تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
وقوله تعالى :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ ) جعل الله عز وجل، هذه الأمة وسطا عدلا بقوله :( جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس )[البقرة: ١٤٣] فكأنه قال : يا أيها الذين آمنوا قد جعلكم الله أمة عدلا وسطا، فلا تخونوا الله فيه كقوله :( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم ) الآية[النساء: ١٣٥] وقال تعالى :( ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى )[المائدة: ٨] وقال :( إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض )[الأحزاب: ٧٢] أخبر أنه ألزمهم الأمانة ؛ أعني البشر دون ما ذكر من الخلائق.
ثم منهم من ضيع تلك الأمانة تلك الأمانة من نحو المنافقين والمشركين، وخانوا فيها، فلحقهم الوعيد بالتضييع، وهو قوله تعالى :( ليعذب الله المنافقين والمنافقات ) الآية[الأحزاب: ٧٣] فكأنه قال : يا أيها الذين آمنوا قد قبلتم أمانة الله فلا تضيعوها، ولا تخونوا فيها كما قال :( وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم )[النحل: ٩١] [ وقال ][ ساقطة من الأصل وم ] ( وأفوا بعهدي أوف بعهدكم )[البقرة: ٤٠] وغيرها من الآيات التي فيها ذكر الأمانات. نهاهم أن يخونوا فيها، فيكونوا[ في الأصل وم : فيكونون ] كأنهم خانوا أمانتهم.
ويحتمل قوله تعالى :( يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أمانتكم ) أن أنفسكم وأموالكم لله، وهي عندكم أمانة، استحفظكم فيها، فلا تستعلموها في غير ما أذن لكم ؛ لأن من استحفظ أحدا في شيء، ووضع عنده أمانة، فاستعملها في غير ما أذن له، صار خائنا فيها مضيعا[ في الأصل وم : صامنا ] فعلى ذلك أنفسكم وأموالكم لله عندكم أمانة، استحفظكم فيها، فإذا استعملتموها[ في الأصل وم : استعملتم ] في غير ما أذن لكم فيها خنتم الله والرسول فيها، فتخونون[ في الأصل وم : فتخونوا ] أماناتكم التي لكم عند الله إذا ضيعتم الأمانة كقوله تعالى :( وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم )[البقرة: ٤٠].
وقال بعضهم : قوله :( وتخونوا أماناتكم ) التي في ما بينكم.
وأصله أن الله عز وجل امتحنهم لمنافع أنفسهم ولحاجتهم، فيصيرون في ما خانوا في ما امتحنهم كأنهم[ في الأصل وم : كانوا ] خانوا أنفسهم، وخانوا أماناتهم كقوله تعالى :( وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون )[البقرة: ٥٧] وقوله تعالى :( إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها )[الإسراء: ٧] وقوله تعالى :( من عمل صالحا فلنفسه )الآية[فصلت: ٤٦].
ثم خيانة المنافقين والمشركين في الدين، وخيانة المؤمنين في أفعالهم، وعد لهم التوبة عن خيانتهم، ووعد أولئك على ما خانوا بقوله تعالى :( ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات )[الأحزاب: ٧٣].
وقوله تعالى :( وأنتم تعلمون ) أن أنفسكم وأموالكم ليست لكم، إنما هي لله عندكم أمانة، فلا تخونوا فيها.
وعن ابن عباس :[ أنه ][ ساقطة من الأصل وم ] قال : الأمانة الأعمال التي ائتمن الله عليها العباد ؛ يعني الفريضة. يقول : لا تخونوا الله، أي لا تنقضوا.
ثم اختلف أهل التأويل في نزول الآية : قال بعضهم : نزلت في أبي لبابة [ ابن عبد المنذر ][ ساقطة من الأصل وم ] ؛ وذلك ما قيل في بعض القصة : إن النبي ﷺ حاصر يهود قريظة، فسألوا الصلح على أن يسيروا إلى إخوانهم إلى أذرعات، فأبى النبي إلا أن ينزلوا على الحكم، فأبوا، وقالوا[ الواو ساقطة من الأصل وم ] : فأرسل إلينا أنا لبابة، وكان مناصحهم، فبعثه النبي إليهم. فلما أتاهم قالوا : يا أبا لبابة أننزل على حكم محمد، فأشار أبو لبابة بيده ؛ أي لا تنزلوا على الحكم، فأطاعوا. وكان أبو لبابة، ماله وولده معهم /١٩٨-ب/ن فخان المسلمين.
[ وقيل : نزلت ][ في الأصل وم : فنزلت ] الآية في شأن حاطب بن [ أبي ][ ساقطة من الأصل وم ] بلتعة، فعل ما فعل أبو لبابة. وقيل : نزلت في شأن قوم، بينهم وبين رسول الله عهد الذين كانوا يعبدون الأصنام. لكنا لا ندري في شأن من نزلت ؟ وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة سوى أن فيه ما ذكرنا من النهي في الخيانة في أمانة الله تعالى والأمر بحفظها، والله أعلم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى