اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمَنُواْ استجيبوا للَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ الآية.
قال أبو عبيدة، والزجاج :" استَجِيبُوا " معناه : أجيبوا ؛ وأنشدوا قول الغنوي :[ الطويل ]
. . . *** فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبُ(١)
وهذه الآية تدلُّ على أنَّ الأمر يفيدُ الوجوب ؛ لأنها تدل على أنه لا بُدَّ من الإجابة في كل ما دعاه الله إليه.
فإن قيل : قوله ﴿استجيبوا للَّهِ﴾ أمرٌ. فلم قلتم : إنَّه على الوجوب ؟ وهل النّزاع إلا فيه، فيرجع حاصل هذا الكلام إلى إثباتِ أنَّ الأمر للوجوب بناء على أنَّ هذا الأمر يفيدُ الوجوب فيقتضي إثبات الشيء بنفسه، وهو مُحال.
فالجواب : أنَّ من المعلوم بالضَّرورة أنَّ كل ما أمر اللَّهُ به فهو مرغب فيه مندوب إليه، فلو حملنا قوله " اسْتَجِيبوا " على هذا المعنى كان ذلك جارياً مجرى إيضاح الواضحات وهو عبثٌ، فوجب حمله على فائدة زائدة، وهي الوجوب صوناً لهذا النصّ عن التعطيل.
ويؤيده ما روى أبو هريرة " أنَّ النبي ﷺ مَرَّ على باب أبي بن كعب فناداه وهو في الصَّلاة فعجل في صلاته ثم جاء فقال :" ما منعكَ عَنْ إجابتِي " ؟ فقال : كنتُ أصلِّي، فقال :" أليس الله يقول :﴿يا أيها الذين آمَنُواْ استجيبوا للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ " فلامه على ترك الإجابة متمسكاً بهذه الآية(٢).
فإن قيل : مسألةُ الأمر - يفيد الوجوب - مسألةٌ قطعيَّةٌ، فلا يجوز التمسك فيها بخبر الواحد.
فالجوابُ : لا نسلم أنَّ مسألة الأمر - يفيدُ الوجوب - مسألة قطعيةٌ، بل هي ظنيَّةٌ ؛ لأن المقصود منها العمل، والدلائل الظنية كافية في العمل.
فإن قيل : إنَّ الله تعالى ما أمر بالإجابة مطلقاً، بل بشرط خاص، وهو قوله :﴿إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ فلم قلتم إنَّ هذا الشرط الخاص حاصلٌ في جميع الأوامر ؟
فالجواب : أنَّ قصة أبي تدلُّ على أنَّ هذا الحكم عام ليس مخصصاً بشرط معين، وأيضاً فلا يمكن حمل الحياة ههنا على نفس الحياة ؛ لأنَّ إحياء الحيِّ محالٌ ؛ فوجب حملُه على شيء آخر وهو الفوز بالثواب، وكل ما دعا اللَّهُ إليه ورغب فيه مشتمل على الثواب، فكان هذا الحكم عاماً في جميع الأوامر.
في المُرادِ بقوله " لِمَا يُحْييكُم " وجوه :
أحدها : قال السُّديُّ : هو الإيمان والإسلامُ وفيه الحياة(٣)، وقال قتادةُ : يعني القرآن فيه الحياة والنَّجاة(٤). وقال مجاهدٌ : هو الحق(٥).
وقال ابن إسحاق : الجهادُ أعزكم اللَّهُ فيه بعد الذُّلِّ، وقال القتيبيُّ : الشَّهادةُ، قال تعالى :﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩].
قوله ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّ الله يَحُولُ بَيْنَ المرء وَقَلْبِهِ﴾ قال الواحديُّ حكاية عن ابن عباس، والضحاك : يحولُ بين المرءِ الكافرِ وطاعته، ويحولُ بين المطيع ومعصيته، فالسَّعيدُ من أسعده اللَّهُ، والشقيُّ من أضله الله، والقلوب بيده يقلبها كيف يشاء(٦).
وقال السُّديُّ : يحول بين الإنسان وقلبه، فلا يستطيع أن يؤمن ولا أن يكفر إلا بإذنه(٧).
وقال سعيدُ بنُ جبيرٍ، وعطاءٌ : يحولُ بين المؤمن والكفر وبين الكافر والإيمان(٨).
وقيل : إنَّ القوم لمَّا دعوا إلى القتال في حالة الضعف ساءت ظنونهم واختلجت صدورهم، فقيل لهم : قاتلُوا في سبيل اللَّهِ، واعلموا أنَّ الله يحُولُ بين المرءِ وقلبه فيبدلُ الله الخوف أمناً، والجبن جراءة.
قوله :" بَيْنَ المَرْءِ " العامَّةُ على فتح الميم.
وقرأ ابن أبي(٩) إسحاق : بكسرها على إتباعها لحركة الهمزة، وذلك أن في :" المَرْءِ " لغتين : أفصحهما : فَتْح الميم مطلقاً، والثانية : إتباع الميم لحركة الإعراب فتقول : هذا مُرْءٌ - بضم الميم، ورأيت مَرْءاً - بفتحها، ومررت بِمِرْءٍ - بكسرها، وقرأ الحسن(١٠)، والزهري : بفتح الميم وتشديد الرَّاءِ. وتوجيهها : أن يكون نقل حركة الهمزة إلى الرَّاءِ، ثم ضعَّف الراء، وأجرى الوصل مُجْرى الوقف.
قوله " وأنَّهُ " يجوز أن تكون الهاء ضمير الأمر والشأن، وأن تعود على الله تعالى، وهو الأحسن لقوله :" إلَيْهِ تُحْشَرُونَ " أي إلى اللَّهِ ؛ ولا تتركون مهملين.
قوله ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن﴾.
قال أبو عبيدة، والزجاج :" استَجِيبُوا " معناه : أجيبوا ؛ وأنشدوا قول الغنوي :[ الطويل ]
. . . *** فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبُ(١)
وهذه الآية تدلُّ على أنَّ الأمر يفيدُ الوجوب ؛ لأنها تدل على أنه لا بُدَّ من الإجابة في كل ما دعاه الله إليه.
فإن قيل : قوله ﴿استجيبوا للَّهِ﴾ أمرٌ. فلم قلتم : إنَّه على الوجوب ؟ وهل النّزاع إلا فيه، فيرجع حاصل هذا الكلام إلى إثباتِ أنَّ الأمر للوجوب بناء على أنَّ هذا الأمر يفيدُ الوجوب فيقتضي إثبات الشيء بنفسه، وهو مُحال.
فالجواب : أنَّ من المعلوم بالضَّرورة أنَّ كل ما أمر اللَّهُ به فهو مرغب فيه مندوب إليه، فلو حملنا قوله " اسْتَجِيبوا " على هذا المعنى كان ذلك جارياً مجرى إيضاح الواضحات وهو عبثٌ، فوجب حمله على فائدة زائدة، وهي الوجوب صوناً لهذا النصّ عن التعطيل.
ويؤيده ما روى أبو هريرة " أنَّ النبي ﷺ مَرَّ على باب أبي بن كعب فناداه وهو في الصَّلاة فعجل في صلاته ثم جاء فقال :" ما منعكَ عَنْ إجابتِي " ؟ فقال : كنتُ أصلِّي، فقال :" أليس الله يقول :﴿يا أيها الذين آمَنُواْ استجيبوا للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ " فلامه على ترك الإجابة متمسكاً بهذه الآية(٢).
فإن قيل : مسألةُ الأمر - يفيد الوجوب - مسألةٌ قطعيَّةٌ، فلا يجوز التمسك فيها بخبر الواحد.
فالجوابُ : لا نسلم أنَّ مسألة الأمر - يفيدُ الوجوب - مسألة قطعيةٌ، بل هي ظنيَّةٌ ؛ لأن المقصود منها العمل، والدلائل الظنية كافية في العمل.
فإن قيل : إنَّ الله تعالى ما أمر بالإجابة مطلقاً، بل بشرط خاص، وهو قوله :﴿إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ فلم قلتم إنَّ هذا الشرط الخاص حاصلٌ في جميع الأوامر ؟
فالجواب : أنَّ قصة أبي تدلُّ على أنَّ هذا الحكم عام ليس مخصصاً بشرط معين، وأيضاً فلا يمكن حمل الحياة ههنا على نفس الحياة ؛ لأنَّ إحياء الحيِّ محالٌ ؛ فوجب حملُه على شيء آخر وهو الفوز بالثواب، وكل ما دعا اللَّهُ إليه ورغب فيه مشتمل على الثواب، فكان هذا الحكم عاماً في جميع الأوامر.
فصل
في المُرادِ بقوله " لِمَا يُحْييكُم " وجوه :
أحدها : قال السُّديُّ : هو الإيمان والإسلامُ وفيه الحياة(٣)، وقال قتادةُ : يعني القرآن فيه الحياة والنَّجاة(٤). وقال مجاهدٌ : هو الحق(٥).
وقال ابن إسحاق : الجهادُ أعزكم اللَّهُ فيه بعد الذُّلِّ، وقال القتيبيُّ : الشَّهادةُ، قال تعالى :﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩].
قوله ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّ الله يَحُولُ بَيْنَ المرء وَقَلْبِهِ﴾ قال الواحديُّ حكاية عن ابن عباس، والضحاك : يحولُ بين المرءِ الكافرِ وطاعته، ويحولُ بين المطيع ومعصيته، فالسَّعيدُ من أسعده اللَّهُ، والشقيُّ من أضله الله، والقلوب بيده يقلبها كيف يشاء(٦).
وقال السُّديُّ : يحول بين الإنسان وقلبه، فلا يستطيع أن يؤمن ولا أن يكفر إلا بإذنه(٧).
وقال سعيدُ بنُ جبيرٍ، وعطاءٌ : يحولُ بين المؤمن والكفر وبين الكافر والإيمان(٨).
وقيل : إنَّ القوم لمَّا دعوا إلى القتال في حالة الضعف ساءت ظنونهم واختلجت صدورهم، فقيل لهم : قاتلُوا في سبيل اللَّهِ، واعلموا أنَّ الله يحُولُ بين المرءِ وقلبه فيبدلُ الله الخوف أمناً، والجبن جراءة.
قوله :" بَيْنَ المَرْءِ " العامَّةُ على فتح الميم.
وقرأ ابن أبي(٩) إسحاق : بكسرها على إتباعها لحركة الهمزة، وذلك أن في :" المَرْءِ " لغتين : أفصحهما : فَتْح الميم مطلقاً، والثانية : إتباع الميم لحركة الإعراب فتقول : هذا مُرْءٌ - بضم الميم، ورأيت مَرْءاً - بفتحها، ومررت بِمِرْءٍ - بكسرها، وقرأ الحسن(١٠)، والزهري : بفتح الميم وتشديد الرَّاءِ. وتوجيهها : أن يكون نقل حركة الهمزة إلى الرَّاءِ، ثم ضعَّف الراء، وأجرى الوصل مُجْرى الوقف.
قوله " وأنَّهُ " يجوز أن تكون الهاء ضمير الأمر والشأن، وأن تعود على الله تعالى، وهو الأحسن لقوله :" إلَيْهِ تُحْشَرُونَ " أي إلى اللَّهِ ؛ ولا تتركون مهملين.
قوله ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن﴾.
١ عجز بيت لكعب بن سعد الغنوي أو لرجل من قومه يسمى سهم الغنوي وصدره:
وداع دعا يا من يجيب إلى الندى ***...
ينظر مجاز القرآن ١/٦٧، ١١٧، ٢٤٥ والنوادر لأبي زيد ٣٧ والأصمعيات ٩٦ وتأويل المشكل ٢٣٠ وزاد المسير ١/١٨٦ واللسان (جوب) وأمالي القالي ٢/١٥١ والاقتضاب ٤٥٩ ومعاني الزجاج ١/٢٥٥، ٢/٤٠٩، والحجة لأبي علي ١/٢٦٥ ومعاني الأخفش ١/٢٠٨..
٢ اخرجه النسائي (٢/١٣٩) والبيهقي (٢/٣٦٨) والحاكم (١/٥٥٨) والترمذي (٥/١٨٤) والطحاوي في "مشكل الآثار" (١/٤٦٧) والطبري في "تفسيره" (٦/٢١٢) من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة.
وقال الترمذي: حسن صحيح..
٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٢١١) وذكره البغوي في "معالم التنزيل" (٢/٢٤٠)..
٤ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٢١٢) وانظر معالم التنزيل للبغوي (٦/٢١١)..
٥ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٢١٣)..
٦ أخرجه الطبري (٦/٢١٤) والحاكم (٢/٣٢٨) عن ابن عباس وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي وذكره السيوطي في "الدر المنثور": (٣/٣٢٠) وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وحنيش بن أصرم في الاستقامة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ وأخرجه الطبري أيضا (٦/٢١٤) عن الضحاك. وذكره البغوي في "معالم التنزيل" (٢/٢٤١)..
٧ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٢١٥) وذكره البغوي في "معالم التنزيل" (٢/٢٤١)..
٨ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٢١٣) وانظر معالم التنظيل (٢/٢٤١) وأخرجه الطبري أيضا عن ابن عباس (٦/٢١٣-٢١٤)..
٩ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٥١٤، والبحر المحيط ٤/٤٧٧، الدر المصون ٣/٤١٠..
١٠ المصدر السابق..
وداع دعا يا من يجيب إلى الندى ***...
ينظر مجاز القرآن ١/٦٧، ١١٧، ٢٤٥ والنوادر لأبي زيد ٣٧ والأصمعيات ٩٦ وتأويل المشكل ٢٣٠ وزاد المسير ١/١٨٦ واللسان (جوب) وأمالي القالي ٢/١٥١ والاقتضاب ٤٥٩ ومعاني الزجاج ١/٢٥٥، ٢/٤٠٩، والحجة لأبي علي ١/٢٦٥ ومعاني الأخفش ١/٢٠٨..
٢ اخرجه النسائي (٢/١٣٩) والبيهقي (٢/٣٦٨) والحاكم (١/٥٥٨) والترمذي (٥/١٨٤) والطحاوي في "مشكل الآثار" (١/٤٦٧) والطبري في "تفسيره" (٦/٢١٢) من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة.
وقال الترمذي: حسن صحيح..
٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٢١١) وذكره البغوي في "معالم التنزيل" (٢/٢٤٠)..
٤ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٢١٢) وانظر معالم التنزيل للبغوي (٦/٢١١)..
٥ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٢١٣)..
٦ أخرجه الطبري (٦/٢١٤) والحاكم (٢/٣٢٨) عن ابن عباس وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي وذكره السيوطي في "الدر المنثور": (٣/٣٢٠) وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وحنيش بن أصرم في الاستقامة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ وأخرجه الطبري أيضا (٦/٢١٤) عن الضحاك. وذكره البغوي في "معالم التنزيل" (٢/٢٤١)..
٧ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٢١٥) وذكره البغوي في "معالم التنزيل" (٢/٢٤١)..
٨ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٢١٣) وانظر معالم التنظيل (٢/٢٤١) وأخرجه الطبري أيضا عن ابن عباس (٦/٢١٣-٢١٤)..
٩ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٥١٤، والبحر المحيط ٤/٤٧٧، الدر المصون ٣/٤١٠..
١٠ المصدر السابق..