البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة

عن الكتاب
ثم ذكر مريم وابنها –عليهما السلام- فقال :
﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَآ آيَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾
يقول الحقّ جلّ جلاله :﴿و﴾ اذكر ﴿التي أحصنت فرْجَها﴾ على الإطلاق من الحلال والحرام، والتعبير عنها بالموصول ؛ لتفخيم شأنها، وتنزيهها عما زعموه في حقها. ﴿فنفخنا فيها من رُّوحِنَا﴾ أي : أجرينا روح عيسى فيه وهو في بطنها، أو نفخنا في درع جيبها من ناحية روحنا، وهو جبريل عليه السلام، فأحدثنا بذلك النفخ عيسى عليه السلام، وإضافة الروح إليه تعالى ؛ لتشريف عيسى عليه السلام، ﴿وجعلناها وابنها﴾ أي قضيتهما، أو حالهما، ﴿آية للعالمين﴾، فإن من تأمل حالهما تحقق بكمال قدرته تعالى. وإنما لم يقل آيتين، كما قال :﴿وَجَعَلْنَا الْلَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾ [الإسرَاء: ١٢] ؛ لأن مجموعهما آية واحدة، وهي ولادتها إياه من غير فحل. وقيل : التقدير : وجعلناها آية وابنها كذلك، فآيةٌ مفعول المعطوف عليه، فحذف أحدهما لدلالة الآخر عليه. والله تعالى أعلم.
الإشارة : مَنْ حَصَّلَ التقوى في صغره، كان آية في كِبَرِهِ. تقول العامة : الثور الحراث في الربك يبان، وتقول الصوفية : البداية مجلاة النهاية. وقالت الحكماء : الصغر يخدم على الكبر. وبالله التوفيق.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى