تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
وقوله تعالى :( يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ) قال بعضهم : هذه الآية صلة قوله :( كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون )[الأنفال: ٥] يقول، والله أعلم ( استجيبوا لله وللرسول ) إلى ما يدعوكم، وإن كانت أنفسكم تكره الخروج لذلك لقلة عددكم وضعف أبدانكم وكثرة عدد العدو وقوتهم.
وقوله تعالى :( إذا دعاكم لما يحييكم ) بالذكر والشرف والثناء الحسن في الدنيا والحياة في الآخرة اللذيذة الدائمة، أي[ في الأصل وم : و ] إن متم، وهلكتم في ما يدعوكم إليه، يكن[ في الأصل وم : يكون ] لكم في الآخرة حياة الأبد.
ويحتمل أن تكون الآية في جملة المؤمنين ؛ أي ( استجيبوا لله ) في أموره ونواهيه ( وللرسول ) في ما يدعوكم إليه ؛ وإنما كان يدعو إلى دار الآخرة كقوله تعالى :( والله يدعوا إلى دار السلام )[يونس: ٢٥] ودار الآخرة هي دار الحياة كقوله تعالى :( وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون )[العنكبوت: ٦٤] كأنه قال، والله أعلم :( استجيبوا لله وللرسول ) فإنه إنما دعاكم إلى ما تَحْيَون فيها ليس كالكافر الذي ( لا يموت فيها ولا يحيى )[ طه : ٧٤ والأعلى : ١٣ ] بتركه الإجابة.
وقوله تعالى :( واعلموا أن الله يحول ين المرء وقلبه ) أمكن أن يخرج هذا على الأول ؛ أي اعلموا ( أن الله يحول بين المرء وقلبه ) يجعل القوي ضعيفا والعزيز ذليلا والضعيف قويا والذليل عزيزا والشجاع جبانا والخائف أمينا والآمن خائفا. فأجيبوا الرسول بالخروج للجهاد. وإن كنتم تخافون لضعفكم وقوتهم.
ويحتمل في جملة المؤمنين : أن من استجاب لله وللرسول إذا دعاه يجعل قلبه هو الغالب على نفسه والحائل بينه وبين ما تدعو إليه [ النفس، وإذا ترك الإجابة يجعل نفسه هي الحائلة بينه وبين ما يدعو إليه ][ من م، ساقطة من الأصل ]، والداعية إلى ذلك ( وأنه إليه تحشرون ) وقيل :( استجيبوا لله وللرسول ) بالطاعة في أمر القتال ( إذا دعاكم ) إلى الحرب ( لما يحييكم ) يعني بالحرب التي أعزكم الله يقول : أحياكم الله بعد الذل، وقواكم بعد الضعف. وكان ذلك حياة.
[ وقوله تعالى ][ ساقطة من الأصل وم ] :( واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه ) يخرج على وجهين : يحول بين قلب المؤمن [ وبين الكفر ][ من م، ساقطة من الأصل ] ويحول بين الكافر وبين الإيمان.
وقوله تعالى :( واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه ) يخرَّج على وجهين.
أحدهما : يستعجل التوبة قبل أن ينزل به الموت، [ كأنه ][ ساقطة من الأصل وم ] يقول : أجيبوا الله والرسول قبل أن يحال بين المرء وبين التوبة بالموت.
والثاني :( يحول بين المرء وقلبه ) بالأعمال التي يكتسبها، ينشئ بالفعل[ في الأصل وم : الفعل ] الذي يفعله طبع قلبه وختمه، وينشئ ظلمة تحول بينه وبين ما يقصده، ويدعى إليه، والله أعلم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى