مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي

عن الكتاب
وأما قوله تعالى :﴿فاستجبنا له﴾ أي فعلنا ما أراده لأجل سؤاله، وفي ذلك إعظام له، فلذلك تقول العلماء بأن الاستجابة ثواب لما فيه من الإعظام.
وأما قوله تعالى :﴿ووهبنا له يحيى﴾ فهو كالتفسير للاستجابة وفي تفسير قوله :﴿وأصلحنا له زوجه﴾ ثلاثة أقوال : أحدها : أصلحها للولادة بأن أزال عنها المانع بالعادة، وهذا أليق بالقصة. والثاني : أنه أصلحها في أخلاقها وقد كانت على طريقة من سوء الخلق وسلاطة اللسان تؤذيه وجعل ذلك من نعمه عليه. والثالث : أنه سبحانه جعلها مصلحة في الدين، فإن صلاحها في الدين من أكبر أعوانه في كونه داعيا إلى الله تعالى فكأنه عليه السلام سأل ربه المعونة على الدين والدنيا بالولد والأهل جميعا. وهذا كأنه أقرب إلى الظاهر لأنه إذا قيل : أصلح الله فلانا فالأظهر فيه ما يتصل بالدين، واعلم أن قوله :﴿ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه﴾ يدل على أن الواو لا تفيد الترتيب لأن إصلاح الزوج مقدم على هبة الولد مع أنه تعالى أخره في اللفظ وبين تعالى مصداق ما ذكرناه فقال :﴿إنهم كانوا يسارعون في الخيرات﴾ وأراد بذلك زكريا وولده وأهله فبين أنه آتاهم ما طلبوه وعضد بعضهم ببعض من حيث كانت طريقتهم أنهم يسارعون في الخيرات، والمسارعة في طاعة الله تعالى من أكبر ما يمدح المرء به لأنه يدل على حرص عظيم على الطاعة.
أما قوله تعالى :﴿ويدعوننا رغبا ورهبا﴾ قرئ رغبا ورهبا وهو كقوله :﴿يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه﴾ والمعنى أنهم ضموا إلى فعل الطاعات والمسارعة فيها أمرين : أحدهما : الفزع إلى الله تعالى لمكان الرغبة في ثوابه والرهبة في عقابه. والثاني : الخشوع وهو المخافة الثابتة في القلب، فيكون الخاشع هو الحذر الذي لا ينبسط في الأمور خوفا من الإثم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى