جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : إذَا دَعاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ فقال بعضهم : معناه : استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم للإيمان. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط عن السديّ : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلّهِ وللرّسُولِ إذَا دَعاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ قال : أما يحييكم فهو الإسلام، أحياهم بعد موتهم، بعد كفرهم.
وقال آخرون : للحقّ. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله : لِمَا يُحْيِيكُمْ قال : الحقّ.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : إذَا دَعاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ قال : الحقّ.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا حكام، قال : حدثنا عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزّة، عن مجاهد، في قوله : اسْتَجِيبُوا لِلّهِ وللرّسُولِ إذَا دَعاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ قال : للحقّ.
وقال آخرون : معناه : إذا دعاكم إلى ما في القرآن. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلّهِ وللرّسُولِ إذَا دَعاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ قال : هو هذا القرآن فيه الحياة والعفة والعصمة في الدنيا والآخرة.
وقال آخرون : معناه : إذا دعاكم إلى الحرب وجهاد العدوّ. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلّهِ وللرّسُولِ إذَا دَعاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ : أي للحرب الذي أعزّكم الله بها بعد الذلّ، وقوّاكم بعد الضعف، ومنعكم بها من عدوّكم بعد القهر منهم لكم.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال : معناه : استجيبوا لله وللرسول بالطاعة إذا دعاكم الرسول لِما يحييكم من الحقّ. وذلك أن ذلك إذا كان معناه كان داخلاً فيه الأمر بإجابتهم لقتال العدوّ والجهاد، والإجابة إذا دعاكم إلى حكم القرآن، وفي الإجابة إلى كلّ ذلك حياة المجيب. أما في الدنيا، فيقال : الذكر الجميل، وذلك له فيه حياة. وأما في الاَخرة، فحياة الأبد في الجنان والخلود فيها.
وأما قول من قال : معناه الإسلام، فقول لا معنى له لأن الله قد وصفهم بالإيمان بقوله : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلّهِ وللرّسُولِ إذَا دَعاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ فلا وجه لأن يقال للمؤمن استجب لله وللرسول إذا دعاك إلى الإسلام والإيمان.
وبعد : ففيما :
حدثنا أحمد بن المقدام العجلي، قال : حدثنا يزيد بن زريع، قال : حدثنا روح بن القاسم، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال : خرج رسول الله ﷺ على أبيّ وهو يصلي، فدعاه :«أي أبيّ » فالتفت إليه أبيّ، ولم يجبه. ثم إن أبيّا خفف الصلاة، ثم انصرف إلى النبيّ ﷺ فقال : السلام عليك أي رسول الله قال :«وَعَلَيْكَ ما مَنَعَكَ إذْ دَعَوْتُكَ أنْ تُجِيبَنِي ؟ » قال : يا رسول الله كنت أصلي. قال :«أفَلَمْ تَجِدْ فِيما أُوحِيَ إليّ اسْتَجُيبُوا لِلّهِ وللرّسُولِ إذَا دَعاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ؟ » قال : بلى يا رسول الله، لا أعود.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا خالد بن مخلد، عن محمد بن جعفر، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال : مرّ رسول الله ﷺ على أبيّ وهو قائم يصلي، فصرخ به، فلم يجبه، ثم جاء فقال :«يا أبيّ ما منعك أن تجيبني إذ دعوتك، أليس الله يقول يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلّهِ وللرّسُولِ إذَا دَعاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ؟ » قال أبيّ : لا جرم يا رسول الله، لا تدعوني إلاّ أجبت، وإن كنت أصلي.
ما يبين عن أن المعنيّ بالآية هم الذين يدعوهم رسول الله ﷺ إلى ما فيه حياتهم بإجابتهم إليه من الحقّ بعد إسلامهم، لأن أبيّا لا شكّ أنه كان مسلما في الوقت الذي قال له النبيّ ﷺ ما ذكرنا في هذين الخبرين.
القول في تأويل قوله تعالى : وَاعْلَمُوا أنّ اللّهَ يَحُولُ بينَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ وأنّهُ إلَيْه تُحْشَرُونَ.
اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم : معناه : يحول بين الكافر والإيمان وبين المؤمن والكفر. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن الأعمش عن عبد الله بن عبد الله الرازي، عن سعيد بن جبير : يَحُولُ بينَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ قال : بين الكافر أن يؤمن، وبين المؤمن أن يكفر.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبو أحمد، قالا : حدثنا سفيان، وحدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : حدثنا الثوري، عن الأعمش، عن عبد الله بن عبد الله الرازي، عن سعيد بن جبير، بنحوه.
حدثني أبو زائدة زكريا بن أبي زائدة، قال : حدثنا أبو عاصم، عن سفيان، عن الأعمش، عن عبد الله بن عبد الله، عن سعيد بن جبير، مثله.
حدثني أبو السائب وابن وكيع، قالا : حدثنا أبو معاوية، عن المنهال، عن سعيد بن جبير : يَحُولُ بينَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ قال : يحول بين المؤمن وبين الكفر، وبين الكافر وبين الإيمان.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا محمد بن فضيل، عن الأعمش، عن عبد الله بن عبد الله الرازي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس : يَحُولُ بينَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ يحول بين الكافر والإيمان وطاعة الله.
قال : حدثنا حفص، عن الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس : يَحُولُ بينَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ قال : يحول بين المؤمن والكفر، وبين الكافر والإيمان.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يحيى بن واضح، قال : حدثنا عبيد بن سليمان، وعبد العزيز بن أبي روّاد، عن الضحاك، في قوله : يَحُولُ بينَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ قال : يحول بين الكافر وطاعته، وبين المؤمن ومعصيته.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبو أسامة، عن أبي روق، عن الضحاك بن مزاحم، بنحوه.
قال : حدثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك، قال : يحول بين المرء وبين أن يكفر، وبين الكافر وبين أن يؤمن.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : حدثنا عبد العزيز بن أبي روّاد، عن الضحاك بن مزاحم يَحُولُ بينَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ قال : يحول بين الكافر وبين طاعة الله، وبين المؤمن ومعصية الله.
حدثنا أحمد بن إسحاق، قال : حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال : حدثنا بن أبي روّاد، عن الضحاك، نحوه.
وحُدثت عن الحسين بن الفرج، قال : سمعت أبا معاذ يقول : حدثنا عبيد بن سليمان، قال : سمعت الضحاك بن مزاحم، يقول : فذكر نحوه.
حدثني المثنى، قال : حدثنا الحجاج بن منهال، قال : حدثنا المعتمر بن سليمان، قال : سمعت عبد العزيز بن أبي روّاد يحدّث عن الضحاك بن مزاحم، في قوله : يَحُولُ بينَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ قال : يحول بين المؤمن ومعصيته.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس : وَاعْلَمُوا أنّ اللّهَ يَحُولُ بينَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ يقول : يحول بين المؤمن وبين الكفر، ويحول بين الكافر وبين الإيمان.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس : وَاعْلَمُوا أنّ اللّهَ يَحُولُ بينَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ يقول : يحول بين الكافر وبين طاعته، ويحول بين المؤمن وبين معصيته.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا المحاربي، عن ليث، عن مجاهد : يَحُولُ بينَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ قال : يحول بين المؤمن وبين الكفر، وبين الكافر وبين الإيمان.
قال : حدثنا أبي، عن ابن أبي روّاد، عن الضحاك : يَحُولُ بينَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ يقول : يحول بين الكافر وبين طاعته، وبين المؤمن وبين معصيته.
قال : حدثنا إسحاق بن إسماعيل، عن يعقوب القمي، عن جعفر، عن سعيد بن جبير : يَحُولُ بينَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ يحول بين المؤمن والمعاصي، وبين الكافر والإيمان.
قال : حدثنا عبيدة، عن إسماعيل، عن أبي صالح : يَحُولُ بينَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ قال : يحول بينه وبين المعاصي.
وقال آخرون : بل معنى ذلك : يحول بين المرء وعقله، فلا يدري ما يعمل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا عبيد الله بن محمد الفريابي، قال : حدثنا عبد المجيد، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله : يَحُولُ بينَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ قال : يحول بين المرء وعقله.
حدثنا محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : يَحُولُ بينَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ حتى يتركه لا يعقل.
حدثنا المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله : يَحُولُ بينَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ قال : هي يحول بين المرء وقلبه حتى يتركه لا يعقل.
حدثنا أحمد بن إسحاق، قال : حدثنا أبو أحمد، قال : حدثنا معقل بن عبيد الله، عن حميد، عن مجاهد : يَحُولُ بينَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ قال : إذا حال بينك وبين قلبك كيف تعمل.
قال : حدثنا أبو أحمد، قال : حدثنا شريك، عن خصيف، عن مجاهد : يَحُولُ بينَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ قال : يحول بين قلب الكافر، وأن يعمل خيرا.
وقال آخرون : معناه يحول بين المرء وقلبه أن يقدر على إيمان أو كفر إلاّ بإذنه. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن مفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : وَاعْلَمُوا أنّ اللّهَ يَحُولُ بينَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ قال : يحول بين الإنسان وقلبه، فلا يستطيع أن يؤمن ولا يكفر إلاّ بإذنه.
وقال آخرون : معنى ذلك أنه قريب من قلبه لا يخفى عليه شيء أظهره أو أسرّه. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، قال : حدثنا معمر، عن قتادة، في قوله : يَحُولُ بينَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ قال : هي كقوله أقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوَرِيدِ.
وأولى الأقوال بالصواب عندي في ذلك أن يقال : إن ذلك خبر من الله عزّ وجلّ أنه أملك لقلوب عباده منهم، وإنه يحول بينهم وبينها إذا شاء، حتى لا يقدر ذو قلب أن يدرك به شيئا من إيمان أو كفر، أو أن يعي به شيئا، أو أن يفهم إلاّ بإذنه ومشيئته. وذلك أن
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
* * *
قال أبو جعفر: وأولى القول في تأويل ذلك بالصواب عندي ما قاله ابن جريج وابن زيد، لما قد ذكرنا قبل من العلة، وأن ذلك ليس من صفة المنافقين. (٣)
* * *
قال أبو جعفر: فتأويل الآية إذًا: ولو علم الله في هؤلاء القائلين خيرًا، لأسمعهم مواعظ القرآن وعِبَره، حتى يعقلوا عن الله عز وجل حججه منه، ولكنه قد علم أنه لا خير فيهم، وأنهم ممن كتب لهم الشقاء فهم لا يؤمنون. ولو أفهمهم ذلك حتى يعلموا ويفهموا، لتولوا عن الله وعن رسوله، (٤) وهم معرضون عن الإيمان بما دلَّهم على صحته مواعظُ الله وعبره وحججه، (٥) معاندون للحق بعد العلم به. (٦)
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: (إذا دعاكم لما يحييكم).
فقال بعضهم: معناه: استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم للإيمان.
(٢) الأثر: ١٥٨٦٦ - سيرة ابن هشام ٢: ٣٢٤، وهو تابع الأثر السالف رقم: ١٥٨٦٢.
(٣) انظر ص: ٤٦١.
(٤) انظر تفسير " التولي " فيما سلف ١٢: ٥٧١، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٥) في المطبوعة: "... دلهم على حقيقة "، وفي المخطوطة: "... دلهم على حجته "، وهذا صواب قراءتها.
(٦) انظر تفسير " الإعراض " فيما سلف ص: ٣٣٢ تعليق: ١، والمراجع هناك.
١٥٨٦٧- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط عن السدي: (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم)، قال: أمّا "ما يحييكم"، (١) فهو الإسلام، أحياهم بعد موتهم، بعد كفرهم.
* * *
وقال آخرون: للحق.
* ذكر من قال ذلك:
١٥٨٦٨- حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نحيح، عن مجاهد في قول الله: (لما يحييكم)، قال: الحق.
١٥٨٦٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٥٨٧٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: (إذا دعاكم لما يحييكم)، قال: الحق.
١٥٨٧١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام قال، حدثنا عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد في قوله: (استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم)، قال: للحق.
* * *
وقال آخرون: معناه: إذا دعاكم إلى ما في القرآن.
* ذكر من قال ذلك:
١٥٨٧٢- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة
* * *
وقال آخرون: معناه: إذا دعاكم إلى الحرب وجهاد العدو.
* ذكر من قال ذلك:
١٥٨٧٣- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم)، أي: للحرب الذي أعزكم الله بها بعد الذل، وقوّاكم بعد الضعف، ومنعكم بها من عدوكم بعد القهر منهم لكم. (٢)
* * *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قولُ من قال: معناه: استجيبوا لله وللرسول بالطاعة، إذا دعاكم الرسول لما يحييكم من الحق. وذلك أن ذلك إذا كان معناه، كان داخلا فيه الأمر بإجابتهم لقتال العدو والجهاد، والإجابة إذا دعاكم إلى حكم القرآن، وفي الإجابة إلى كل ذلك حياة المجيب. أما في الدنيا، فبقاء الذكر الجميل، (٣) وذلك له فيه حياة. وأما في الآخرة، فحياة الأبد في الجنان والخلود فيها. (٤)
* * *
وأما قول من قال: معناه الإسلام، فقول لا معنى له. لأن الله قد وصفهم بالإيمان بقوله: (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم)، فلا وجه لأن يقال للمؤمن: استجب لله وللرسول إذا دعا إلى الإسلام والإيمان. (٥)
* * *
(٢) الأثر: ١٥٨٧٣ - سيرة ابن هشام ٢: ٣٢٤، وهو تابع الأثر السالف رقم: ١٥٨٦٦.
(٣) في المطبوعة والمخطوطة: " فيقال الذكر الجميل "، وهو لا معنى له. صوابه ما أثبت.
(٤) انظر تفسير " الاستجابة " فيما سلف ص: ٤٠٩، تعليق ١، والمراجع هناك.
(٥) في المطبوعة: " إذا دعاك "، وأثبت ما في المخطوطة.
١٥٨٧٤- حدثنا أحمد بن المقدام العجلي قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا روح بن القاسم، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: خرج رسول الله ﷺ على أبيٍّ وهو يصلي، فدعاه: أيْ أُبَيّّ! فالتفت إليه أبيّ ولم يجبه. ثم إن أبيًّا خفف الصلاة، ثم انصرف إلى النبي ﷺ فقال: السلام عليك، أي رسول الله! قال: وعليك، ما منعك إذ دعوتك أن تجيبني؟ قال: يا رسول الله، كنت أصلي! قال: أفلم تجد فيما أوحي إليّ: "استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم"؟ قال: بلى، يا رسول الله! لا أعود. (١)
" أحمد بن المقدام بن سليمان العجلي "، شيخ الطبري، ثقة، مضى برقم: ١٢٨٦١.
و" يزيد بن زريع العيشي "، ثقة حافظ مضى مرارًا. برقم: ١٧٦٩، ٢٥٣٣، ٥٤٢٩، ٥٤٣٨، غيرها.
و" روح بن القاسم التميمي الطبري "، ثقة، مضى برقم ٦٦١٣.
و" العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، مولى الحرقة "، تابعي ثقة، مضى برقم: ٢٢١، ١٤٢١٠.
وأبوه: " عبد الرحمن بن يعقوب، مولى الحرقة "، تابعي ثقة. مضى برقم: ١٤٢١٠.
وهذا الخبر رواه أحمد في مسنده ٢: ٤١٢، ٤١٣، من طريق عبد الرحمن بن إبراهيم، عن العلاء بن عبد الرحمن. عن أبيه، بنحوه، مطولا.
ورواه الترمذي في " فضائل القرآن، باب ما جاء في فضل الفاتحة "، من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن العلاء، بنحوه مطولا، وقال: " هذا حديث حسن صحيح". وفي الباب عن أنس بن مالك ".
وخرجه ابن كثير في تفسيره ١: ٢٢، ٢٣.
ثم انظر حديث البخاري (الفتح ٨: ١١٩، ٢٣١)، وهو حديث أبي سعيد بن المعلى، بنحو هذه القصة عن أبي بن كعب. وقد فصل الحافظ ابن حجر هناك الكلام فيه، وخرج حديث أبي بن كعب. وانظر أيضًا الموطأ: ٨٣، خبر مالك عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب: أن أبا سعيد مولى عامر بن كريز، أخبره: " أن رسول الله ﷺ نادى أبي بن كعب وهو يصلي... " بغير هذا السياق، وما قاله فيه الحافظ ابن حجر، وابن كثير في تفسيره، حيث أشرنا إلى موضعه.
* * *
=ما يُبِين عن أن المعنيَّ بالآية، هم الذين يدعوهم رسول الله ﷺ إلى ما فيه حياتهم بإجابتهم إليه من الحق بعد إسلامهم، لأن أبَيًّا لا شك أنه كان مسلمًا في الوقت الذي قال له النبي ﷺ ما ذكرنا في هذين الخبرين.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.
فقال بعضهم: معناه: يحول بين الكافر والإيمان، وبين المؤمن والكفر.
* ذكر من قال ذلك:
(٢) الأثر: ١٥٨٧٥ - إسناد آخر للخبر السالف. وقد خرجته هناك.
" خالد بن مخلد القطواني "، ثقة من شيوخ البخاري، وأخرج له مسلم " مضى مرارًا، برقم: ٢٢٠٦، ٤٥٧٧، ٨١٦٦، ٨٣٩٧، وغيرها.
و" محمد بن جعفر بن أبي كثير الزرقي "، ثقة معروف، مضى برقم: ٢٢٠٦، ٨٣٩٧.
١٥٨٧٧ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا وكيع= وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أحمد= قالا حدثنا سفيان= وحدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، حدثنا الثوري، عن الأعمش، عن عبد الله بن عبد الله الرازي، عن سعيد بن جبير، بنحوه.
١٥٨٧٨ - حدثني أبو زائدة زكريا بن أبي زائدة قال، حدثنا أبو عاصم، عن سفيان، عن الأعمش، عن عبد الله بن عبد الله، عن سعيد بن جبير، مثله.
١٥٨٧٩ - حدثني أبو السائب وابن وكيع قالا حدثنا أبو معاوية، عن المنهال، عن سعيد بن جبير: (يحول بين المرء وقلبه)، قال: يحول بين المؤمن وبين الكفر، وبين الكافر وبين الإيمان.
١٥٨٨٠- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا محمد بن فضيل، عن الأعمش، عن عبد الله بن عبد الله الرازي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: (يحول بين المرء وقلبه)، يحول بين الكافر والإيمان وطاعة الله.
١٥٨٨١ -.... قال، حدثنا حفص، عن الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: (يحول بين المرء وقلبه)، قال: يحول بين المؤمن والكفر، وبين الكافر والإيمان.
١٥٨٨٢- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا عبيد بن سليمان، وعبد العزيز بن أبي رواد، عن الضحاك في قوله: (يحول بين المرء
وهو غير " أبي جعفر الرازي التميمي "، " عيسى بن ماهان ".
١٥٨٨٣ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة، عن أبى روق، عن الضحاك بن مزاحم، بنحوه.
١٥٨٨٤ -.... قال، حدثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك قال: يحول بين المرء وبين أن يكفر، (١) وبين الكافر وبين أن يؤمن.
١٥٨٨٥ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، حدثنا عبد العزيز بن أبي رواد، عن الضحاك بن مزاحم: (يحول بين المرء وقلبه)، قال: يحول بين الكافر وبين طاعة الله، وبين المؤمن ومعصية الله.
١٥٨٨٦ - حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا بن أبي رواد، عن الضحاك، نحوه.
١٥٨٨٧ - وحدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك بن مزاحم يقول، فذكر نحوه.
١٥٨٨٨ - حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن منهال قال، حدثنا المعتمر بن سليمان قال، سمعت عبد العزيز بن أبي رواد يحدث، عن الضحاك بن مزاحم في قوله: (يحول بين المرء وقلبه)، قال: يحول بين المؤمن ومعصيته.
١٥٨٨٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: (واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه)، يقول: يحول بين المؤمن وبين الكفر، ويحول بين الكافر وبين الإيمان.
١٥٨٩٠ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: (واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه)، يقول: يحول بين الكافر وبين طاعته، ويحول بين المؤمن وبين معصيته.
١٥٨٩٢ -.... قال، حدثنا أبي، عن ابن أبي رواد، عن الضحاك: (يحول بين المرء وقلبه)، يقول: يحول بين الكافر وبين طاعته، وبين المؤمن وبين معصيته.
١٥٨٩٣ -.... قال، حدثنا إسحاق بن إسماعيل، عن يعقوب القمي، عن جعفر، عن سعيد بن جبير: (يحول بين المرء وقلبه)، يحول بين المؤمن والمعاصي، وبين الكافر والإيمان.
١٥٨٩٤-.... قال، حدثنا عبيدة، عن إسماعيل، عن أبي صالح: (يحول بين المرء وقلبه)، قال: يحول بينه وبين المعاصي.
* * *
وقال آخرون: بل معنى ذلك: يحول بين المرء وعقله، فلا يدري ما يَعمل.
* ذكر من قال ذلك:
١٥٨٩٥- حدثنا عبيد الله بن محمد الفريابي قال، حدثنا عبد المجيد، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: (يحول بين المرء وقلبه)، قال: يحول بين المرء وعقله.
١٥٨٩٦ - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (يحول بين المرء وقلبه)، حتى تركه لا يعقل.
١٥٨٩٧ - حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٥٨٩٨ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: (يحول بين المرء وقلبه)، قال:
١٥٨٩٩ - حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا معقل بن عبيد الله، عن حميد، عن مجاهد: (يحول بين المرء وقلبه)، قال: إذا حال بينك وبين قلبك، كيف تعمل.
١٥٩٠٠ - قال: حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا شريك، عن خصيف، عن مجاهد: (يحول بين المرء وقلبه)، قال: يحول بين قلب الكافر، وأن يعمل خيرًا.
* * *
وقال آخرون: معناه: يحول بين المرء وقلبه، أن يقدر على إيمان أو كفر إلا بإذنه.
* ذكر من قال ذلك:
١٥٩٠١- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: (واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه)، قال: يحول بين الإنسان وقلبه، فلا يستطيع أن يؤمن ولا يكفر إلا بإذنه.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: أنه قريب من قلبه، لا يخفى عليه شيء أظهره أو أسره.
* ذكر من قال ذلك:
١٥٩٠٢- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور قال، حدثنا معمر، عن قتادة في قوله: (يحول بين المرء وقلبه)، قال: هي كقوله: (أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ)، [سورة ق: ١٦].
* * *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب عندي في ذلك أن يقال: إن ذلك
وإذا كان ذلك معناه، دخل في ذلك قول من قال: "يحول بين المؤمن والكفر، وبين الكافر والإيمان"، وقول من قال: "يحول بينه وبين عقله"، وقول من قال: "يحول بينه وبين قلبه حتى لا يستطيع أن يؤمن ولا يكفر إلا بإذنه"، لأن الله عز وجل إذا حال بين عبد وقلبه، لم يفهم العبد بقلبه الذي قد حيل بينه وبينه ما مُنِع إدراكه به على ما بيَّنتُ.
غير أنه ينبغي أن يقال: إن الله عم بقوله: (ولعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه)، الخبرَ عن أنه يحول بين العبد وقلبه، ولم يخصص من المعاني التي ذكرنا شيئًا دون شيء، والكلام محتمل كل هذه المعاني، فالخبر على العموم حتى يخصه ما يجب التسليم له.
* * *
وأما قوله: (وأنه إليه تحشرون)، فإن معناه: واعلموا، أيها المؤمنون، أيضًا، مع العلم بأن الله يحول بين المرء وقلبه: أنّ الله الذي يقدر على قلوبكم، وهو أملك بها منكم، إليه مصيركم ومرجعكم في القيامة، (٢) فيوفّيكم جزاء أعمالكم، المحسنَ منكم بإحسانه، والمسيءَ بإساءته، فاتقوه وراقبوه فيما أمركم ونهاكم هو ورسوله أن تضيعوه، وأن لا تستجيبوا لرسوله إذا دعاكم لما يحييكم، فيوجب ذلك سَخَطَه، وتستحقوا به أليم عذابه حين تحشرون إليه.
* * *
(٢) انظر تفسير " الحشر " فيما سلف ص ٢٣، تعليق: ١، والمراجع هناك.