " أوتيت مفاتيح خزائن الأرض " وكان الماء ينبع من بين أصابعه. وقال " نصرت بالصبا " وكانت الأشجار تسلم عليه وتسجد له وتنقلع بإشارته من مكانها وترجع، والحيوانات تتكلم معه وتشهد بنبوته. وقال " أسلم شيطاني على يدي " وأما من العلويات فقد انشق القمر بإشارته وسخر له البراق وجبرائيل، وعبر السموات والجنة والنار والعرش والكرسي إلى مقام قاب قوسين أو أدنى. ﴿وأيوب﴾ القلب المبتلى بديوان الهواجس والوساوس الذي فارقه أوصافه الحميدة وأخلاقه الشريفة لشدة تألمه بالعلائق البدنية وعوائق الأمور الدنيوية ﴿فكشفنا ما به من ضر﴾ بأن قلنا له ﴿إركض برجلك﴾ [ص: ٤٢] نظيره ﴿وألق ما في يمينك﴾ [طه: ٦٩] لينبع ماء حياة العلم والمعرفة فتسلم من تعلقات الكونين المؤذية للقلب والروح ﴿إذ ذهب﴾ من عالمه ﴿مغاضباً﴾ لغيره من المجردات فألقي في بحر الدنيا فالتقمه حوت النفس الأمارة بالسوء، وابتلع حوت النفس حوت القالب ﴿فنادى﴾ في ظلمات حجب النفس والقالب والدنيا ﴿وزكريا﴾ الروح ﴿وهبنا له يحيى﴾ القلب ﴿وأصلحنا له﴾ زوج القالب ﴿ويدعوننا رغباً﴾ في الفناء فينا ﴿ورهباً﴾ من البقاء بأنانيتهم ﴿وكانوا لنا خاشعين﴾ أما القالب فبأعمال الشريعة، وأما النفس فبتهذيب الأخلاق، وأما القلب فبالاطمئنان بذكر الله، وأما السر فباجتهاده في كشف الأسرار، وأما الروح فببذل الوجود في طلب المعبود، وأما الخفي فبإفنائه في الله وبقائه بالله. ﴿ومريم﴾ النفس ﴿التي أحصنت﴾ قلبها عن تصرفات الكونين فأحييناها بالحياة الأبدية.
الوقوف :﴿عالمين﴾ ج٥ لأن " إذ " يصلح ظرفاً لآتينا أو ﴿لرشده﴾ أو للعلم به مفعولاً لأذكر محذوفاً ﴿عاكفون﴾ ٥ ﴿عابدين﴾ ٥ ﴿مبين﴾ ٥ ﴿اللاعبين﴾ ٥ ﴿فطرهن﴾. ز لواو الابتداء والحال أولى ﴿الشاهدين﴾ ٥ ﴿يرجعون﴾ ٥ ﴿الظالمين﴾ ٥ ﴿إبراهيم﴾ ٥ ﴿يشهدون﴾ ٥ ﴿يا إبراهيم﴾ ٥ط ﴿فعله﴾. وفيه بعد ويجيء في التفسير ﴿ينطقون﴾ ٥ ﴿الظالمون﴾ ٥ لا للعطف ﴿على رؤوسهم﴾ ج لاتحاد المقصود مع إضمار القول ﴿ينطقون﴾ ٥ ﴿ولا يضركم﴾ ط لاستئناف الدعاء عليهم ﴿من دون الله﴾ ط ﴿تعقلون﴾ ٥ ﴿فاعلين﴾ ٥ ﴿على إبراهيم﴾ ٥ لا بناء على أن التقدير وقد أرادوا ﴿الأخسرين﴾ ج٥ للعطف والآية ﴿للعالمين﴾ ٥ ﴿إسحق﴾ ط بناء على أن المراد ووهبنا له يعقوب حال كونه نافلة ﴿نافلة﴾ ط ﴿صالحين﴾ ٥ ﴿الزكاة﴾ ج لاحتمال الاستئناف والحال ﴿عابدين﴾ ٥ وكان ينبغي أن لا يوقف للعطف ولكنهم حكموا بالوقف لتمام القصة وكذلك أمثالها ﴿الخبائث﴾ ط ﴿فاسقين﴾ ٥ لا بناء على أن التقدير وقد أدخلناه ﴿رحمتنا﴾ ط ﴿الصالحين﴾ ٥ ﴿العظيم﴾ ٥ ج للعطف مع الآية ﴿بآياتنا﴾ ط ﴿أجمعين﴾ ٥ ﴿غنم القوم﴾ ج لاحتمال الواو بعده الاستئناف والحال ﴿شاهدين﴾ ٥ لا للعطف بالفاء ﴿سليمان﴾ ج لانقطاع النظم بتقديم المفعول مع اتحاد الكلام ﴿وعلماً﴾ ز لعطف المتفقين مع نوع عدول ﴿والطير﴾ ط ﴿فاعلين﴾ ٥ ﴿من بأسكم﴾ ج للاستفهام مع الفاء ﴿شاكرون﴾ ٥ ﴿فيها﴾ ط ﴿عالمين﴾ ٥ ﴿دون ذلك﴾ ج لاحتمال الاستئناف والحال ﴿حافظين﴾ ٥ ﴿الراحمين﴾ ٥ ط للفاء وللآية ﴿للعابدين﴾ ٥ ﴿وذا الكفل﴾ ط ﴿الصابرين﴾ ٥ وقد يوصل لعطف ﴿وأدخلناهم﴾ على ﴿نجينا﴾ للقدرة ﴿في رحمتنا﴾ ط الصالحين ٥ ﴿سبحانك﴾ قد يوقف لأجل " أن " ولكنه داخل في حكم النداء ﴿الظالمين﴾ ج٥ على ما ذكر في الوجهين ﴿فاستجبنا له﴾ لا لاتفاق الجملتين واتصال النجاة بالاستجابة ﴿من الغم﴾ ط ﴿المؤمنين﴾ ٥ ﴿الوارثين﴾ ٥ ﴿فاستجبنا له﴾ ٥ لا مكان الفصل بين الاستجابة المعجلة وحصول الولد الموهوب على المهلة ﴿زوجه﴾ ط ﴿ورهباً﴾ ط ﴿خاشعين﴾ ط ﴿للعالمين﴾ ٥.
فلما نظر أيوب في شأنه وليس عنده لا طعام ولا شراب ولا صديق وقد ذهبت امرأته خر ساجداً وقال ﴿إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين﴾. فقال : ارفع رأسك فقد استجبت لك ﴿اركض برجلك﴾ [ص: ٤٢] فركض برجله فنبعت عين ماء فاغتسل منها فلم يبق في ظاهر بدنه دابة. إلا سقطت ثم ضرب رجله مرة أخرى فنبعت عين أخرى فشرب منها فلم يبق في جوفه داء إلا خرج وقام صحيحاً، وعاد إلى شبابه وجماله حتى صار أحسن مما كان حتى ذكر أن الماء الذي اغتسل منه تطاير على صدره جراداً من ذهب فجعل يضمه بيده فأوحي إليه : يا أيوب ألم أغنك ؟ قال : بلى ولكنها بركتك فمن يشبع منها. قال : فخرج حتى جلس على مكان مشرف. ثم إن امرأته قالت : هب أنه طردني أفأتركه حتى يموت وتأكله السباع لأرجعن إليه. فلما رجعت ما رأته في تلك الكناسة ولا تلك الحالة فجعلت تطوف وتبكي فدعاها أيوب وقال : ما تريدين يا أمة الله ؟ فقالت : أردت ذلك المبتلى الذي كان ملقى على الكناسة. فقال : تعرفينه إذا رايته ؟ قالت : وهل يخفى علي أحد يراه. فتبسم قائلاً : أنا هو. فعرفته بضحكه فاعتنقته ثم قال : إنك أمرتني أن أذبح لإبليس وإني أطعت الله وعصيت الشيطان فعافاني الله ببركة ذلك.
الرواية الثالثة : قال الضحاك ومقاتل : بقي في البلاء سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام وسبع ساعات، فلما غلب أيوب إبليس ذهب إبليس إلى امرأته على هيئة ليست كهيئة بني آدم في العظم والجسم والجمال على مركب ليس كمراكب الناس وقال لها : أنت صاحبة أيوب ؟ قالت : نعم. قال : فهل تعرفيني ؟ قالت : لا. قال : أنا إله الأرض، أنا صنعت بأيوب ما صنعت وذلك أنه عبد إله السماء وتركني فأغضبني ولو سجد لي سجدة واحدة رددت عليه وعليك جميع ما لكما من مال وولد فإن ذلك عندي. قال وهب : وسمعت أنه قال : لو أن صاحبك أكل طعاماً ولم يسم الله تعالى لعوفي مما فيه من البلاء. وأيضا قال لها : لو شئت فاسجدي لي سجدة واحدة حتى أرد عليك المال والولد وأعافي زوجك. فرجعت إلى أيوب فأخبرته فقال : أتاك عدوّ الله ليفتنك عن دينك، ثم أقسم لئن عافاني الله لأجلدنك مائة جلدة وقال عند ذلك ﴿مسني الضر﴾ يعني من طمع إبليس في سجودي وسجود زوجتي له.
الرواية الرابعة قال إسماعيل السدي : إن إبليس تمثل للقوم في صورة بشر وقال : تركتم أيوب في قريتكم أعدى إليكم ما به من العلة، فأخرجوه إلى باب البلد ثم قال لهم : إن امرأته تدخل عليكم وتعمل وتمس زوجها أما تخافون أن تعدي إليكم علته، فحينئذ لم يستعملها أحد فتحيرت وكان لها ثلاث ذوائب فعمدت إلى إحداها وقطعتها وباعتها فأعطوها بذلك خبزاً ولحماً فقال أيوب : من أين هذا ؟ قالت : كل فإنه حلال. فلما كان من الغد لم تجد شيئاً فباعت الثانية، وكذلك فعلت في اليوم الثالث وقالت : كل فإنه حلال. فقال : لا آكل أو تخبريني فأخبرته فبلغ ذلك من أيوب ما الله به عليم فقال :﴿رب إني مسني الضر﴾.
والرواية الخامسة قيل : سقطت دودة من فخذه فرفعها وردها غلى موضعها وقال : قد جعلني الله طعمة لك فعضته عضة شديدة فقال :﴿مسني الضر﴾ فأوحى الله إليه : لولا أني جعلت في كل شعرة منك صبراً لما صبرت. واعلم أن مس الضر ههنا مطلق إلا أنه ورد في " ص " مقيداً وذلك قوله ﴿أني مسني الشيطان بنصب وعذاب﴾ [ص: ٤١] فصح أن يكون سنداً لهذه الروايات إلا أن الجبائي طعن فيها بأن الشيطان كيف يقدر على إحداث الأمراض والأسقام والقادر على ذلك قادر على خلق الأجسام وحينئذ يكون إلهاً. وأيضاً إن هذه التأثيرات تنافي قوله سبحانه حكاية عنه ﴿وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم﴾ [إبراهيم: ٢٢] والجواب أنه كان بإذن من الله كما حكينا فلا محذور ولا تنافي. وقال ومن البعيد أنه لم يسأل الله إلا عند أمور مخصوصة والجواب أن الأمور مرهونة بأوقاتها. وقال انتهاء أمراض الأنبياء إلى حد التنفير من القبول غير جائز. والجواب المنع ولاسيما بشرط العافية في العاقبة. قوله سبحانه ﴿فكشفنا ما به من ضر﴾ مجمل يقتضي إعادته إلى ما كان في بدنه وأحواله. وقوله :﴿وآتيناه أهله ومثلهم معهم﴾ تفصيل لذلك المجمل وفيه قولان : الأول قال ابن عباس وابن مسعود وقتادة ومقاتل والكلبي : إن الله تعالى أحيا له أهله يعني أولاده بأعيانهم. والثاني قال الليث : أرسل مجاهد إلى عكرمة وسئل عن الآية فقال : أراد أهلك لك في الآخرة وآتيناك مثلهم في الدنيا. فقد روي أن زوجته ولدت بعد ذلك ستة وعشرين ابناً له. ثم بين الحكمة في ذلك الابتلاء ثم الاستجابة بقوله ﴿رحمة من عندنا﴾ لأيوب ﴿وذكرى﴾ لغيره من العابدين للرحمن أو الرحمة والذكرى كلاهما ﴿للعابدين﴾ لكي يتفكروا فيصبروا كما صبر حتى يثابوا في الدارين كما أثيب. وإنما خص الرحمة والتذكرة بالعابدين لأنهم هم المنتفعون بذلك لا الذين يعبدون الهوى والشيطان. قال أهل البرهان : إنما قال في هذه السورة ﴿رحمة من عندنا﴾ وقال في " ص " ﴿رحمة منا﴾ [ص: ٤٣] لأنه بالغ ههنا في الدعاء بزيادة قوله :﴿وأنت أرحم الراحمين﴾ فبالغ في الاستجابة لأن لفظ " عند " يدل على مزيد التخصيص وأنه سبحانه تولى ذلك من غير واسطة.
| بالنار خوفني قومي فقلت لهم | النار ترحم من في قلبه نار |