الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري
عن الكتاب
معنى الخون : النقص، كما أن معنى الوفاء التمام. ومنه : تخوّنه، إذا تنقصه، ثم استعمل في ضد الأمانة والوفاء، لأنك إذا خنت الرجل في شيء فقد أدخلت عليه النقصان فيه، وقد استعير فقيل : خان الدلو الكرب، وخان المشتار السبب لأنه إذا انقطع به فكأنه لم يف له. ومنه قوله تعالى :﴿وَتَخُونُواْ أماناتكم﴾ والمعنى لا تخونوا الله بأن تعطلوا فرائضه، ورسوله بأن لا تستنوا به. و ﴿أماناتكم﴾ فيما بينكم بأن لا تحفظوها ﴿وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ تبعة ذلك ووباله، وقيل وأنتم تعلمون أنكم تخونون، يعني أن الخيانة توجد منكم عن تعمد لا عن سهو. وقيل : وأنتم علماء تعلمون قبح القبيح وحسن الحسن. وروي : أن نبي الله ﷺ حاصر يهود بني قريظة إحدى وعشرين ليلة فسألوا الصلح كما صالح إخوانهم بني النضير على أن يسيروا إلى أذرعات وأريحاء من أرض الشام، فأبى رسول الله ﷺ إلا أن ينزلوا على حكم سعد ابن معاذ، فأبوا وقالوا : أرسل إلينا أبا لبابة مروان بن عبد المنذر وكان مناصحاً لهم لأنّ عياله وماله في أيديهم، فبعثه إليهم فقالوا له : ما ترى، هل ننزل على حكم سعد ؟ فأشار إلى حلقه إنه الذبح، قال أبو لبابة فما زالت قدماي حتى علمت أني قد خنت الله ورسوله فنزلت، فشدّ نفسه على سارية من سواري المسجد وقال : والله لا أذوق طعاماً ولا شراباً حتى أموت أو يتوب الله عليّ، فمكث سبعة أيام حتى خر مغشياً عليه ثم تاب الله عليه، فقيل له : قد تيب عليك فحل نفسك. فقال : لا والله لا أحلها حتى يكون رسول الله ﷺ هو الذي يحلني، فجاءه فحله بيده فقال : إنّ من تمام توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، وأن أنخلع من مالي. فقال ﷺ : يجزيك الثلث أن تتصدّق به. وعن المغيرة : نزلت في قتل عثمان بن عفان رضي الله عنه. وقيل :﴿أماناتكم﴾ ما ائتمنكم الله عليه من فرائضه وحدوده.
فإن قلت :﴿وَتَخُونُواْ﴾ جزم هو أم نصب ؟ قلت : يحتمل أن يكون جزماً داخلاً في حكم النهي وأن يكون نصباً بإضمار «أن » كقوله :﴿وَتَكْتُمُواْ الحق﴾ [البقرة: ٤٢] وقرأ مجاهد :«وتخونوا أمانتكم »، على التوحيد.
فإن قلت :﴿وَتَخُونُواْ﴾ جزم هو أم نصب ؟ قلت : يحتمل أن يكون جزماً داخلاً في حكم النهي وأن يكون نصباً بإضمار «أن » كقوله :﴿وَتَكْتُمُواْ الحق﴾ [البقرة: ٤٢] وقرأ مجاهد :«وتخونوا أمانتكم »، على التوحيد.