الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
قوله :﴿يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول﴾، إلى قوله :﴿شديد العقاب﴾[ ٢٥، ٢٤ ].
قال أبو عبيدة معنى ﴿استجيبوا﴾ : أجيبوا، كما قال : فلم يستجب(١) عند ذاك(٢) مجيب(٣)، أي : يجبه.
ومعنى :﴿لما يحييكم﴾[ ٢٤ ].
أي : للإيمان(٤). وقيل : للإسلام(٥). وقيل : للحق(٦). وقيل : للقرآن وما فيه(٧).
وقيل : إلى الحرب وجهاد العدو(٨).
وسماه " حياة " ؛ لأن الكافر مثل الميت(٩).
وقيل معنى :﴿لما يحييكم﴾، أي : لما تصيرون به إذا قبلتموه إلى الحياة الدائمة في الآخرة.
وروي أن النبي ﷺ، دعا أبيا وهو يصلي فلم يجبه أبيّ، فخفف الصلاة، ثم انصرف إلى النبي ﷺ، فقال له النبي ﷺ : ما منعك إذ دعوتك أن تجيبني ؟ قال : يا رسول الله، كنت أصلي، قال له : أفلم تجد فيما أوحي إلي :﴿استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم﴾ ؟ قال : بلى، يا رسول الله، ولا أعود(١٠).
فهذا(١١) يبين أن المعنى يراد به الذين يدعوهم رسول الله ﷺ إلى ما فيه حياة لهم من الخير بعد الإسلام المدعو إيمانه(١٢).
وقوله :﴿واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه﴾[ ٢٤ ].
قال ابن جبير : يحول بين الكافر أن يؤمن، وبين المؤمن أن يكفر(١٣).
وكذلك قال ابن عباس(١٤).
وقال الضحاك : يحول بين الكافر وطاعته، وبين المؤمن ومعصيته(١٥).
وقال مجاهد معناه : يحول بين المرء وعقله ( حتى لا يدري ما يصنع(١٦).
وقال السدي في معناه : يحول بين الإنسان وقلبه )(١٧). فلا يستطيع أن يؤمن ولا أن يكفر إلا بإذنه(١٨).
وقيل المعنى : يحول بين المرء وبين ما يتمناه بقلبه من طول العيش وامتداد الآمال والتسويف بالتوبة، فيعاجله الموت قبل بلوغ شيء من ذلك(١٩).
وقال قتادة(٢٠) معناه : إنه قريب من قلب الإنسان، لا يخفى عليه شيء أظهره، ولا شيء أسرّه، وهو مثل قوله :﴿ونحن أقرب إليه من حبل الوريد﴾(٢١).
وقال الطبري : هو خبر من الله عز وجل، أنه أملك بقلوب(٢٢) العباد منهم، وأنه يحول بينهم وبينها إذا شاء، حتى لا يدرك الإنسان شيئا من الإيمان ولا الكفر، ولا يعي(٢٣) شيئا(٢٤). ولا يفهم شيئا، إلا بإذنه ومشيئته(٢٥).
وقد كان النبي ﷺ، كثيرا ما يقول في دعائه : يا مقلب القلوب قلب قلبي إلى طاعتك(٢٦).
وفي رواية أخرى : ثبت قلبي على طاعتك(٢٧).
وكان يحلف : " لا ومقلب القلوب " (٢٨).
ومن هذا يقال : لا حول ولا قوة إلا بالله، فمعناه : لا حول عن معصية، ولا قوة عن طاعة إلا بالله(٢٩).
( وقال النبي ﷺ، إذ(٣٠) نظر إلى زوجة زيد )(٣١) فاستحسنها، وقد كان عرضت عليه نفسها فلم يستحسنها : " سبحان مقلب القلوب " (٣٢).
﴿وأنه إليه تحشرون﴾[ ٢٤ ].
أي : تردون.
١ في الأصل: فلم يستجيب، وهو خطأ ناسخ..
٢ في المخطوطتين: ذلك، وهو تحريف..
٣ مجاز القرآن ١/٢٤٥، بلفظ: ﴿استجيبوا لله﴾، مجازه: أجيبوا الله، ويقال: استجبت له، واستجبته، وقال كعب بن سعد الغنوي:
وداع دعا يا من يجيب إلى الندىفلم يستجبه عند ذاك مجيب
والبيت من قصيدة [جمهرية أصمعية] يرثي أخاه أبا المغوار، انظر: مزيد بيان في سِمط الآلئ ٢/٧٧١.
وهو منسوب في جامع البيان ٢/٢١٧، وتخريجه فيه، ومعاني القرآن للزجاج ١/٢٥٥، وتخريجه فيه. ومن غير نسبة في تأويل مشكل القرآن ٢٢٩، وأحكام ابن العربي ٢/٨٤٥، والمحرر الوجيز ٢/٥١٤، وتفسير القرطبي ٢/٢٠٩، و٧/٢٤٧، وفتح القدير ٢/٣٤١.
انظر: معجم شواهد العربية ١/٤٠: الباء المضمومة.
والشاهد فيه: أن أجاب واستجاب بمعنى..

٤ وهو قول مجاهد كما في تفسيره ٣٥٣، وزاد المسير ٣/٣٣٨، وزاد نسبته إلى السدي..
٥ وهو قول السدي في جامع البيان ١٣/٤٦٤، وتفسير ابن أبي حاتم ٥/١٦٨٠، وتفسير الماوردي ٢/٣٠٧، وتفسير ابن كثير ٢/٢٩٧.
وقال الطبري، مصدر سابق: "وأما قول من قال: معناه: الإسلام فقول لا معنى له، لأن الله قد وصفهم بالإيمان...."..

٦ وهو قول مجاهد، التفسير ٣٥٣، بلفظ: ".... ، إذا دعاكم للحق، يعني: إلى الإيمان"، وجامع البيان ١٣/٤٦٤، وتفسير ابن أبي حاتم ٥/١٦٧٩، وتفسير الماوردي ٢/٣٠٧، وزاد المسير ٣/٣٣٨، وتفسير ابن كثير ٢/٢٩٧..
٧ وهو قول قتادة في جامع البيان ١٣/٤٦٤، وتفسير ابن أبي حاتم ٥/١٦٨، وتفسير الماوردي ٢/٣٠٧، وزاد المسير ٣/٣٣٩، وزاد نسبته إلى ابن زيد، وتفسير ابن كثير ٢/٢٩٧..
٨ وهو قول ابن إسحاق في جامع البيان ١٣/٤٦٥، وتفسير ابن أبي حاتم ٥/١٦٨٠، وتفسير الماوردي ٢/٣٠٧، وفيه أقوال أخرى. وزاد المسير ٣/٣٣٩، وتفسير ابن كثير ٢/٢٩٧، وفيه: "وقال محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير...."، والدر المنثور ٤/٤٤، وفيه: "وأخرج ابن إسحاق وابن أبي حاتم عن عروة بن الزبير..."..
٩ وهذا إحياء مستعار، لأنه من موت الكفر والجهل، كما في تفسير القرطبي ٧/٢٤٧.
قال الطبري في جامع البيان ١٣/٤٦٥: "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: معناه: استجيبوا لله وللرسول بالطاعة، إذا دعاكم الرسول لما يحييكم من الحق. وذلك أن ذلك إذا كان معناه، كان داخلا في الأمر بإجابتهم لقتال العدو والجهاد، والإجابة إذا دعاكم إلى حكم القرآن، وفي الإجابة إلى كل ذلك حياة المجيب. أما في الدنيا، فبقاء الذكر الجميل، وذلك له فيه حياة. وأما في الآخرة، فحياة الأبد في الجنان والخلود فيها".
وفي تفسير الخازن ٢/١٧٤: "واستدل أكثر الفقهاء بهذه الآية على أن ظاهر الأمر الوجوب؛ لأن كل من أمره الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، بفعل فقد دعاه إليه، وهذه الآية تدل على أنه لابد من الإجابة في كل ما دعا الله ورسوله إليه".
وقال الشوكاني في فتح القدير ٢/٣٤٢: "ويستدل بهذا الأمر بالاستجابة على أنه يجب على كل مسلم إذا بلغه قول الله أو قول رسوله في حكم من الأحكام الشرعية أن يبادر إلى العمل به كائنا ما كان ويدع ما خالفه من الرأي وأقوال الرجال. وفي هذه الآية الشريفة أعم باعث على العمل بنصوص الأدلة، وترك التقيد بالمذاهب، وعدم الاعتداد بما يخالف ما في الكتاب والسنة كائنا ما كان"..

١٠ جزء من حديث طويل أخرجه أحمد في مسنده رقم: ٨٩٧٧، والترمذي في سننه، كتاب: فضائل القرآن، باب: ما جاء في فضل فاتحة الكتاب، رقم ٢٨٠٠..
١١ في الأصل: فهادن، وهو تحريف..
١٢ كذا في المخطوطتين: المدعو إيمانه، ولم أعرف له وجها، انظر جامع البيان ١٣/٤٦٧، فالفقرة مستحصلة منه..
١٣ تفسير عبد الرزاق الصنعاني ٢/٢٥٧، وجامع البيان ١٣/٤٦٨، وتفسير الماوردي ٢/٣٠٨، وتفسير البغوي ٣/٣٤٤، وزاد المسير ٣/٣٣٩..
١٤ صحيفة علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ٢٥٠، وجامع البيان ١٣/٤٦٩، وتفسير ابن كثير ٢/٢٩٧، وفيه: "رواه الحاكم في مستدركه موقوفا، وقال: صحيح ولم يخرجاه، ورواه ابن مردويه من وجه آخر مرفوعا، ولا يصح لضعف إسناده والموقوف أصح"..
١٥ تفسير عبد الرزاق الصنعاني ٢/٢٥٧، وجامع البيان ١٣/٤٦٨، وتفسير البغوي ٣/٣٤٥، وزاد المسير ٣/٣٣٩..
١٦ جامع البيان ١٣/٤٧٠، وتفسير الماوردي ٢/٣٠٨، وتفسير البغوي ٣/٣٤٥، وهو في تفسيره المطبوع ٣٥٣، وتفسير ابن أبي حاتم ٥/١٦٨١، بلفظ: "حتى يتركه لا يعقل"..
١٧ ما بين الهلالين ساقط من ر..
١٨ جامع البيان ١٣/٤٧١، وتفسير الماوردي ٢/٣٠٨، وتفسير البغوي ٣/٣٤٥، وزاد المسير ٣/٣٤٠، وتفسير ابن كثير ٢/٢٩٨..
١٩ هو حكاية ابن الأنباري كما في تفسير الماوردي ٢/٣٠٨، بزيادة في لفظه. وهو في زاد المسير ٣/٣٤٠، من غير عزو..
٢٠ جامع البيان ١٣/٤٧١، بتصرف، وتفسير الماوردي ٢/٣٠٨، وزاد المسير ٣/٣٩٩، بألفاظ متقاربة..
٢١ ق آية ١٦، ومستهل الآية: ﴿ولقد خلقنا الانسان ونعلم ما توسوس به نفسه﴾..
٢٢ في الأصل: بقلوب إليه العباد، ولا معنى له..
٢٣ في المخطوطتين: ولا يغني، بغين معجمة، وهو تصحيف..
٢٤ في الأصل: شيء، وهو خطأ ناسخ..
٢٥ جامع البيان ١٣/٤٧١، ٤٧٢، بتصرف. وفيه: "غير أنه ينبغي أن يقال: إن الله عمّ بقوله: ﴿واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه﴾ الخبر عن أنه يحول بين العبد وقلبه، ولم يخصص من المعاني التي ذكرنا شيئا دون شيء، والكلام محتمل كل هذه المعاني، فالخبر على العموم حتى يخصه ما يجب التسليم له"..
٢٦ مسند أحمد، رقم: ١١٦٦٤، وسنن الترمذي، كتاب: القدر، باب: ما جاء أن القلوب بين أصبعي الرحمن، رقم ٢٠٦٦، بلفظ: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك"..
٢٧ مسند أحمد، رقم ٢٤٩٣٨، بلفظ: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك وطاعتك"..
٢٨ أخرجه البخاري في كتاب القدر، باب: يحول بين المرء وقلبه، رقم ٦١٢٧، وفي كتاب التوحيد، باب: مقلب القلوب، رقم ٦٨٤٢، وفي كتاب الأيمان والنذور، باب: كيف كانت يمين النبي صلى الله عليه وسلم، رقم ٦١٣٨..
٢٩ انظر: الزاهر ١/٨-١٤، والنهاية في غريب الحديث ١/٤٦٢، واللسان / حول..
٣٠ في الأصل: إذا..
٣١ ما بين الهلالين ساقط من "ر"..
٣٢ قال الحافظ ابن حجر في تخريج الكشاف: ذكره الثعلبي بدون سند، انظر: هامش محقق الكشاف ٣/٥٤٩، رقم ٨٩٢.
وقال الحافظ ابن كثير ٣/٤٩١، عند تفسير قوله تعالى: ﴿وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه﴾[الأحزاب آية ٣٧]، "ذكر ابن أبي حاتم، وابن جرير هاهنا آثارا عن بعض السلف رضي الله عنهم، أحببنا أن نضرب عنها صفحا لعدم صحتها فلا نوردها"..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى