الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي

عن الكتاب
﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ من كربهم إذا استغاثوا بنا ودعونا.
وروى علي بن زيد عن سعيد بن المسيّب قال : سمعت سعد بن مالك يقول : سمعت رسول الله ﷺ يقول :" " اسم الله الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى دعوة يونس بن متّى " قال : فقلت : يا رسول الله هي ليونس خاصة أم لجماعة المسلمين ؟ قال : هي ليونس خاصة وللمؤمنين عامّة إذا دعوا بها، ألم تسمع قول الله تعالى ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾ إلى قوله ﴿وَكَذلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ " وهو شرط الله لمن دعاه بها.
واختلفت القراءة في قوله «ننج » فقرأه العامة بنونين الثانية منهما ساكنة من الإنجاء على معنى نحن ننجي، فإن قيل : لم كتبت في المصاحف بنون واحدة ؟ قيل : لأنّ النون الثانية لمّا سكنت وكان الساكن غير ظاهر على اللسان حذفت، كما فعلوا ذلك بإلاّ فحذفوا النون من لجعلها أو كاشفة إذا كانت مدغمةً في اللام، وقرأ ابن عامر وعاصم برواية ابن بكر ﴿نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ بنون واحدة وتشديد الجيم وتسكين الياء، واختلف النحاة في هذه القراءة فمنهم من صوّبها وقال : فيه اضمار معناه : نجي المؤمنين كما يقال : ضرب زيداً بمعنى ضرب الضرب زيداً. قال الشاعر :
ولو ولدت قفيرة جرو كلبلسُبَّ بذلك الجرو الكلابا
أراد لسبّه بذلك الجرو ولسبّ الكلابا.
قالوا : وإنّما سكّن الياء في نجّي كما سكّنوها في بقر فقالوا بقره ونحوها وإنّما اتبع أهل هذه القراءة المصحف لأنّها مكتوبة بنون واحدة.
وقال القتيبي : من قرأ بنون واحدة والتشديد فإنّه أراد ننجي من التنجية إلاّ أنّه أدغم وحذف نوناً على طلب الخفّة.
وقال النحويون : وهو رديء لبعد مخرج النون من الجيم، وممن جوّز هذه القراءة أبو عبيد، وأما أبو حاتم السجستاني فإنه لحّنها ونسب قارئها إلى الجهل وقال : هذا لحن لايجوز في اللغة، ولا يحتج بمثل ذلك البيت على كتاب الله سبحانه وتعالى إلاّ أن يقول : وكذلك نُجي المؤمنين، ولو قرئ كذلك لكان صواباً، والله أعلم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى