التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم حكى القرآن بعد ذلك جانبا من الدعاوى الكاذبة التي تفوه بها المشركون فقال - تعالى - ﴿وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هذا إِنْ هاذآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأولين﴾.
وقد ذكر كثير من المفسرين " أن القائل لهذا القول : النضر بن الحارث ؛ فإنه كان قد ذهب إلا بلاد فارس فأحضر منها قصصاً عن ملوكهم.. ولما قدم مكة ووجد رسول الله - ﷺ - يتلو القرآن قال للمشركين : لو شئت لقلت مثل هذا، وكان - ﷺ إذا قام من مجلس، جاء بعده النضر فجلس فيه وحدث المشركين بأخبار ملوك الفرس والروم، وغيرهم ثم قال : أينا أحس قصصا ؟ أنا أو محمد ؟ وقد أمكن الله منه يوم بدر، فقد أسره المقداد بن عمرو، فأمر النبى - ﷺ - بضرب عنقه وقال فيه : " إنه كان يقول في كتاب الله - عز وجل - ما يقول " ".
وأسند - سبحانه - قول النضر إلى جميع المشركين، لأنهم كانوا راضين بقوله، ولأنه كان من زعمائهم الذين يقودونهم إلى طريق الغواية.
والأساطير - كما يقول ابن جرير - : جمع أسطر، لأن واحد الأسطر سطر. ثم يجمع السطر : أسطر وسطور، ثم يجمع الأسطر أساطير وأساطر. وقد كان بعض أهل العربية يقول : واحد الأساطير : أسطورة - كأحاديث وأحدوثة.
والمراد بها : تلك القصص والحكايات التي كتبها الكاتبون عن القدامى، والتى يغلب عليها طابع الخرافة والتخيلات التي لا حقيقة لها.
والمعنى : أن هؤلاء المشركين قد بلغ بهم الكذب والتمادى في الطغيان، أنهم كانوا إذا تتلى عليهم آيات الله ﴿قَالُواْ﴾ بصفاته ووقاحة :﴿قَدْ سَمِعْنَا﴾ أى : قد معنا ما قرأته علينا - يا محمد - ووعيناه ﴿لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هذا﴾ أي لو نشاء لقلنا مثل هذا القرآن الذي تتلوه علينا يا محمد وما هو إلا من قصص الأولين وحكاياتهم التي سطرها بعضهم عنهم وليس من عند الله - تعالى -.
ولا شك أن قولهم هذا يدل على تعمدهم الكذب على أنفسهم وعلى الناس فإن هذا القرآن - الذي زعموا أنهم لو شاءوا لقالوا مثله - قد تحداهم في نهاية المطاف أن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا وانقلبوا خاسرين.
والذى نعتقده أن قولهم هذا، ما هو إلا من قبيل الحرب النفسية التي كاوا يشنونها على الدعوة الإِسلامية، بقصد تضليل البسطاء، والوقوف في وجه تأثير القرآن في القلوب، ومحاولة طمس معالم الحق ولو إلى حين.
ولكنهم لم يفلحوا. فإن نور الحق لا تحجبه الشبهات الزائفة، ولا يعدم الحق أن يجد له أنصاراً حتى من أعدائه، يكفى هنا أن نستشهد بما قاله الوليد بن المغيرة في وصف القرآن الكريم : " إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن اسفله لمغدق، وإن أعلاه لمثمر.. وما يقول هذا بشر ".
ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره لقوله - تعالى - ﴿لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هذا...﴾ : نفاجة منهم وصلت تحت الراعدة، فإنهم لم تيوانوا في مشيئتهم لو ساعدتهم الاستطاعة، وإلا فما منعهم إن كانوا مستطيعين أن يشاؤوا غلبة من تحداهم وقرعهم بالعجز حتى يفوزوا بالقدح المعلى دونه، مع فرط أنفتهم، واستنكافهم أن يغلبوا في باب البيان خاصة..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى