غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
القراءات :﴿ولا تولوا﴾ بالإدغام : البزي وابن فليح.
الوقوف :﴿تسمعون﴾ ه ج للآية وللعطف ﴿لا يسمعون﴾ ه ﴿لا يعقلون﴾ ه ﴿لأسمعهم﴾ ط ﴿معرضون﴾ ه ﴿لما يحييكم﴾ ج لعطف المتفقتين مع اعتراض الظرف ﴿تحشرون﴾ ه ﴿خاصة﴾ ج لما مر ﴿العقاب﴾ ه ﴿تشكرون﴾ ه ﴿تعلمون﴾ ه ﴿فتنة﴾ لا للعطف ﴿عظيم﴾ ه ﴿ويغفر لكم﴾ ط ﴿العظيم﴾ ه ﴿أو يخرجوك﴾ ط ﴿ويمكر الله﴾ ط ﴿الماكرين﴾ ه.
ثم علم المؤمنين أدباً آخر فقال ﴿استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم﴾ فوحد الضمير كما مر. والمراد بالاستجابة الطاعة والامتثال، وبالدعوة البعث والتحريض. عن أبي هريرة أن النبي ﷺ مرّ على باب أبيّ بن كعب فناداه وهو في الصلاة فعجل في صلاته ثم جاء فقال : ما منعك عن إجابتي ؟ قال : كنت أصلي. قال : ألم تخبر فيما أوحي إليّ ﴿استجيبوا لله وللرسول﴾ ؟ قال : لا جرم لا تدعوني إلا أجبتك، وقد يتمسك الفقهاء بهذا الخبر على أن ظاهر الأمر للوجوب وإلا فلم يتوجه اللوم. ثم قيل : إن هذا مما اختص به رسول الله ﷺ وقيل : إن دعاءه كان لأمر لم يحتمل التأخير وإذا وقع مثله للمصلي فله أن يقطع صلاته. ثم الإحياء لا يمكن أن يحمل على نفس الحياة لأن إحياء الحي محال فذكروا فيه وجوهاً : قال السدي : هو الإسلام والإيمان لأن الإيمان حياة القلب والكفر موته بدليل قوله ﴿يخرج الحي من الميت﴾ [الأنعام: ٩٥] أي المؤمن من الكافر. وقال قتادة : يعني القرآن لأن فيه العلم الذي به الحياة الحقيقية. والأكثرون على أنه الجهاد لأن وهن أحد العدوّين سبب حياة الآخر، ولأن الجهاد سبب حصول الشهادة التي توجب الحياة الدائمة لقوله ﴿بل أحياء عند ربهم﴾ [آل عمران: ١٦٩]، وقيل : إنه عام في كل حق وصواب فيدخل فيه القرآن والإيمان والجهاد وكل أعمال البر والطاعة. والمراد لما يحييكم الحياة الطيبة كما قال ﴿فلنحيينه حياة طيبة﴾ [آل عمران: ١٦٩]، ﴿واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه﴾ اختلف الناس فيه بحسب اختلافهم في مسألة الجبر والقدر فنقل الواحدي عن ابن عباس والضحاك : يحول بين الكافر وطاعته ويحول بين المطيع ومعصيته. فالسعيد من أسعده الله والشقي من أضله الله، والقلوب بيد الله يقلبها كيف يشاء ويخلق فيها القصود والدواعي والعقائد حسبما يريد، وتقرير ذلك من حيث العقل وجوب انتهاء جميع الأسباب إليه، ثم ختم الآية بقوله ﴿وإنه إليه يحشرون﴾ ليعلم أنهم مع كونهم مجبورين خلقوا مثابين ومعاقبين إما للجنة وإما للنار لا يتركون مهملين معطلين. وقالت المعتزلة : إن من حال الله بينه وبين الإيمان فهو عاجز وأمر العاجز سفه ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، وإنه تعالى أمر بالاستجابة لله وللرسول فلو لم تكن الإجابة ممكنة فكيف يأمر بها، ولو كان الأمر بغير المقدور جائزاً لكان القرآن حجة للكفار على الرسول لا له عليهم. فإذا لا يمكن حمل الآية على ما قاله أهل الجبر. فتأويلها أن الله يحول بين المرء وبين الانتفاع بقلبه بسبب الموت يدل عليه قوله ﴿وإنه﴾ أي وأن الشأن أو الله إليه تحشرون والمقصود الحث على الطاعة قبل نزول سلطان الموت، أو أنه تعالى يحول بين المرء وبين ما يتمناه بقلبه تسمية للشيء باسم محله فكأنه قيل : بادروا إلى الأعمال الصالحة ولا تعتمدوا على طول البقاء فإن الأجل يحول دون الأمل أو المراد سارعوا إلى الطاعة ولا تمتنعوا عنها بسبب ما تجدون في قلوبكم من الضعف والجبن فإن الله مقلب القلوب من حالة العجز والجبن إلى القوة والشجاعة وقد يبدل بالأمن خوفاً وبالخوف أمناً، وبالذكر نسياناً وبالنسيان ذكراً، وما أشبه ذلك مما هو جائز على الله تعالى، فأما ما يثاب عليه العبد ويعاقب من أفعال القلوب فلا. وقال مجاهد : المراد بالقلب العقل والمعنى بادروا إلى الأعمال وأنتم تعقلون. ولا تأمنوا زوال العقول التي عند ارتفاعها يبطل التكليف فلا يقدر على الكفر والإيمان. وعن الحسن : إن الغرض التنبيه على أنه تعالى مطلع على بواطن العبد وضمائره، وإن قربه من عبده أشد من قرب قلبه منه كقوله ﴿ونحن أقرب إليه من حبل الوريد﴾ [ق: ١٦].
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:التأويل : إن شر من دب في الوجود هم ﴿الصم﴾ عن استماع كلام الحق. يسمع القلب والقبول ﴿إليكم﴾ عن كلام الحق والكلام مع الحق. والأصم لا بد أن يكون أبكم فلذلك خصا بالذكر ﴿الذين لا يعقلون﴾ أنهم لماذا خلقوا فلا جرم يؤل حالهم من أن يكونوا خير البرية إلى أن يكونوا شرّ الدواب ﴿استجيبوا لله﴾ إنه تعالى يطلب بالمحجة من العبد الإجابة كما يطلب العبد للحاجة منه الإجابة، فالاستجابة لله إجابة الأرواح للشهود وإجابة القلوب للشواهد، وإجابة الأسرار للمشاهدة، وإجابة الخفي للفناء في الله، والاستجابة للرسول بالمتابعة لما يحييكم يفنيكم عنكم ويبقكيم به ﴿واعلموا أن الله يحول﴾ بسطوات أنوار جماله وجلاله بين مرآة قلبه وظلمة أوصاف قالبه ﴿وإنه إليه تحشرون﴾ بالفناء عنكم والبقاء به ﴿واتقوا﴾ أيها الواصلون فتنة ابتلاء النفوس بحظوظها الدنيوية والأخروية. لا تصيب النفوس الظالمة فقط بل تصيب ظلمتها الأرواح النورانية والقلوب الربانية فتجتذبها من حظائر القدس ورياض الأنس إلى حضائض صفات الإنس ﴿واعلموا أن الله شديد العقاب﴾ يعاقب الواصلين بالانقطاع والاستدراج عن الالتفات إلى ما سواه ﴿واذكروا إذ أنتم﴾ أيها الأرواح والقلوب ﴿قليل﴾ لم ينشأ بعد لكما الصفات الأخلاق الروحانية ﴿مستضعفون﴾ من غلبات صفات النفس لإعواز التربية بألبان آداب الطريقة ولانعدام جريان أحكام الشريعة عليكم إلى أوان البلوغ. ﴿يخافون﴾ أن تسلبكم النفوس وصفاتها والشيطان وأعوانه ﴿فآواكم﴾ إلى حظائر القدس ﴿وأيدكم﴾ بالواردات الربانية ﴿ورزقكم﴾ المواهب الطاهرة من لوث الحدوث. ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ يعني الأرواح والقلوب المنوّرة بنور الإيمان المستسعدة بسعادات العرفان ﴿لا تخونوا الله﴾ فيما آتاكم من المواهب فتجعلوها شبكة لاصطياد الدنيا ولا تخونوا الرسول بترك السنة والقيام بالبدعة ﴿وتخونوا أماناتكم﴾ التي هي محبة الله، وخيانتها تبديلها بمحبة المخلوقات ﴿وأنتم تعلمون﴾ إنكم تبيعون الدين بالدنيا والمولى بالأولى ﴿فتنة﴾ يختبركم الله بها بالتمييز الموافق من المنافق، والصديق من الزنديق. ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ بهذه المقامات والكرامات ﴿أن تتقوا الله﴾ من غير الله ﴿يجعل لكم فرقاناً﴾ يفض عليكم من سجال جماله وجلاله القديم ما تفرقون به بين الحدوث والقدم ﴿ويكفر عنكم﴾ سيئات وجودكم الفاني ﴿ويغفر لكم﴾ يستركم بأنوار جماله وجلاله ﴿والله ذو الفضل العظيم﴾ وهو البقاء بالله بعد الفناء فيه ﴿ليثبتوك﴾ أيها الروح في أسفل سافلين الطبيعة أو يعدموك بانعدام آثارك ﴿أو يخرجوك﴾ من عالم الأرواح ﴿والله خير الماكرين﴾ يصلح حال أهل الصلاح البتة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى