تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
وقوله :﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾ أي : أخرجناه من بطن الحوت، وتلك الظلمات، ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي : إذا كانوا في الشدائد ودَعَونا منيبين إلينا، ولا سيما إذا دعوا بهذا الدعاء في حال البلاء، فقد جاء الترغيب في الدعاء بها عن سيد الأنبياء، قال الإمام أحمد :
حدثنا إسماعيل بن عُمَر، حدثنا يونس بن أبي إسحاق الهمداني، حدثنا إبراهيم بن محمد(١) ابن سعد، حدثني والدي محمد عن أبيه سعد، - وهو ابن أبي وقاص - قال : مررت بعثمان بن عفان، رضي الله عنه، في المسجد، فسلمت عليه، فملأ عينيه مني ثم لم يَردُدْ عليّ السلام، فأتيت عمر بن الخطاب فقلت : يا أمير المؤمنين، هل حدث في الإسلام شيء ؟ مرتين، قال : لا وما ذاك ؟ قلت : لا إلا أني مررتُ بعثمان(٢) آنفا في المسجد، فسلمت عليه، فملأ عينيه مني، ثم لم يَرْدُد(٣) علي السلام. قال : فأرسل عمر إلى عثمان فدعاه، فقال : ما منعك ألا تكون رَدَدت على أخيك السلام ؟
قال : ما فعلتُ. قال سعد : قلتُ : بلى(٤) حتى حلفَ وحلفت، قال : ثم إن عثمان ذكرَ فقال : بلى، وأستغفر الله وأتوب إليه، إنك مررت بي آنفا وأنا أحدّث نفسي بكلمة سمعتُها من رسول الله ﷺ لا والله ما ذكرتها قط إلا تَغْشَى بصري وقلبي غشَاوة. قال سعد : فأنا أنبئك بها، إن رسول الله ﷺ ذكر لنا [ أول دعوة ](٥) ثم جاء أعرابي فشغله، حتى قَام رسولُ الله ﷺ فاتبعته، فلما أشفقت أن يسبقني إلى منزله ضربت بقدمي الأرض، فالتفت إليّ رسولُ الله ﷺ فقال :" من هذا ؟ أبو إسحاق ؟ " قال : قلت : نعم، يا رسول الله. قال :" فمه ؟ " قلت : لا والله، إلا أنك ذكرتَ لنا أول دعوة، ثم جاء هذا الأعرابي فشغلك. قال :" نعم، دعوةُ ذي النون، إذ هو في بطن الحوت :﴿لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، فإنه لم يدع بها مسلم ربه في شيء قط إلا استجاب له ".
ورواه الترمذي، والنسائي في " اليوم والليلة "، من حديث إبراهيم بن محمد بن سعد، عن أبيه، عن سعد(٦)، به(٧).
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن كَثِير بن زيد، عن المطلب بن حنطب - قال أبو خالد : أحسبه عن مصعب، يعني : ابن سعد - عن سعد(٨) قال : قال رسول الله ﷺ :" من دعا بدعاء يونس، استُجِيب(٩) له ". قال أبو سعيد : يريد به ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾(١٠).
وقال ابن جرير : حدثني عمران بن بَكَّار الكَلاعي، حدثنا يحيى بن صالح، حدثنا أبو يحيى بن عبد الرحمن، حدثني بِشْر بن منصور، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب قال : سمعت سعد بن مالك - وهو ابن أبي وقاص - يقول : سمعت رسولَ الله ﷺ يقول :" اسم الله الذي إذا دُعي به أجاب، وإذا سُئِل به أعطى، دعوةُ يونس بن متى ". قال : قلت(١١) : يا رسول الله، هي ليونس خاصة أم لجماعة المسلمين ؟ قال : هي ليونس بن متى خاصة وللمؤمنين عامة، إذا دعوا بها، ألم تسمع قول الله عز وجل :﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ. فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾. فهو شرط من الله لمن دعاه به " (١٢).
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن أبي سُرَيج، حدثنا داود بن المُحَبَّر بن قَحْذَم المقدسي، عن كثير بن معبد قال : سألت الحسن، قلت : يا أبا سعيد، اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى ؟ قال : ابنَ أخي، أما تقرأ القرآن ؟ قول الله :﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ إلى قوله :﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾، ابن أخي، هذا اسم الله الأعظم، الذي إذا دُعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى.
١ - في ت :"محمد بن إبراهيم"..
٢ - في ف، أ :"بعثمان بن عفان رضي الله عنه"..
٣ - في ت :"يرد"..
٤ - في ف: "ويلي"..
٥ - زيادة من ف، أ، والمسند..
٦ - في ت :"ابن سعيد"..
٧ - المسند (١/١٧٠) وسنن الترمذي برقم (٣٥٠٥) وسنن النسائي الكبرى برقم (١٠٤٩٢)..
٨ - في ت :"عن سعيد"..
٩ - في ت :"استجبت"..
١٠ - ورواه الحاكم في المستدرك (٢/٥٨٤) من طريق يحيى بن عبد الحميد، وابن عدي في الكامل (٦/٦٨) من طريق أبي هشام الرفاعي كلاهما عن أبي خالد الأحمر به..
١١ - في ت، ف :"فقلت"..
١٢ - تفسير الطبري (١٧/٦٥)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى