اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿والتي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ الآية(١). يجوز أن ينتصب قوله :«وَالَّتِي » نسقاً على ما قبلها، وأن ينتصب بإضمار اذكر(٢)، وأن يرتفع بالابتداء، والخبر محذوف، أي : وفيما يتلى عليكم التي أحصنت(٣). ويجوز أن يكون الخبر «فَنَفَخْنَا » وزيدت الفاء على رأي الأخفش نحو زيد فقائم(٤). وفي كلام الزمخشري : نفخنا الروح في عيسى فيها(٥). قال أبو حيان مؤاخذاً له : فاستعمل «نفخ » متعدياً والمحفوظ أنه لا يتعدى فيحتاج في تعديه إلى سماع، وغير متعد استعمله هو في قوله ؛ أي : نفخت في المزمار(٦). انتهى ما آخذه به.
قال شهاب الدين : وقد سمع «نفخ » متعدياً، ويدل على ذلك ما قرئ في الشاذ «فانفخها فَيَكُونُ طَائِراً »(٧)، وقد حكاها هو قراءة(٨)، فكيف ينكرها ؟ فعليك بالالتفات إلى ذلك(٩). وقال ابن الخطيب : جعلنا النفخ في مريم من جهة روحنا وهو جبريل - عليه السلام (١٠)- لأنه نفخ في جيب درعها(١١)، فوصل النفخ إلى جوفها(١٢) أي : أمرنا جبريل فنفخ في جيب درعها، وأحدثنا بذلك النفخ المسيح في بطنها وأضاف الروح إليه تشريفاً لعيسى ( - عليه السلام-(١٣) )(١٤).
ومعنى «أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا » أي : إحصاناً كلياً من الحلال والحرام جميعاً كما قالت :﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً﴾(١٥). وقيل : منعت جبريل جيب(١٦) درعها(١٧) قبل أن تعرفه.
والأول أولى لأنه الظاهر من اللفظ(١٨).
قوله :﴿وَجَعَلْنَاهَا وابنهآ آيَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ أما مريم فآياتها كثيرة :
إحداها : ظهور الحبل فيها لا من ذكر، وذلك معجزة خارجة عن العادة.
وثانيها : أنَّ رزقها كان يأتيها به الملائكة من الجنة لقول زكريا :﴿أنى لَكِ هذا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ الله﴾(١٩).
وثالثها : ورابعها : قال الحسن : أنها لم تلتقم ثدياً(٢٠) قط، وتكلمت هي أيضاً في صباها كما تكلم عيسى(٢١). وأما آيات عيسى - عليه السلام(٢٢) - فقد تقدم بيانها(٢٣) فإن قيل : هلا قيل آيتين(٢٤) كما قال :﴿وَجَعَلْنَا الليل والنهار آيَتَيْنِ﴾ ليطابق المفعول ؟
فالجواب : أنَّ كلاًّ منهما آية بالآخر فصارا آية واحدة، لأنّ حالهما بمجموعهما آية واحدة، وهي ولادتها إياه من غير فحل(٢٥). أو تقول : حذف من الأول لدلالة الثاني، أو بالعكس أي : وجعلنا ابن مريم آية وأمه كذلك(٢٦)، وهو نظير الحذف في قوله :﴿والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾(٢٧) وقد تقدم. أو أنّ معنى الكلام : جعلنا شأنهما وأمرهما آية(٢٨).
١ الآية: سقط من ب..
٢ انظر معاني القرآن وإعرابه للزجاج ٣/٤٠٣، مشكل إعراب القرآن ٢/٨٦، البيان ٢/١٦٤، التبيان ٢/٩٢٥..
٣ انظر التبيان ٢/٩٢٥..
٤ وذلك أن الأخفش يجيز زيادة الفاء في خبر المبتدأ مطلقا..
٥ الكشاف ٣/٢٠..
٦ البحر المحيط ٦/٣٣٦..
٧ من قوله تعالى: ﴿فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله﴾ [آل عمران: ٤٩]. في البحر المحيط: (وقرأ بعض القراء "فأنفخها") ٢/٤٦٦. و "طائرا" قراءة نافع. وغيره قرأ "طيرا". انظر السبعة ٢٠٦..
٨ قال أبو حيان: (وقرأ بعض القراء "فأنفخها" أعاد الضمير على الهيئة المحذوفة إذ يكون التقدير: هيئة كهيئة الطير، أو على الكاف على المعنى، إذ هي بمعنى مماثلة هيئة الطير، فيكون التأنيث هنا كما هو في المائدة في قوله: "فتنفخ فيها") البحر المحيط ٢/٤٦٦..
٩ الدر المصون: ٥/٥٧..
١٠ في ب: عليه الصلاة والسلام..
١١ درع المرأة: قميصها..
١٢ الفخر الرازي ٢٢/٢١٨..
١٣ انظر البحر المحيط ٦/٣٣٦..
١٤ ما بين القوسين في ب: عليه الصلاة والسلام..
١٥ من قوله تعالى: ﴿قالت أنّى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا﴾ [مريم: ٢٠]..
١٦ في الأصل: ذيل..
١٧ في الأصل: ذرعها. وهو تحريف..
١٨ انظر الفخر الرازي ٢٢/٢١٨..
١٩ من قوله تعالى: ﴿قال يا مريم أنّى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب﴾ [آل عمران: ٣٧]..
٢٠ في ب: ثدي..
٢١ انظر الفخر الرازي ٢٢/٢١٨..
٢٢ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٢٣ انظر الفخر الرازي ٢٢/٢١٨..
٢٤ [الإسراء: ١٢]..
٢٥ انظر الفخر الرازي ٢٢/٢١٩. التبيان ٢/٩٢٦، البحر المحيط ٦/٣٣٦..
٢٦ انظر البيان ٢/١٦٤-١٦٥، التبيان ٢/٩٢٦..
٢٧ [التوبة: ٦٢]. والتقدير الأول أولى وهو الحذف من الأول لدلالة الثاني عليه والتقدير: والله أحق أن يرضوه ورسوله أحق أن يرضوه. وهو مذهب سيبويه. البيان ١/٤٠١، التبيان ٢/٦٤٨. وانظر اللباب ٤/٢٢٦..
٢٨ انظر معاني القرآن للفراء ٢/٢١٠، معاني القرآن وإعرابه للزجاج ٣/٤٠٤..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى