محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٢٤ من سورة الأنفال في ١٢٠ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، و٣٦ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٢٤ من سورة الأنفال

١٢٠ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ للّهِ وَلِلرّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾. .
اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : إذَا دَعاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ فقال بعضهم : معناه : استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم للإيمان. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط عن السديّ : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلّهِ وللرّسُولِ إذَا دَعاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ قال : أما يحييكم فهو الإسلام، أحياهم بعد موتهم، بعد كفرهم.
وقال آخرون : للحقّ. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله : لِمَا يُحْيِيكُمْ قال : الحقّ.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : إذَا دَعاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ قال : الحقّ.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا حكام، قال : حدثنا عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزّة، عن مجاهد، في قوله : اسْتَجِيبُوا لِلّهِ وللرّسُولِ إذَا دَعاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ قال : للحقّ.
وقال آخرون : معناه : إذا دعاكم إلى ما في القرآن. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلّهِ وللرّسُولِ إذَا دَعاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ قال : هو هذا القرآن فيه الحياة والعفة والعصمة في الدنيا والآخرة.
وقال آخرون : معناه : إذا دعاكم إلى الحرب وجهاد العدوّ. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلّهِ وللرّسُولِ إذَا دَعاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ : أي للحرب الذي أعزّكم الله بها بعد الذلّ، وقوّاكم بعد الضعف، ومنعكم بها من عدوّكم بعد القهر منهم لكم.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال : معناه : استجيبوا لله وللرسول بالطاعة إذا دعاكم الرسول لِما يحييكم من الحقّ. وذلك أن ذلك إذا كان معناه كان داخلاً فيه الأمر بإجابتهم لقتال العدوّ والجهاد، والإجابة إذا دعاكم إلى حكم القرآن، وفي الإجابة إلى كلّ ذلك حياة المجيب. أما في الدنيا، فيقال : الذكر الجميل، وذلك له فيه حياة. وأما في الاَخرة، فحياة الأبد في الجنان والخلود فيها.
وأما قول من قال : معناه الإسلام، فقول لا معنى له لأن الله قد وصفهم بالإيمان بقوله : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلّهِ وللرّسُولِ إذَا دَعاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ فلا وجه لأن يقال للمؤمن استجب لله وللرسول إذا دعاك إلى الإسلام والإيمان.
وبعد : ففيما :
حدثنا أحمد بن المقدام العجلي، قال : حدثنا يزيد بن زريع، قال : حدثنا روح بن القاسم، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال : خرج رسول الله ﷺ على أبيّ وهو يصلي، فدعاه :«أي أبيّ » فالتفت إليه أبيّ، ولم يجبه. ثم إن أبيّا خفف الصلاة، ثم انصرف إلى النبيّ ﷺ فقال : السلام عليك أي رسول الله قال :«وَعَلَيْكَ ما مَنَعَكَ إذْ دَعَوْتُكَ أنْ تُجِيبَنِي ؟ » قال : يا رسول الله كنت أصلي. قال :«أفَلَمْ تَجِدْ فِيما أُوحِيَ إليّ اسْتَجُيبُوا لِلّهِ وللرّسُولِ إذَا دَعاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ؟ » قال : بلى يا رسول الله، لا أعود.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا خالد بن مخلد، عن محمد بن جعفر، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال : مرّ رسول الله ﷺ على أبيّ وهو قائم يصلي، فصرخ به، فلم يجبه، ثم جاء فقال :«يا أبيّ ما منعك أن تجيبني إذ دعوتك، أليس الله يقول يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلّهِ وللرّسُولِ إذَا دَعاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ؟ » قال أبيّ : لا جرم يا رسول الله، لا تدعوني إلاّ أجبت، وإن كنت أصلي.
ما يبين عن أن المعنيّ بالآية هم الذين يدعوهم رسول الله ﷺ إلى ما فيه حياتهم بإجابتهم إليه من الحقّ بعد إسلامهم، لأن أبيّا لا شكّ أنه كان مسلما في الوقت الذي قال له النبيّ ﷺ ما ذكرنا في هذين الخبرين.

القول في تأويل قوله تعالى : وَاعْلَمُوا أنّ اللّهَ يَحُولُ بينَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ وأنّهُ إلَيْه تُحْشَرُونَ.


اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم : معناه : يحول بين الكافر والإيمان وبين المؤمن والكفر. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن الأعمش عن عبد الله بن عبد الله الرازي، عن سعيد بن جبير : يَحُولُ بينَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ قال : بين الكافر أن يؤمن، وبين المؤمن أن يكفر.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبو أحمد، قالا : حدثنا سفيان، وحدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : حدثنا الثوري، عن الأعمش، عن عبد الله بن عبد الله الرازي، عن سعيد بن جبير، بنحوه.
حدثني أبو زائدة زكريا بن أبي زائدة، قال : حدثنا أبو عاصم، عن سفيان، عن الأعمش، عن عبد الله بن عبد الله، عن سعيد بن جبير، مثله.
حدثني أبو السائب وابن وكيع، قالا : حدثنا أبو معاوية، عن المنهال، عن سعيد بن جبير : يَحُولُ بينَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ قال : يحول بين المؤمن وبين الكفر، وبين الكافر وبين الإيمان.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا محمد بن فضيل، عن الأعمش، عن عبد الله بن عبد الله الرازي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس : يَحُولُ بينَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ يحول بين الكافر والإيمان وطاعة الله.
قال : حدثنا حفص، عن الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس : يَحُولُ بينَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ قال : يحول بين المؤمن والكفر، وبين الكافر والإيمان.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يحيى بن واضح، قال : حدثنا عبيد بن سليمان، وعبد العزيز بن أبي روّاد، عن الضحاك، في قوله : يَحُولُ بينَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ قال : يحول بين الكافر وطاعته، وبين المؤمن ومعصيته.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبو أسامة، عن أبي روق، عن الضحاك بن مزاحم، بنحوه.
قال : حدثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك، قال : يحول بين المرء وبين أن يكفر، وبين الكافر وبين أن يؤمن.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : حدثنا عبد العزيز بن أبي روّاد، عن الضحاك بن مزاحم يَحُولُ بينَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ قال : يحول بين الكافر وبين طاعة الله، وبين المؤمن ومعصية الله.
حدثنا أحمد بن إسحاق، قال : حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال : حدثنا بن أبي روّاد، عن الضحاك، نحوه.
وحُدثت عن الحسين بن الفرج، قال : سمعت أبا معاذ يقول : حدثنا عبيد بن سليمان، قال : سمعت الضحاك بن مزاحم، يقول : فذكر نحوه.
حدثني المثنى، قال : حدثنا الحجاج بن منهال، قال : حدثنا المعتمر بن سليمان، قال : سمعت عبد العزيز بن أبي روّاد يحدّث عن الضحاك بن مزاحم، في قوله : يَحُولُ بينَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ قال : يحول بين المؤمن ومعصيته.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس : وَاعْلَمُوا أنّ اللّهَ يَحُولُ بينَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ يقول : يحول بين المؤمن وبين الكفر، ويحول بين الكافر وبين الإيمان.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس : وَاعْلَمُوا أنّ اللّهَ يَحُولُ بينَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ يقول : يحول بين الكافر وبين طاعته، ويحول بين المؤمن وبين معصيته.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا المحاربي، عن ليث، عن مجاهد : يَحُولُ بينَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ قال : يحول بين المؤمن وبين الكفر، وبين الكافر وبين الإيمان.
قال : حدثنا أبي، عن ابن أبي روّاد، عن الضحاك : يَحُولُ بينَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ يقول : يحول بين الكافر وبين طاعته، وبين المؤمن وبين معصيته.
قال : حدثنا إسحاق بن إسماعيل، عن يعقوب القمي، عن جعفر، عن سعيد بن جبير : يَحُولُ بينَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ يحول بين المؤمن والمعاصي، وبين الكافر والإيمان.
قال : حدثنا عبيدة، عن إسماعيل، عن أبي صالح : يَحُولُ بينَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ قال : يحول بينه وبين المعاصي.
وقال آخرون : بل معنى ذلك : يحول بين المرء وعقله، فلا يدري ما يعمل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا عبيد الله بن محمد الفريابي، قال : حدثنا عبد المجيد، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله : يَحُولُ بينَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ قال : يحول بين المرء وعقله.
حدثنا محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : يَحُولُ بينَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ حتى يتركه لا يعقل.
حدثنا المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله : يَحُولُ بينَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ قال : هي يحول بين المرء وقلبه حتى يتركه لا يعقل.
حدثنا أحمد بن إسحاق، قال : حدثنا أبو أحمد، قال : حدثنا معقل بن عبيد الله، عن حميد، عن مجاهد : يَحُولُ بينَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ قال : إذا حال بينك وبين قلبك كيف تعمل.
قال : حدثنا أبو أحمد، قال : حدثنا شريك، عن خصيف، عن مجاهد : يَحُولُ بينَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ قال : يحول بين قلب الكافر، وأن يعمل خيرا.
وقال آخرون : معناه يحول بين المرء وقلبه أن يقدر على إيمان أو كفر إلاّ بإذنه. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن مفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : وَاعْلَمُوا أنّ اللّهَ يَحُولُ بينَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ قال : يحول بين الإنسان وقلبه، فلا يستطيع أن يؤمن ولا يكفر إلاّ بإذنه.
وقال آخرون : معنى ذلك أنه قريب من قلبه لا يخفى عليه شيء أظهره أو أسرّه. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، قال : حدثنا معمر، عن قتادة، في قوله : يَحُولُ بينَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ قال : هي كقوله أقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوَرِيدِ.
وأولى الأقوال بالصواب عندي في ذلك أن يقال : إن ذلك خبر من الله عزّ وجلّ أنه أملك لقلوب عباده منهم، وإنه يحول بينهم وبينها إذا شاء، حتى لا يقدر ذو قلب أن يدرك به شيئا من إيمان أو كفر، أو أن يعي به شيئا، أو أن يفهم إلاّ بإذنه ومشيئته. وذلك أن
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
القلوب خالفت ذلك منهم، ولو خرجوا معكم لتولوا وهم معرضون، (١) ما وفَوا لكم بشيء مما خرجوا عليه. (٢)
* * *
قال أبو جعفر: وأولى القول في تأويل ذلك بالصواب عندي ما قاله ابن جريج وابن زيد، لما قد ذكرنا قبل من العلة، وأن ذلك ليس من صفة المنافقين. (٣)
* * *
قال أبو جعفر: فتأويل الآية إذًا: ولو علم الله في هؤلاء القائلين خيرًا، لأسمعهم مواعظ القرآن وعِبَره، حتى يعقلوا عن الله عز وجل حججه منه، ولكنه قد علم أنه لا خير فيهم، وأنهم ممن كتب لهم الشقاء فهم لا يؤمنون. ولو أفهمهم ذلك حتى يعلموا ويفهموا، لتولوا عن الله وعن رسوله، (٤) وهم معرضون عن الإيمان بما دلَّهم على صحته مواعظُ الله وعبره وحججه، (٥) معاندون للحق بعد العلم به. (٦)
* * *

القول في تأويل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾


قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: (إذا دعاكم لما يحييكم).
فقال بعضهم: معناه: استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم للإيمان.
(١) كانت هذه الجملة الآتية في المخطوطة والمطبوعة هكذا: " فأوفوا لكم بشر مما خرجوا عليه "، وهو لا معنى له. وصوابها ما أثبت من سيرة ابن هشام.
(٢) الأثر: ١٥٨٦٦ - سيرة ابن هشام ٢: ٣٢٤، وهو تابع الأثر السالف رقم: ١٥٨٦٢.
(٣) انظر ص: ٤٦١.
(٤) انظر تفسير " التولي " فيما سلف ١٢: ٥٧١، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٥) في المطبوعة: "... دلهم على حقيقة "، وفي المخطوطة: "... دلهم على حجته "، وهذا صواب قراءتها.
(٦) انظر تفسير " الإعراض " فيما سلف ص: ٣٣٢ تعليق: ١، والمراجع هناك.
* ذكر من قال ذلك:
١٥٨٦٧- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط عن السدي: (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم)، قال: أمّا "ما يحييكم"، (١) فهو الإسلام، أحياهم بعد موتهم، بعد كفرهم.
* * *
وقال آخرون: للحق.
* ذكر من قال ذلك:
١٥٨٦٨- حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نحيح، عن مجاهد في قول الله: (لما يحييكم)، قال: الحق.
١٥٨٦٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٥٨٧٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: (إذا دعاكم لما يحييكم)، قال: الحق.
١٥٨٧١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام قال، حدثنا عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد في قوله: (استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم)، قال: للحق.
* * *
وقال آخرون: معناه: إذا دعاكم إلى ما في القرآن.
* ذكر من قال ذلك:
١٥٨٧٢- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة
(١) في المطبوعة والمخطوطة: " أما يحييكم "، بإسقاط "ما " والجيد إثباتها.
قوله: (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم)، قال: هو هذا القرآن، فيه الحياة والثقة والنجاة والعصمة في الدنيا والآخرة. (١)
* * *
وقال آخرون: معناه: إذا دعاكم إلى الحرب وجهاد العدو.
* ذكر من قال ذلك:
١٥٨٧٣- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم)، أي: للحرب الذي أعزكم الله بها بعد الذل، وقوّاكم بعد الضعف، ومنعكم بها من عدوكم بعد القهر منهم لكم. (٢)
* * *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قولُ من قال: معناه: استجيبوا لله وللرسول بالطاعة، إذا دعاكم الرسول لما يحييكم من الحق. وذلك أن ذلك إذا كان معناه، كان داخلا فيه الأمر بإجابتهم لقتال العدو والجهاد، والإجابة إذا دعاكم إلى حكم القرآن، وفي الإجابة إلى كل ذلك حياة المجيب. أما في الدنيا، فبقاء الذكر الجميل، (٣) وذلك له فيه حياة. وأما في الآخرة، فحياة الأبد في الجنان والخلود فيها. (٤)
* * *
وأما قول من قال: معناه الإسلام، فقول لا معنى له. لأن الله قد وصفهم بالإيمان بقوله: (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم)، فلا وجه لأن يقال للمؤمن: استجب لله وللرسول إذا دعا إلى الإسلام والإيمان. (٥)
* * *
(١) في المطبوعة: " الحياة والعفة "، وهي في المخطوطة كما أثبتها غير منقوطة " الثاء "، ثم زاد ناشرها أيضًا فأسقط من الكلام " والنجاة "، وهذا من أسوأ العبث وأقبحه.
(٢) الأثر: ١٥٨٧٣ - سيرة ابن هشام ٢: ٣٢٤، وهو تابع الأثر السالف رقم: ١٥٨٦٦.
(٣) في المطبوعة والمخطوطة: " فيقال الذكر الجميل "، وهو لا معنى له. صوابه ما أثبت.
(٤) انظر تفسير " الاستجابة " فيما سلف ص: ٤٠٩، تعليق ١، والمراجع هناك.
(٥) في المطبوعة: " إذا دعاك "، وأثبت ما في المخطوطة.
وبَعْدُ، ففيما:-
١٥٨٧٤- حدثنا أحمد بن المقدام العجلي قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا روح بن القاسم، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: خرج رسول الله ﷺ على أبيٍّ وهو يصلي، فدعاه: أيْ أُبَيّّ! فالتفت إليه أبيّ ولم يجبه. ثم إن أبيًّا خفف الصلاة، ثم انصرف إلى النبي ﷺ فقال: السلام عليك، أي رسول الله! قال: وعليك، ما منعك إذ دعوتك أن تجيبني؟ قال: يا رسول الله، كنت أصلي! قال: أفلم تجد فيما أوحي إليّ: "استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم"؟ قال: بلى، يا رسول الله! لا أعود. (١)
(١) الأثر:: ١٥٨٧٤ - سيأتي من طريق أخرى في الذي يليه.
" أحمد بن المقدام بن سليمان العجلي "، شيخ الطبري، ثقة، مضى برقم: ١٢٨٦١.
و" يزيد بن زريع العيشي "، ثقة حافظ مضى مرارًا. برقم: ١٧٦٩، ٢٥٣٣، ٥٤٢٩، ٥٤٣٨، غيرها.
و" روح بن القاسم التميمي الطبري "، ثقة، مضى برقم ٦٦١٣.
و" العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، مولى الحرقة "، تابعي ثقة، مضى برقم: ٢٢١، ١٤٢١٠.
وأبوه: " عبد الرحمن بن يعقوب، مولى الحرقة "، تابعي ثقة. مضى برقم: ١٤٢١٠.
وهذا الخبر رواه أحمد في مسنده ٢: ٤١٢، ٤١٣، من طريق عبد الرحمن بن إبراهيم، عن العلاء بن عبد الرحمن. عن أبيه، بنحوه، مطولا.
ورواه الترمذي في " فضائل القرآن، باب ما جاء في فضل الفاتحة "، من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن العلاء، بنحوه مطولا، وقال: " هذا حديث حسن صحيح". وفي الباب عن أنس بن مالك ".
وخرجه ابن كثير في تفسيره ١: ٢٢، ٢٣.
ثم انظر حديث البخاري (الفتح ٨: ١١٩، ٢٣١)، وهو حديث أبي سعيد بن المعلى، بنحو هذه القصة عن أبي بن كعب. وقد فصل الحافظ ابن حجر هناك الكلام فيه، وخرج حديث أبي بن كعب. وانظر أيضًا الموطأ: ٨٣، خبر مالك عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب: أن أبا سعيد مولى عامر بن كريز، أخبره: " أن رسول الله ﷺ نادى أبي بن كعب وهو يصلي... " بغير هذا السياق، وما قاله فيه الحافظ ابن حجر، وابن كثير في تفسيره، حيث أشرنا إلى موضعه.
١٥٨٧٥ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا خالد بن مخلد، عن محمد بن جعفر، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: مرّ رسول الله ﷺ على أبيّ وهو قائم يصلي، فصرخ به [فلم يجبه، ثم جاء]، (١) فقال: يا أبيّ، ما منعك أن تجيبني إذ دعوتك؟ أليس الله يقول: (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم) ؟ قال أبيّ: لا جَرَم يا رسول الله، لا تدعوني إلا أجبتُ وإن كنت أصلي! (٢)
* * *
=ما يُبِين عن أن المعنيَّ بالآية، هم الذين يدعوهم رسول الله ﷺ إلى ما فيه حياتهم بإجابتهم إليه من الحق بعد إسلامهم، لأن أبَيًّا لا شك أنه كان مسلمًا في الوقت الذي قال له النبي ﷺ ما ذكرنا في هذين الخبرين.
* * *

القول في تأويل قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾


قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.
فقال بعضهم: معناه: يحول بين الكافر والإيمان، وبين المؤمن والكفر.
* ذكر من قال ذلك:
(١) هذا الذي بين القوسين، ليس في المخطوطة، زاده ناشر المطبوعة، لا أدري من أين؟ وفي الخبر سقط لا شك فيه، ولكني لم أجد الخبر بنصه هذا.
(٢) الأثر: ١٥٨٧٥ - إسناد آخر للخبر السالف. وقد خرجته هناك.
" خالد بن مخلد القطواني "، ثقة من شيوخ البخاري، وأخرج له مسلم " مضى مرارًا، برقم: ٢٢٠٦، ٤٥٧٧، ٨١٦٦، ٨٣٩٧، وغيرها.
و" محمد بن جعفر بن أبي كثير الزرقي "، ثقة معروف، مضى برقم: ٢٢٠٦، ٨٣٩٧.
١٥٨٧٦- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش عن عبد الله بن عبد الله الرازي، عن سعيد بن جبير: (يحول بين المرء وقلبه)، قال: بين الكافر أن يؤمن، وبين المؤمن أن يكفر. (١)
١٥٨٧٧ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا وكيع= وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أحمد= قالا حدثنا سفيان= وحدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، حدثنا الثوري، عن الأعمش، عن عبد الله بن عبد الله الرازي، عن سعيد بن جبير، بنحوه.
١٥٨٧٨ - حدثني أبو زائدة زكريا بن أبي زائدة قال، حدثنا أبو عاصم، عن سفيان، عن الأعمش، عن عبد الله بن عبد الله، عن سعيد بن جبير، مثله.
١٥٨٧٩ - حدثني أبو السائب وابن وكيع قالا حدثنا أبو معاوية، عن المنهال، عن سعيد بن جبير: (يحول بين المرء وقلبه)، قال: يحول بين المؤمن وبين الكفر، وبين الكافر وبين الإيمان.
١٥٨٨٠- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا محمد بن فضيل، عن الأعمش، عن عبد الله بن عبد الله الرازي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: (يحول بين المرء وقلبه)، يحول بين الكافر والإيمان وطاعة الله.
١٥٨٨١ -.... قال، حدثنا حفص، عن الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: (يحول بين المرء وقلبه)، قال: يحول بين المؤمن والكفر، وبين الكافر والإيمان.
١٥٨٨٢- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا عبيد بن سليمان، وعبد العزيز بن أبي رواد، عن الضحاك في قوله: (يحول بين المرء
(١) الأثر: ١٥٨٧٦ - " عبد الله بن عبد الله الرازي "، " أبو جعفر الرازي "، قاضي الري، ثقة، لا بأس. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٢ ٢ ٩٢.
وهو غير " أبي جعفر الرازي التميمي "، " عيسى بن ماهان ".
وقلبه)، قال: يحول بين الكافر وطاعته، وبين المؤمن ومعصيته.
١٥٨٨٣ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة، عن أبى روق، عن الضحاك بن مزاحم، بنحوه.
١٥٨٨٤ -.... قال، حدثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك قال: يحول بين المرء وبين أن يكفر، (١) وبين الكافر وبين أن يؤمن.
١٥٨٨٥ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، حدثنا عبد العزيز بن أبي رواد، عن الضحاك بن مزاحم: (يحول بين المرء وقلبه)، قال: يحول بين الكافر وبين طاعة الله، وبين المؤمن ومعصية الله.
١٥٨٨٦ - حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا بن أبي رواد، عن الضحاك، نحوه.
١٥٨٨٧ - وحدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك بن مزاحم يقول، فذكر نحوه.
١٥٨٨٨ - حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن منهال قال، حدثنا المعتمر بن سليمان قال، سمعت عبد العزيز بن أبي رواد يحدث، عن الضحاك بن مزاحم في قوله: (يحول بين المرء وقلبه)، قال: يحول بين المؤمن ومعصيته.
١٥٨٨٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: (واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه)، يقول: يحول بين المؤمن وبين الكفر، ويحول بين الكافر وبين الإيمان.
١٥٨٩٠ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: (واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه)، يقول: يحول بين الكافر وبين طاعته، ويحول بين المؤمن وبين معصيته.
(١) هكذا في المخطوطة والمطبوعة: " يحول بين المرء "، ولو ظننت أنها: " يحول بين المؤمن "، لكان في الذي سلف ما يرجحه.
١٥٨٩١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربي، عن ليث، عن مجاهد: (يحول بين المرء وقلبه)، قال: يحول بين المؤمن وبين الكفر، وبين الكافر وبين الإيمان.
١٥٨٩٢ -.... قال، حدثنا أبي، عن ابن أبي رواد، عن الضحاك: (يحول بين المرء وقلبه)، يقول: يحول بين الكافر وبين طاعته، وبين المؤمن وبين معصيته.
١٥٨٩٣ -.... قال، حدثنا إسحاق بن إسماعيل، عن يعقوب القمي، عن جعفر، عن سعيد بن جبير: (يحول بين المرء وقلبه)، يحول بين المؤمن والمعاصي، وبين الكافر والإيمان.
١٥٨٩٤-.... قال، حدثنا عبيدة، عن إسماعيل، عن أبي صالح: (يحول بين المرء وقلبه)، قال: يحول بينه وبين المعاصي.
* * *
وقال آخرون: بل معنى ذلك: يحول بين المرء وعقله، فلا يدري ما يَعمل.
* ذكر من قال ذلك:
١٥٨٩٥- حدثنا عبيد الله بن محمد الفريابي قال، حدثنا عبد المجيد، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: (يحول بين المرء وقلبه)، قال: يحول بين المرء وعقله.
١٥٨٩٦ - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (يحول بين المرء وقلبه)، حتى تركه لا يعقل.
١٥٨٩٧ - حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٥٨٩٨ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: (يحول بين المرء وقلبه)، قال:
هو كقوله "حال"، حتى تركه لا يعقل. (١)
١٥٨٩٩ - حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا معقل بن عبيد الله، عن حميد، عن مجاهد: (يحول بين المرء وقلبه)، قال: إذا حال بينك وبين قلبك، كيف تعمل.
١٥٩٠٠ - قال: حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا شريك، عن خصيف، عن مجاهد: (يحول بين المرء وقلبه)، قال: يحول بين قلب الكافر، وأن يعمل خيرًا.
* * *
وقال آخرون: معناه: يحول بين المرء وقلبه، أن يقدر على إيمان أو كفر إلا بإذنه.
* ذكر من قال ذلك:
١٥٩٠١- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: (واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه)، قال: يحول بين الإنسان وقلبه، فلا يستطيع أن يؤمن ولا يكفر إلا بإذنه.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: أنه قريب من قلبه، لا يخفى عليه شيء أظهره أو أسره.
* ذكر من قال ذلك:
١٥٩٠٢- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور قال، حدثنا معمر، عن قتادة في قوله: (يحول بين المرء وقلبه)، قال: هي كقوله: (أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ)، [سورة ق: ١٦].
* * *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب عندي في ذلك أن يقال: إن ذلك
(١) في المطبوعة: " قال: هي يحول بين المرء وقلبه حتى يتركه لا يعقل "، غير ما في المخطوطة كل التغيير، لأنه لم يفهمه، وهذا من أسوأ التصرف وأقبحه وأبعده من الأمانة. وإنما أراد أن " يحول " مضارعًا، بمعنى " حال " ماضيًا، ولذلك قال " حتى تركه لا يعقل ". فانظر أي فساد أدخله الناشر بلا ورع!.
خبرٌ من الله عز وجل أنه أملك لقلوب عباده منهم، وأنه يحول بينهم وبينها إذا شاء، حتى لا يقدر ذو قلب أن يُدرك به شيئًا من إيمان أو كفر، أو أن يَعِي به شيئًا، أو أن يفهم، إلا بإذنه ومشيئته. وذلك أن "الحول بين الشيء والشيء"، إنما هو الحجز بينهما، وإذا حجز جل ثناؤه بين عبد وقلبه في شيء أن يدركه أو يفهمه، (١) لم يكن للعبد إلى إدراك ما قد منع الله قلبَه إدراكَه سبيلٌ.
وإذا كان ذلك معناه، دخل في ذلك قول من قال: "يحول بين المؤمن والكفر، وبين الكافر والإيمان"، وقول من قال: "يحول بينه وبين عقله"، وقول من قال: "يحول بينه وبين قلبه حتى لا يستطيع أن يؤمن ولا يكفر إلا بإذنه"، لأن الله عز وجل إذا حال بين عبد وقلبه، لم يفهم العبد بقلبه الذي قد حيل بينه وبينه ما مُنِع إدراكه به على ما بيَّنتُ.
غير أنه ينبغي أن يقال: إن الله عم بقوله: (ولعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه)، الخبرَ عن أنه يحول بين العبد وقلبه، ولم يخصص من المعاني التي ذكرنا شيئًا دون شيء، والكلام محتمل كل هذه المعاني، فالخبر على العموم حتى يخصه ما يجب التسليم له.
* * *
وأما قوله: (وأنه إليه تحشرون)، فإن معناه: واعلموا، أيها المؤمنون، أيضًا، مع العلم بأن الله يحول بين المرء وقلبه: أنّ الله الذي يقدر على قلوبكم، وهو أملك بها منكم، إليه مصيركم ومرجعكم في القيامة، (٢) فيوفّيكم جزاء أعمالكم، المحسنَ منكم بإحسانه، والمسيءَ بإساءته، فاتقوه وراقبوه فيما أمركم ونهاكم هو ورسوله أن تضيعوه، وأن لا تستجيبوا لرسوله إذا دعاكم لما يحييكم، فيوجب ذلك سَخَطَه، وتستحقوا به أليم عذابه حين تحشرون إليه.
* * *
(١) انظر تفسير " المرء " فيما سلف ٢: ٤٤٦ ٩: ٤٣٠.
(٢) انظر تفسير " الحشر " فيما سلف ص ٢٣، تعليق: ١، والمراجع هناك.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
قال البخاري :﴿اسْتَجِيبُوا﴾ أجيبوا، ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ لما يصلحكم. حدثنا إسحاق، حدثنا روح، حدثنا شعبة، عن خبيب(١) بن عبد الرحمن قال : سمعت حفص بن عاصم يحدث عن أبي سعيد بن المعلى قال : كنت أصلي، فمر بي رسول الله ﷺ، فدعاني فلم آته حتى صليت، ثم أتيته فقال :" ما منعك أن تأتيني ؟ " ألم يقل الله :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ ثم قال :" لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قبل أن أخرج "، فذهب رسول الله ﷺ ليخرج، فذكرت له - وقال معاذ : حدثنا شعبة، عن خُبَيْب(٢) بن عبد الرحمن، سمع حفص بن عاصم، سمع أبا سعيد رجلا من أصحاب النبي ﷺ بهذا - وقال :" هي ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ السبع المثاني " (٣)
هذا لفظه بحروفه، وقد تقدم الكلام على هذا الحديث بذكر طرقه في أول تفسير الفاتحة.
وقال مجاهد في قوله :﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ قال : الحق.
وقال قتادة ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ قال : هو هذا القرآن، فيه النجاة والتقاة(٤) والحياة.
وقال السُّدِّيّ :﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ ففي الإسلام إحياؤهم بعد موتهم بالكفر.
وقال محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عُرْوَةَ بن الزبير :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ أي : للحرب التي أعزكم الله تعالى بها بعد الذل، وقواكم بها بعد الضعف، ومنعكم من عدوكم بعد القهر منهم لكم.
وقوله تعالى :﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ قال ابن عباس : يحول بين المؤمن وبين الكفر، وبين الكافر وبين الإيمان.
رواه الحاكم في مستدركه موقوفا، وقال : صحيح ولم يخرجاه(٥) ورواه ابن مَرْدُوَيه من وجه آخر مرفوعا(٦) ولا يصح لضعف إسناده، والموقوف أصح. وكذا قال مجاهد، وسعيد، وعكرمة، والضحاك، وأبو صالح، وعطية، ومُقَاتِل بن حيَّان، والسُّدِّيّ.
وفي رواية عن مجاهد في قوله :﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ حتى تركه لا يعقل.
وقال السدي : يحول بين الإنسان وقلبه، فلا يستطيع أن يؤمن ولا يكفر إلا بإذنه.
وقال قتادة هو كقوله :﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦].
وقد وردت الأحاديث عن رسول الله ﷺ بما يناسب هذه الآية.
وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، قال : كان النبي ﷺ يكثر أن يقول :" يا مُقَلِّب القلوب، ثبت قلبي على دينك ". قال : فقلنا : يا رسول الله، آمنا بك وبما جئت به، فهل تخاف علينا ؟ قال(٧) نعم، إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله تعالى يقلبها ".
وهكذا رواه الترمذي في " كتاب القدر " من جامعه، عن هناد بن السري، عن أبي معاوية محمد بن حازم الضرير، عن الأعمش - واسمه سليمان بن مهران - عن أبي سفيان - واسمه طلحة بن نافع - عن أنس(٨) ثم قال : حسن. وهكذا روي عن غير واحد عن الأعمش، رواه بعضهم عنه، عن أبي سفيان، عن جابر، عن النبي ﷺ، وحديث أبي سفيان عن أنس أصح(٩)
حديث آخر : قال عبد بن حميد(١٠) في مسنده : حدثنا عبد الملك بن عمرو، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن بلال، رضي الله عنه، أن النبي ﷺ كان يدعو :" يا مُقَلِّب القلوب ثَبِّت قلبي على دينك ".
هذا حديث جيد الإسناد إلا أن فيه انقطاعا وهو - مع ذلك - على شرط أهل السنن ولم يخرجوه(١١)
حديث آخر : وقال الإمام أحمد : حدثنا الوليد بن مسلم قال : سمعت ابن جابر يقول : حدثني بسر بن عبد الله(١٢) الحضرمي : أنه سمع أبا إدريس الخولاني يقول : سمعت النواس بن سَمْعَان الكلابي، رضي الله عنه، يقول : سمعت رسول الله ﷺ يقول :" ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن رب العالمين، إذا شاء أن يقيمه أقامه، وإذا شاء أن يزيغه أزاغه ". وكان يقول :" يا مقلب القلوب، ثبت قلوبنا(١٣) على دينك ". قال :" والميزان بيد الرحمن يخفضه ويرفعه ".
وهكذا رواه النسائي وابن ماجه، من حديث عبد الرحمن بن يزيد(١٤) بن جابر(١٥) فذكر مثله.
حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا يونس، حدثنا حماد بن زيد، عن المعلى بن زياد، عن الحسن ؛ أن عائشة قالت : دعوات كان رسول الله ﷺ يدعو بها :" يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك ". قالت : فقلت : يا رسول الله، إنك تكثر(١٦) تدعو بهذا الدعاء. فقال :" إن قلب الآدمي بين إصبعين(١٧) من أصابع الله، فإذا شاء أزاغه(١٨) وإذا شاء أقامه(١٩) (٢٠)
حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا هاشم، حدثنا عبد الحميد، حدثني شهر، سمعت أم سلمة تحدث : أن رسول الله ﷺ كان يكثر في دعائه يقول :" اللهم يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك ". قالت : فقلت(٢١) يا رسول الله، أو إن القلوب لتقلب(٢٢) ؟ قال :" نعم، ما(٢٣) خلق الله من بشر من بني آدم إلا أن قلبه بين إصبعين من أصابع الله، عز وجل، فإن شاء أقامه، وإن شاء أزاغه. فنسأل الله ربنا أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ونسأله أن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب ". قالت : قلت : يا رسول الله، ألا تعلمني دعوة أدعو بها لنفسي ؟ قال :" بلى، قولي : اللهم رب النبي محمد، اغفر لي ذنبي، وأذهب غيظ قلبي، وأجرني من مضلات الفتن ما أحييتني " (٢٤)
حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا حيوة، أخبرني أبو هانئ، أنه سمع أبا عبد الرحمن الحُبَلي(٢٥) أنه سمع عبد الله بن عمرو ؛ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول :" إن قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد يُصَرِّف(٢٦) كيف شاء(٢٧). ثم قال رسول الله ﷺ :" اللهم مُصَرِّف القلوب، صَرِّف قلوبنا إلى طاعتك ".
انفرد بإخراجه مسلم عن البخاري، فرواه مع النسائي من حديث حَيْوَة بن شُرَيْح المصري، به. (٢٨)
١ في أ: "حبيب"..
٢ في أ: "حبيب"..
٣ صحيح البخاري برقم (٤٦٤٧).
.

٤ في ك، م: "البقاء"..
٥ المستدرك (٢/٣٢٨)..
٦ ذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/٤٥)..
٧ في أ: "فقال"..
٨ المسند (٣/١١٢) وسنن الترمذي برقم (٢١٤٠)..
٩ رواه الحاكم في المستدرك (٢/٢٨٨) من طريق الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، رضي الله عنه..
١٠ في ك، م، أ: "قال الإمام عبد بن حميد".
.

١١ المنتخب برقم (٣٥٩)..
١٢ في د، ك، م: "عبيد الله"..
١٣ في د، ك، م: "قلبي"..
١٤ في أ: "زيد"..
١٥ المسند (٤/١٨٢) وسنن النسائي الكبرى برقم (٧٧٣٨) وسنن ابن ماجة برقم (١٩٩)..
١٦ في أ: "تكثر أن"..
١٧ في د: "الإصبعين"..
١٨ في أ: "أزاغه أزاغه"..
١٩ في أ: "أقامه أقامه"..
٢٠ المسند (٦/٩١)..
٢١ في ك، أ: "قلت"..
٢٢ في أ: "وإن القلب ليتقلب"..
٢٣ في أ: "ما من"..
٢٤ المسند (٦/٣٠١) ورواه الترمذي في السنن برقم (٣٥٢٢) من طريق شهر بن حوشب به. قال الترمذي: "هذا حديث حسن"..
٢٥ في أ: "الجبلي"..
٢٦ في د: "يصرفها"..
٢٧ في د، م: "يشاء".
.

٢٨ المسند (٢/١٦٨) وصحيح مسلم برقم (٢٦٥٤) وسنن النسائي الكبرى برقم (٧٨٦١)..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
أَيْ: عَنْ سَمَاعِ الْحَقِّ ﴿الْبُكْمُ﴾ عَنْ فَهْمِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ فَهَؤُلَاءِ شَرُّ الْبَرِيَّةِ؛ لِأَنَّ كُلَّ دَابَّةٍ مِمَّا سِوَاهُمْ مُطِيعَةٌ لِلَّهِ [عَزَّ وَجَلَّ] (١) فِيمَا خَلَقَهَا لَهُ، وَهَؤُلَاءِ خُلِقُوا لِلْعِبَادَةِ فَكَفَرُوا؛ وَلِهَذَا شَبَّهَهُمْ بِالْأَنْعَامِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلا دُعَاءً وَنِدَاءً [صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ]﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٧١]. (٢) وَقَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿أُولَئِكَ كَالأنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٧٩].
وَقِيلَ: (٣) الْمُرَادُ بِهَؤُلَاءِ الْمَذْكُورِينَ نَفَرٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ مِنْ قُرَيْشٍ. رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: هُمُ الْمُنَافِقُونَ.
قُلْتُ: وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ وَالْمُنَافِقِينَ فِي هَذَا؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ مَسْلُوبُ الْفَهْمِ الصَّحِيحِ، وَالْقَصْدِ إِلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ.
ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى بِأَنَّهُمْ لَا فَهْمَ لَهُمْ صَحِيحٌ، وَلَا قَصْدَ لَهُمْ صَحِيحٌ، لَوْ فُرِضَ أَنَّ لَهُمْ فَهْمًا، فَقَالَ: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهُمْ﴾ أَيْ: لَأَفْهَمَهُمْ، وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ: وَلَكِنْ لَا خَيْرَ فِيهِمْ فَلَمْ يُفْهِمْهُمْ؛ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ﴾ أَيْ: أَفْهَمَهُمْ ﴿لَتَوَلَّوْا﴾ عَنْ ذَلِكَ قَصْدًا وَعِنَادًا بَعْدَ فَهْمِهِمْ ذَلِكَ، ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ عَنْهُ.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾
قَالَ الْبُخَارِيُّ: ﴿اسْتَجِيبُوا﴾ أَجِيبُوا، ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ لِمَا يُصْلِحُكُمْ. حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ خُبَيْبِ (٤) بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: سَمِعْتُ حَفْصَ بْنَ عَاصِمٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي، فَمَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَدَعَانِي فَلَمْ آتِهِ حَتَّى صَلَّيْتُ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَقَالَ: "مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْتِيَنِي؟ " أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ ثُمَّ قَالَ: "لَأُعَلِّمَنَّكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ أَخْرُجَ"، فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَخْرُجَ، فَذَكَرْتُ لَهُ -وَقَالَ مُعَاذٌ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ خُبَيْب (٥) بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، سَمِعَ حَفْصَ بْنَ عَاصِمٍ، سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا -وَقَالَ: " هِيَ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ السَّبْعُ الْمَثَانِي" (٦)
هَذَا لَفْظُهُ بِحُرُوفِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ بِذِكْرِ طُرُقِهِ فِي أَوَّلِ تَفْسِيرِ الْفَاتِحَةِ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي قوله: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ قال: الحق.
(١) زيادة من م.
(٢) زيادة من ك، م، أ، وفي هـ: "الآية".
(٣) في د، م: "ثم قيل".
(٤) في أ: "حبيب".
(٥) في أ: "حبيب".
(٦) صحيح البخاري برقم (٤٦٤٧).
وَقَالَ قَتَادَةُ ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ قَالَ: هُوَ هَذَا الْقُرْآنُ، فِيهِ النَّجَاةُ وَالتُّقَاةُ (١) وَالْحَيَاةُ.
وَقَالَ السُّدِّيّ: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ فَفِي الْإِسْلَامِ إِحْيَاؤُهُمْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ بِالْكُفْرِ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ أَيْ: لِلْحَرْبِ الَّتِي أَعَزَّكُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا بَعْدَ الذُّلِّ، وَقَوَّاكُمْ بِهَا بَعْدَ الضَّعْفِ، وَمَنَعَكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ بَعْدَ الْقَهْرِ مِنْهُمْ لَكُمْ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَحُولُ بَيْنَ الْمُؤْمِنِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ، وَبَيْنَ الْكَافِرِ وَبَيْنَ الْإِيمَانِ.
رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ مَوْقُوفًا، وَقَالَ: صَحِيحٌ وَلَمْ يُخْرِجَاهُ (٢) وَرَوَاهُ ابْنُ مَرْدُوَيه مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مَرْفُوعًا (٣) وَلَا يَصِحُّ لِضَعْفِ إِسْنَادِهِ، وَالْمَوْقُوفُ أَصَحُّ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَأَبُو صَالِحٍ، وَعَطِيَّةُ، ومُقَاتِل بْنُ حيَّان، والسُّدِّيّ.
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ حَتَّى تَرَكَهُ لَا يَعْقِلُ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: يَحُولُ بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَقَلْبِهِ، فَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُؤْمِنَ وَلَا يَكْفُرَ إِلَّا بِإِذْنِهِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ هُوَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦].
وَقَدْ وَرَدَتِ الْأَحَادِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا يُنَاسِبُ هَذِهِ الْآيَةَ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولُ: " يَا مُقَلِّب الْقُلُوبِ، ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ". قَالَ: فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، آمَنَّا بِكَ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ، فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا؟ قَالَ (٤) نَعَمْ، إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ تَعَالَى يُقَلِّبُهَا".
وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي "كِتَابِ الْقَدَرِ" مِنْ جَامِعِهِ، عَنْ هَنَّادِ بْنِ السَّرِيِّ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ مُحَمَّدِ بْنِ حَازِمٍ الضَّرِيرِ، عَنِ الْأَعْمَشِ -وَاسْمُهُ سُلَيْمَانُ بْنُ مِهْرَانَ -عَنْ أَبِي سُفْيَانَ -وَاسْمُهُ طَلْحَةُ بْنُ نَافِعٍ -عَنْ أَنَسٍ (٥) ثُمَّ قَالَ: حَسَنٌ. وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ عَنِ الْأَعْمَشِ، رَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْهُ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَحَدِيثُ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ أَنَسٍ أَصَحُّ (٦)
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ (٧) فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ بِلَالٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَدْعُو: "يَا مُقَلِّب الْقُلُوبِ ثَبِّت قَلْبِي عَلَى دينك".
(١) في ك، م: "البقاء".
(٢) المستدرك (٢/٣٢٨).
(٣) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/٤٥).
(٤) في أ: "فقال".
(٥) المسند (٣/١١٢) وسنن الترمذي برقم (٢١٤٠).
(٦) رواه الحاكم في المستدرك (٢/٢٨٨) من طريق الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، رضي الله عنه.
(٧) في ك، م، أ: "قال الإمام عبد بن حميد".
هَذَا حَدِيثٌ جَيِّدُ الْإِسْنَادِ إِلَّا أَنَّ فِيهِ انْقِطَاعًا وَهُوَ -مَعَ ذَلِكَ -عَلَى شَرْطِ أَهْلِ السُّنَنِ وَلَمْ يُخْرِجُوهُ (١)
حَدِيثٌ آخَرُ: وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ جَابِرٍ يَقُولُ: حَدَّثَنِي بُسْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ (٢) الْحَضْرَمِيُّ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّوَّاسَ بْنَ سَمْعَان الْكِلَابِيَّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " مَا مِنْ قَلْبٍ إِلَّا وَهُوَ بَيْنُ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، إِذَا شَاءَ أَنْ يُقِيمَهُ أَقَامَهُ، وَإِذَا شَاءَ أَنْ يُزِيغَهُ أَزَاغَهُ". وَكَانَ يَقُولُ: "يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ، ثَبِّتْ قُلُوبَنَا (٣) عَلَى دِينِكَ". قَالَ: "وَالْمِيزَانُ بِيَدِ الرَّحْمَنِ يَخْفِضُهُ وَيَرْفَعُهُ".
وَهَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ (٤) بْنِ جَابِرٍ (٥) فَذَكَرَ مِثْلَهُ.
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنِ الْمُعَلَّى بْنِ زِيَادٍ، عَنِ الْحَسَنِ؛ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَعَوَاتٌ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو بِهَا: "يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ، ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ". قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ تُكْثِرُ (٦) تَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ. فَقَالَ: "إِنَّ قَلْبَ الْآدَمِيِّ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ (٧) مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ، فَإِذَا شَاءَ أَزَاغَهُ (٨) وَإِذَا شَاءَ أَقَامَهُ (٩) (١٠)
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا هَاشِمُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ، حَدَّثَنِي شَهْرٌ، سَمِعْتُ أُمَّ سَلَمَةَ تُحَدِّثُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُكْثِرُ فِي دُعَائِهِ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ، ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ". قالت: فقلت (١١) يا رسول الله، أو إن الْقُلُوبَ لَتُقَلَّبُ (١٢) ؟ قَالَ: "نَعَمْ، مَا (١٣) خَلَقَ اللَّهُ مِنْ بَشَرٍ مِنْ بَنِي آدَمَ إِلَّا أَنَّ قَلْبَهُ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، فَإِنْ شَاءَ أَقَامَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَزَاغَهُ. فَنَسْأَلُ اللَّهَ رَبَّنَا أَنْ لَا يُزِيغَ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا، وَنَسْأَلُهُ أَنْ يَهَبَ لَنَا مِنْ لَدُنْهُ رَحْمَةً إِنَّهُ هُوَ الْوَهَّابُ". قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا تُعَلِّمُنِي دَعْوَةً أَدْعُو بِهَا لِنَفْسِي؟ قَالَ: " بَلَى، قُولِي: اللَّهُمَّ رَبَّ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، وَأَذْهِبْ غَيْظَ قَلْبِي، وَأَجِرْنِي مِنْ مُضِلَّاتِ الْفِتَنِ مَا أَحْيَيْتَنِي" (١٤)
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ، أَخْبَرَنِي أَبُو هَانِئٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحُبَلي (١٥) أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يَقُولُ: " إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يُصَرِّف (١٦) كَيْفَ شَاءَ (١٧). ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "اللَّهُمَّ مُصَرِّف الْقُلُوبِ، صَرِّف قُلُوبَنَا إلى طاعتك".
(١) المنتخب برقم (٣٥٩).
(٢) في د، ك، م: "عبيد الله".
(٣) في د، ك، م: "قلبي".
(٤) في أ: "زيد".
(٥) المسند (٤/١٨٢) وسنن النسائي الكبرى برقم (٧٧٣٨) وسنن ابن ماجة برقم (١٩٩).
(٦) في أ: "تكثر أن".
(٧) في د: "الإصبعين".
(٨) في أ: "أزاغه أزاغه".
(٩) في أ: "أقامه أقامه".
(١٠) المسند (٦/٩١).
(١١) في ك، أ: "قلت".
(١٢) في أ: "وإن القلب ليتقلب".
(١٣) في أ: "ما من".
(١٤) المسند (٦/٣٠١) ورواه الترمذي في السنن برقم (٣٥٢٢) من طريق شهر بن حوشب به. قال الترمذي: "هذا حديث حسن".
(١٥) في أ: "الجبلي".
(١٦) في د: "يصرفها".
(١٧) في د، م: "يشاء".

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
يأمر تعالى عباده المؤمنين بما يقتضيه الإيمان منهم وهو الاستجابة للّه وللرسول، أي : الانقياد لما أمرا به والمبادرة إلى ذلك والدعوة إليه، والاجتناب لما نهيا عنه، والانكفاف عنه والنهي عنه.
وقوله : إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وصف ملازم لكل ما دعا اللّه ورسوله إليه، وبيان لفائدته وحكمته، فإن حياة القلب والروح بعبودية اللّه تعالى ولزوم طاعته وطاعة رسوله على الدوام.
ثم حذر عن عدم الاستجابة للّه وللرسول فقال : وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ فإياكم أن تردوا أمر اللّه أول ما يأتيكم، فيحال بينكم وبينه إذا أردتموه بعد ذلك، وتختلف قلوبكم، فإن اللّه يحول بين المرء وقلبه، يقلب القلوب حيث شاء ويصرفها أنى شاء.
فليكثر العبد من قول : يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، يا مصرف القلوب، اصرف قلبي إلى طاعتك.
وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ أي : تجمعون ليوم لا ريب فيه، فيجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بعصيانه.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{٢٤ - ٢٥} ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.
يأمر تعالى عباده المؤمنين بما يقتضيه الإيمان منهم وهو الاستجابة لله وللرسول، أي: الانقياد لما أمرا به والمبادرة إلى ذلك والدعوة إليه، والاجتناب لما نهيا عنه، والانكفاف عنه والنهي عنه.
وقوله: ﴿إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ وصف ملازم لكل ما دعا الله ورسوله إليه، وبيان لفائدته وحكمته، فإن حياة القلب والروح بعبودية الله تعالى ولزوم طاعته وطاعة رسوله على الدوام.
ثم حذر عن عدم الاستجابة لله وللرسول فقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ فإياكم أن تردوا أمر الله أول ما يأتيكم، فيحال بينكم وبينه إذا أردتموه بعد ذلك، وتختلف قلوبكم، فإن الله يحول بين المرء وقلبه، يقلب القلوب حيث شاء ويصرفها أنى شاء.
فليكثر العبد من قول: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، يا مصرف القلوب، اصرف قلبي إلى طاعتك.
﴿وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي: تجمعون ليوم لا ريب فيه، فيجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بعصيانه.
﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ بل تصيب فاعل الظلم وغيره، وذلك إذا ظهر الظلم فلم يغير، فإن عقوبته تعم الفاعل وغيره، وتقوى (١) هذه الفتنة بالنهي عن المنكر، وقمع أهل الشر والفساد، وأن لا يمكنوا من المعاصي والظلم مهما أمكن.
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ لمن تعرض لمساخطه، وجانب رضاه.
(١) هكذا في النسختين والمراد ظاهر وهو: أن اتقاء هذه الفتنة يكون بالنهي عن المنكر.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٢٠ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مجاهد — مجاهد بن جبر غريب القرآن — زيد بن علي تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير الإمام مالك — مالك بن أنس معاني القرآن — الفراء معاني القرآن للفراء — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى مجاز القرآن — أبو عبيدة تفسير القرآن — الصنعاني غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري تفسير النسائي — النسائي معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية أحكام القرآن — ابن العربي إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي التفسير القيم — ابن القيم التفسير القيم من كلام ابن القيم — ابن القيم الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني التبيان في تفسير غريب القرآن — ابن الهائم تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — محمد رشيد رضا تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير — الشنقيطي - العذب النمير تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير سفيان الثوري — عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كتاب نزهة القلوب — أبى بكر السجستاني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

التبيان في تفسير غريب القرآن
يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ
أي يملك عليه قلبه فيصرفه كيف شاء.

إعراب الآية ٢٤ من سورة الأنفال

من كتاب: إعراب القرآن

[سورة الأنفال (٨) : آية ٢٣]

وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)
وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ أي لأسمعهم جواب كلّ ما يسألون عنه ودلّ على هذا ولو أسمعهم لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ فخبر بالغيب عنهم.

[سورة الأنفال (٨) : آية ٢٤]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)
إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ حذفت الضمّة من الياء لثقلها ولا يجوز الإدغام.
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ (أنّ) في موضع نصب باعلموا، وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ عطف. قال الفراء «١» : ولو استؤنف فكسرت «وإنّه» لكان صوابا.
قال أبو جعفر: وقد ذكرنا لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً «٢».

[سورة الأنفال (٨) : آية ٢٦]

وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢٦)
إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ ابتداء وخبر. مُسْتَضْعَفُونَ نعت وكذا تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ في موضع نصب.

[سورة الأنفال (٨) : آية ٢٧]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧)
لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ بغلول الغنائم ونسبها إلى الله جلّ وعزّ لأنه أمر بقسمها، وإلى الرسول صلّى الله عليه وسلّم لأنه المؤدّي عن الله جلّ وعزّ والقيّم بها. وَتَخُونُوا في موضع جزم نسقا على الأول وقد يكون نصبا على الجواب كما يقال: لا تأكل السمك وتشرب اللّبن.

[سورة الأنفال (٨) : آية ٢٩]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)
إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً أي يجعل بينكم وبين الكفار فرقانا بأن ينصركم ويعزّكم ويخذلهم ويذلّهم.

[سورة الأنفال (٨) : آية ٣٠]

وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (٣٠)
وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا أي واذكر هذا لِيُثْبِتُوكَ نصب بلام كي قيل معناه
(١) انظر معاني الفراء ١/ ٤٠٧، والبحر المحيط ٤/ ٤٧٦.
(٢) انظر البحر المحيط ٤/ ٤٧٨.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

الموضوعات القرآنية للآية ٢٤ من سورة الأنفال

٤ موضوعات تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٣٦ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

٣٣ قولًا
١
عن أبي صالح باذام -من طريق إسماعيل- ﴿يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ﴾، قال: يحول بينه وبين المعاصي١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏١١٠.
٢
عن قتادة بن دعامة -من طريق معمر- في قوله: ﴿يحول بين المرء وقلبه﴾، قال: هي كقوله: ﴿أقرب إليه من حبل الوريد﴾ [ق:١٦]١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏١١٥.
تعليقات المحققين
  1. ٢وجَّه ابنُ عطية (٤/١٦٣) معنى قول قتادة قائلًا: «فكأنّ هذا المعنى يحضُّ على المراقبة والخوف لله المُطَّلِعِ على الضمائر».
٣
عن مَعْمَر بن راشد -من طريق عبد الرزاق-، مثله١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١‏/‏٢٧٧.
٤
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- ﴿واعلموا أن الله، يحول بين المرء وقلبه﴾، قال: يحول بين الإنسان وقلبه؛ فلا يستطيع أن يؤمن ولا يكفر إلا بإذنه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏١١١.
٥
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- في قوله: ﴿واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه﴾، قال: عِلمُه يحول بين المرء وقلبه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٦٨١.
٦
عن محمد بن السائب الكلبي -من طريق مَعْمَر-: يحول بين المؤمن وبين الكفر، ويحول بين الكافر وبين الإيمان١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١‏/‏٢٧٧.
٧
قال مقاتل بن سليمان: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ﴾، يقول: يحول بين قلب المؤمن وبين الكفر، وبين قلب الكافر وبين الإيمان١٢
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏١٠٨.
تعليقات المحققين
  1. ٢أفادت الآثار اختلاف المفسرين في معنى قوله تعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ﴾ على أقوال: الأول: يحول بين الكافر والإيمان، وبين المؤمن والكفر. وهو قول ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، والضحاك، وغيرهم. الثاني: يحول بين المرء وعقله فلا يدري ما يعمل. وهو قول مجاهد. الثالث: يحول بين المرء وقلبه أن يَقْدِر على إيمانٍ أو كفرٍ إلا بإذنه. وهو قول السدي. الرابع: معناه أنه قريب من قلبه لا يخفى عليه شيء أظهره أو أسرَّه. وهو قول قتادة. ورجَّح ابن جرير (١١/١١٢) العموم، فذكر «أن الحول بين الشيء والشيء إنما هو الحجز بينهما، وإذا حجز -جلَّ ثناؤه- بين عبدٍ وقلبه في شيءٍ أن يدركه أو يفهمه، لم يكن للعبد إلى إدراك ما قد منع اللهُ قلبَه إدراكَه سبيل، وإذا كان ذلك معناه دخل في ذلك قول من قال: يحول بين المؤمن والكفر، وبين الكافر والإيمان، وقول من قال: يحول بينه وبيْن عقله، وقول من قال: يحول بينه وبين قلبه حتى لا يستطيع أن يؤمن ولا يكفر إلا بإذنه». ثم ختم كلامه بقوله: «غير أنه ينبغي أن يقال: إن الله عمَّ بقوله: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ﴾ الخبر أنه يحول بيْن العبد وقلبه، ولم يَخْصُص من المعاني التي ذكرنا شيئًا دون شيء، والكلام مُحْتَمِلٌ كلَّ هذه المعاني، فالخبر على العموم حتى يَخُصَّه ما يجب التسليم له». وذهب ابن القيم (١/٤٤٣) إلى القول الرابع بدلالة السياق، فقال بعد أن ذكر قول قتادة: «وكأن هذا أنسب بالسياق؛ لأن الاستجابة أصلها بالقلب، فلا تنفع الاستجابة بالبدن دون القلب، فإن الله سبحانه بين العبد وبين قلبه، فيعلم هل استجاب له قلبه، وهل أضمر ذلك أو أضمر خلافه؟». ثم ذكر وجْه المناسبة بيْن القول الأول ومعنى الآية، فقال: «وعلى القول الأول فوَجْه المناسبة: إنكم إن تثاقلتم عن الاستجابة، وأبطأتم عنها، فلا تَأْمَنوا أن الله يحول بينكم وبين قلوبكم، فلا يمكنكم بعد ذلك من الاستجابة، وعقوبة لكم على تَرْكِها بعد وضوح الحق واستبانته، فيكون كقوله: ﴿ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهُمْ وأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام:١١٠]، وقوله: ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف:٥]، وقوله: ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِن قَبْلُ﴾ [الأعراف:١٠١]، ففي الآية تحذير عن ترك الاستجابة بالقلب، وان استجاب بالجوارح». وانتقد ابنُ عطية (٤/١٦٤) القول الأول قائلًا: «وقال المفسرون في ذلك أقوالًا هي أجنبية من ألفاظ الآية، حكاها الطبري، منها: أن الله يحول بيْن المؤمن والكافر، وبيْن الكفر والإيمان، ونحو هذا». وزاد ابنُ عطية (٤/١٦٣ بتصرف) في معنى الآية احتمالين آخرين، الأول: أن يكون المعنى حضّ على المبادرة والاستعجال في الطاعة التي دعاهم للاستجابة لها، فقال: «واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه بالموت والقبض، أي: فبادروا بالطاعات». وعلق عليه قائلًا: «ويلتئم مع هذا التأويل قوله:﴿وأنه إليه تحشرون﴾ أي فبادروا الطاعات وتزودوها ليوم الحشر». الثاني: «أن يكون المعنى ترجية لهم بأن الله يبدل الخوف الذي في قلوبهم من كثرة العدو فيجعله جرأة وقوة وبضد ذلك الكفار، فإن الله هو مقلب القلوب كما كان قسم النبي ﷺ، قال بعض الناس: ومنه لا حول ولا قوة إلا بالله، أي: لا حول على معصية ولا قوة على طاعة إلا بالله».
٨
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وأَنَّهُ إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ في الآخرة؛ فيجزيكم بأعمالكم١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏١٠٨.
٩
عن مقاتل بن حيان -من طريق بُكَيْر بن معروف- ﴿وأنه إليه تحشرون﴾، يعني: إليه ترجعون١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٦٨١.
١٠
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ﴾ في الطاعة في أمر القتال ﴿إذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ﴾ يعني: الحرب التي وعدكم الله، يقول: أحياكم بعد الذل، وقَوّاكم بعد الضعف فكان ذلك لكم حياة١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏١٠٨.
١١
عن ابن عباس، قال: سألتُ النبي ﷺ عن هذه الآية: ﴿يحول بين المرء وقلبه﴾. قال: «يحول بين المؤمن والكفر، ويحول بين الكافر وبين الهُدى»١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن مردويه. وأخرجه ابن جرير ١١‏/‏١٠٨ عن ابن عباس موقوفًا عليه بلفظ: «بين الكافر والإيمان». قال ابن عدي في الكامل ٦‏/‏١٦٨: «منكر موضوع». وقال ابن حجر في الفتح ١١‏/‏٥١٤: «بسند ضعيف».
١٢
عن أبي غالب، قال: سألتُ ابن عباس عن قوله: ﴿يحول بين المرء وقلبه﴾. قال: قد سُبِقْتُ بها عند رسول الله ﷺ، إذ وصَف لهم عن القضاء، قال لعُمَر وغيره ممن سأله من أصحابه: «اعمَلْ فكلٌّ مُيَسَّرٌ». قال: وما ذاك التَّيْسِيرُ؟ قال: «صاحبُ النار مُيَسَّرٌ لعمل النار، وصاحبُ الجنة مُيَسَّر لعمل الجنة»١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
١٣
عن أبي غالب الخُلْجِيّ، قال: سألتُ ابن عباس عن قول الله: ﴿يحول بين المرء وقلبه﴾. قال: يحولُ بين المؤمن وبين معصيته التي يستوجبُ بها الهَلَكة، فلا بدَّ لابن آدم أن يُصيبَ دون ذلك، ولا يُدْخِلُ على قلبه الموبقات التي يستوجب بها دار الفاسقين، ويَحول بين الكافر وبين طاعته؛ فلا يصيب مِن طاعته ما يستوجب ما يُصِيبُ أولياؤُه مِن الخير شيئًا، وكان ذلك في العلم السابق الذي يَنْتهِي إليه أمرُ الله، وتستقِرُّ عندَه أعمالُ العباد١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٦٨٠، ١٦٨١.
١٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- في قوله: ﴿واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه﴾، قال: يحول بين المؤمن وبين الكفر ومعاصي الله، ويحول بين الكافر وبين الإيمان وطاعة الله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏١٠٨-١١٠، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٦٨٠، والحاكم ٢‏/‏٣٢٨ وصححه. وعزاه السيوطي إلى ابن أبي شيبة، وخُشَيْش بن أصْرم في الاستقامة، وابن المنذر، وأبي الشيخ.
١٥
عن عبد الله بن عباس، في الآية، قال: يحول بين الكافر وبين أن يَعِيَ بابًا من الخير، أو يعملَه، أو يهتديَ له١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
١٦
عن سعيد بن جبير -من طريق عبد الله بن عبد الله الرازي- ﴿يحول بين المرء وقلبه﴾، قال: بين الكافر أن يؤمن، وبين المؤمن أن يكفر١
التخريج
  1. ١أخرجه سفيان الثوري ص١١٧، وعبد الرزاق ١‏/‏٢٧٧، وابن جرير ١١‏/‏١٠٧. وعلَّقه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٦٨١.
١٧
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿يحول بين المرء وقلبه﴾، قال: حتى يتركَه لا يعقِل١
التخريج
  1. ١تفسير مجاهد ص٣٥٣، وأخرجه ابن جرير ١١‏/‏١١١، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٦٨١. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وأبي الشيخ.
١٨
عن مجاهد بن جبر -من طريق حميد- ﴿يحول بين المرء وقلبه﴾، قال: إذا حال بينك وبين قلبك كيف تعمل؟!١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏١١١.
١٩
عن مجاهد بن جبر -من طريق خُصَيْف- ﴿يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ﴾، قال: يحول بين قلب الكافر وأن يعمل خيرًا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏١١١.
٢٠
عن مجاهد بن جبر -من طريق لَيْث- ﴿يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ﴾، قال: يحول بين المؤمن وبين الكفر، وبين الكافر وبين الإيمان١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏١١٠. وعلَّقه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٦٨١.
٢١
عن ليث، قال: سألت مجاهدًا، قال: قلنا: ما ﴿يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ﴾؟ قال: إذا حال بين المرء وقلبه هلك١
التخريج
  1. ١أخرجه سفيان الثوري ص١١٧-١١٨.
٢٢
عن الضحاك بن مُزاحِم -من طريق عبيد بن سليمان، وعبد العزيز بن أبي رَوّاد- في قوله: ﴿يحول بين المرء وقلبه﴾، قال: يحول بين الكافر وطاعته، وبين المؤمن ومعصيته١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏٢٧٧، وابن جرير ١١‏/‏١٠٨. وعلَّقه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٦٨١.
٢٣
عن الضحاك بن مزاحم -من طريق جُوَيْبِر- قال: يحول بين المرء وبين أن يكفر، وبين الكافر وبين أن يؤمن١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏١٠٩.
٢٤
عن عكرمة مولى ابن عباس، وأبي صالح باذام، وإسماعيل السدي، أنهم قالوا: يحول بين المؤمن أن يكفر، وبين الكافر أن يؤمن١
التخريج
  1. ١علَّقه ابن أبي حاتم ٥/ ١٦٨١.
٢٥
عن الحسن البصري: في قوله: ﴿يحول بين المرء وقلبه﴾، قال: في القُرْبِ منه١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن جرير.
٢٦
قال عطية بن سعد العوفي، ومقاتل بن حيان: بين الكافر وبين طاعته، وبين المؤمن ومعصيته١
التخريج
  1. ١علَّقه ابن أبي حاتم ٥/ ١٦٨١.
٢٧
عن أبي هريرة، قال: خرج رسول الله ﷺ على أُبَيٍّ وهو يصلي، فدعاه: «أيْ أُبَيُّ». فالتفت إليه أُبَيٌّ، ولم يُجِبْه، ثم إن أُبَيًّا خَفَّف الصلاة، ثم انصرف إلى النبي ﷺ، فقال: السلام عليك، أيْ رسولَ الله. قال: «وعليك، ما منعك إذ دعوتك أن تجيبني؟». قال: يا رسول الله، كنت أصلي. قال: «أفَلَمْ تَجِدْ فيما أُوحِي إلَيَّ أن ﴿استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم﴾؟». قال: بلى، يا رسول الله، لا أعود١
التخريج
  1. ١أخرجه الترمذي ٥‏/‏١٤٧-١٤٨ (٣٠٩٢)، وابن خزيمة ٢‏/‏٨٧ (٨٦١)، والحاكم ١‏/‏٧٤٥ (٢٠٥١)، وابن جرير ١١‏/‏١٠٦ واللفظ له. قال الترمذي: «حديث حسن صحيح».
٢٨
عن أبي سعيد بن المُعَلّى أن رسول الله ﷺ كان في المسجد وأنا أصلي، فدعاني فصليتُ ثم جئت فقال: «ما منعك أن تجيب حين دعوتك؟ أما سمعت الله عز وجل يقول: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ﴾»١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٦‏/‏١٧ (٤٤٧٤)، ٦‏/‏٦١-٦٢ (٤٦٤٧)، ٦‏/‏٨١ (٤٧٠٣)، ٦‏/‏١٨٧ (٥٠٠٦)، وابن جرير ١٤‏/‏١٢٤-١٢٥، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٦٧٩ (٨٩٤٧) واللفظ له.
٢٩
عن عروة بن الزبير -من طريق ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر- في قوله: ﴿إذا دعاكم لما يحييكم﴾، أي: للحرب التي أعزَّكم الله بها بعد الذُّلّ، وقوّاكم بها بعد الضعف، ومَنَعَكم بها من عدوِّكم بعد القَهْر منهم لكم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن إسحاق -كما في سيرة ابن هشام ١‏/‏٦٦٩-، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٦٨٠.
٣٠
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نَجِيح- في قوله: ﴿إذا دعاكم لما يحييكم﴾، قال: للحقِّ١
التخريج
  1. ١تفسير مجاهد ص٣٥٣، وأخرجه ابن جرير ١١‏/‏١٠٤، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٦٧٩. وعزاه السيوطي إلى ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وأبي الشيخ.
٣١
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿إذا دعاكم لما يحييكم﴾، قال: هو هذا القرآن؛ فيه الحياة، والثِّقة، والنجاة، والعِصْمَة في الدنيا والآخرة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏١٠٥، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٦٨٠. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وأبي الشيخ.
٣٢
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- ﴿يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم﴾، قال: أما ﴿يحييكم﴾ فهو الإسلام، أحياهم بعد موتهم، بعد كفرهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏١٠٤، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٦٨٠.
٣٣
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- ﴿إذا دعاكم لما يحييكم﴾، يقول: للحرب الذي أعزكم الله بها بعد الذل، وقواكم بعد الضعف، ومنعكم بها من عدوكم بعد القهر منهم لكم١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏١٠٥، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٦٨٠.
تعليقات المحققين
  1. ٢أفادت الآثار اختلاف المفسرين في قوله تعالى: ﴿إذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ﴾ على أقوال: الأول: إذا دعاكم للإيمان. وهو قول السدي. الثاني: إذا دعاكم للحق. وهو قول مجاهد. الثالث: إذا دعاكم إلى ما في القرآن. وهو قول قتادة. الرابع: إذا دعاكم إلى الحرب وجهاد العدوّ. وهو قول ابن إسحاق. ورجَّح ابنُ جرير (١١/١٠٥، ١٠٦) مستندًا إلى السنة القول الثاني، وجعل القول الثالث والرابع داخلَيْن في معنى القول الثاني، فقال: «معناه: استجيبوا لله وللرسول بالطاعة إذا دعاكم الرسول لما يحييكم من الحق. وذلك أن ذلك إذا كان معناه، كان داخلًا فيه الأمر بإجابتهم لقتال العدوّ والجهاد، والإجابة إذا دعاكم إلى حكم القرآن، وفي الإجابة إلى كل ذلك حياة المجيب. أما في الدنيا، فيقال: الذكر الجميل، وذلك له فيه حياة، وأما في الآخرة، فحياة الأَبَد في الجِنان والخلود فيها». ووجَّه ابنُ عطية (٤/١٦٢) الأقوال الثلاثة الأولى، فقال: «وهذا إحياءٌ مستعارٌ؛ لأنه من موت الكفر والجهل». ووجَّه القول الرابع قائلًا: «وهو يُحْيي بالعزة والغلبة والظفر، فَسَمّى ذلك حياة، كما تقول: حَيِيَتْ حال فلان إذا ارتفعت، ويُحيي أيضًا كما يُحيي الإسلام والطاعة وغير ذلك بأنه يؤدي إلى الحياة الدائمة في الآخرة». ووجَّه ابنُ القيم (١/٤٤١) جميع الأقوال، فقال: «وهذه كلها عبارات عن حقيقة واحدة: وهي القيام بما جاء به الرسول ﷺ ظاهرًا وباطنًا». وعلَّق على القول الرابع قائلًا: «الجهاد من أعظم ما يحييهم به في الدنيا، وفي البرزخ، وفي الآخرة. أما في الدنيا: فإن قوتهم وقهرهم لعدوهم بالجهاد. وأما في البرزخ: فقد قال تعالى: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبهم يرْزقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩]. وأما في الآخرة: فإن حظ المجاهدين والشهداء من حياتها ونعيمها أعظم من حظ غيرهم». وانتقد ابنُ جرير (١١/١٠٦) مستندًا إلى مخالفة ظاهر لفظ الآية القولَ الأول، قائلًا: «وأما قول من قال: معناه: الإسلام، فقولٌ لا معنى له؛ لأن الله قد وصفهم بالإيمان بقوله: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ﴾، فلا وجْه لأن يُقال للمؤمن: استَجِبْ لله وللرسول إذا دعاك إلى الإسلام والإيمان». ثم ذكر بسنده روايتين لحديث أبي هريرة حين دعا النبي ﷺ أُبَيَّ بن كعب وهو يصلي فلم يُجِبْه، فلما انتهى من صلاته اعتذر إلى النبي ﷺ بأنه كان يصلي، فقال له النبي ﷺ: «أفلم تجد فيما أوحي إليّ أن ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ﴾؟». قال: بلى، يا رسول الله، لا أعود. ثم ذكر (١١/١٠٧) بأن في هذا الحديث: «ما يُبِينُ عن أن المعنيَّ بالآية هم الذين يدعوهم رسول الله ﷺ إلى ما فيه حياتهم بإجابتهم إليه من الحق بعد إسلامهم؛ لأن أُبَيًّا لا شك أنه كان مسلمًا في الوقت الذي قال له النبي ﷺ ما ذكرنا في هذين الخبرين». ووافقه ابنُ عطية (٤/١٦٢). وزاد ابنُ عطية قولًا عن النقاش أنه قال: «المراد: إذا دعاكم للشهادة». ثم علّق بقوله: «فهذه صلة حياة الدنيا بحياة الآخرة».

آثار متعلقة بالآية

٣ أقوال
١
عن أنس، قال: كان النبي ﷺ يكثر أن يقول: «يا مقلب القلوب، ثَبِّت قلبي على دينك». قالوا: يا رسول الله، آمَنّا بك وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ قال: «نعم». قال: «إنّ القلوب بين أصبعين من أصابع الله يُقَلِّبها»١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ١٩‏/‏١٦٠ (١٢١٠٧)، ٢١‏/‏٢٥٩ (١٣٦٩٦)، والترمذي ٤‏/‏٢١٩ (٢٢٧٧)، وابن ماجه ٥‏/‏٩ (٣٨٣٤). قال الترمذي: «هذا حديث حسن، وهكذا روى غير واحد، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن أنس. وروى بعضهم عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن النبي ﷺ. وحديث أبي سفيان عن أنس أصح».
٢
عن أم سلمة: أن رسول الله ﷺ كان يكثر في دعائه أن يقول: «اللهم مقلب القلوب، ثَبِّت قلبي على دينك». قلت: يا رسول الله، وإنّ القلوب لَتَتَقَلَّب؟ قال: «نعم، ما من خلق الله من بشر من بني آدم إلا وقلبه بين أصبعين من أصابع الله، فإن شاء الله أقامه، وإن شاء أزاغه، فنسأل الله ربَّنا أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا الله، ونسأله أن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب». قلت: يا رسول الله، ألّا تُعَلِّمُني دعوة أدعو بها لنفسي. قال: «بلى، قُولِي: اللهم ربَّ النبي محمد، اغفر لي ذنبي، وأذهب غيظ قلبي، وأَجِرْني من مُضِلّات الفتن ما أحْيَيْتَني»١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٤٤‏/‏١٣٨ (٢٦٥١٩) مختصرًا، ٤٤‏/‏٢٠٠ (٢٦٥٧٦)، ٤٤‏/‏٢٧٨ (٢٦٦٧٩)، وابن جرير ٥‏/‏٢٢٩. قال ابن جرير ١٢‏/‏٤٣٥: «ولا نعلم لشَهْر سماعًا يصح عن أم سلمة». وقال الهيثمي في المجمع ٦‏/‏٣٢٥ (١٠٨٨٨): «قلت: روى الترمذي بعضه. رواه أحمد، وفيه شَهْر بن حَوْشَب، وهو ضعيف، وقد وُثِّق». وقال في ١٠‏/‏١٧٦ (١٧٣٨١): «قلت: عند الترمذي بعضه. رواه أحمد، وإسناده حسن».
٣
عن عمر بن الخطاب -من طريق عمرو بن ميمون- أنّه سمع غلامًا يدعو: اللَّهم، إنك تحول بين المرء وقلبه، فحُلْ بيني وبين الخطايا فلا أعملَ بشيء منها. فقال عمر: رحمك الله. ودعا له بخير١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد في الزهد ص١١٤. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
التفسير بالمأثور لسورة الأنفال كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٢٤ من سورة الأنفال

٤٥ وقفةً في هذه الآية

  • (واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه) لن تصل لقلبك إلا من خلال الاتجاه لله

    — عقيل الشمري

  • ﴿واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه﴾ أنت لا تملك قلبك ، فاستعن بمن يملكه أن يثبّته .

    — إبراهيم العقيل

  • " استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يُحييكم" الإنسان ميت قبل أن يعرف الله !

    — نايف الفيصل

  • {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ... } المستجيب لله حي ؛ فعلى قدر الاستجابة تكون الحياة

    — فوائد القرآن

  • قلب مقبور في جسد هكذا يحيا بعض الناس بعيدا عن الاستجابة (استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم).

    — ابتسام الجابري

  • "يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم"حياة القلب والروح بعبودية الله تعالى ولزوم طاعته وطاعة رسوله على الدوام.

    — تفسير السعدي

  • ﴿ واعلموا أن الله يعلم ....﴾ ومن علم أن الله يعلم لن يتجرأ على معصيته!

    — نايف الفيصل

  • ﴿أن الله يحول بين المرء وقلبه﴾ أحيانا تقليب القلوب نعمة! قد تحب ما يضرك ولا سلطان لك على قلبك فتتدخل عناية الله فتصرفه

    — روائع القرآن

  • ﴿واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه﴾ قيل"مثل القلب في سرعة تقلبه كريشة ملقاه بأرض فلاة تقلبها الرياح ظهرا لبطن" اللهم ثبت قلوبنا على الدين

    — فوائد القرآن

  • ﴿واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه﴾ سمع عمر رجلا يقول:اللهم إنك تحول بين المرء وقلبه فحل بيني وبين معاصيك أن أعمل بشيء منها.

    — روائع القرآن

  • ﴿ وَاعْلَمُوا أنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقلبه ﴾ لا تعجب بعملك فالأعمال بالخواتيم ! اللهم نسألك الثبات حتى الممات .

    — روائع القرآن

  • "واعلموا أن الله (يحول) بين المرء (وقلبه)" كل محاولاتنا لتغيير مشاعرنا لتخفيف أحزاننا تبوء بالفشل ما لم نتصل بالله

    — عبدالله بلقاسم

و٣٣ وقفةً أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.

فتاوى متعلقة بالآية ٢٤ من سورة الأنفال

فتوى واحدة تتعلق بهذه الآية

ترجمات معاني الآية ٢٤ من سورة الأنفال

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(24) O you who have believed, respond to Allāh and to the Messenger when he calls you to that which gives you life. And know that Allāh intervenes between a man and his heart and that to Him you will be gathered.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال