اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله :﴿وَإِذْ قَالُواْ اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق﴾.
نزلت في النضر بن الحارث من بني عبد الدَّارِ.
قال ابنُ عباسٍ : لمَّا قصَّ رسولُ الله ﷺ شأن القرون الماضية قال النَّضْرُ : لو شئت لقلتُ مثل هذا إن هذا إلا ما سطر الأوَّلُونَ في كتبهم.
فقال له عثمانُ بن مظعون : اتق الله فإن محمداً يقول الحقَّ، قال : وأنا أقول الحق.
قال عثمان : فإنَّ محمداً يقول : لا إله إلاَّ الله، قال : وأنا أقول : لا إله إلا الله ولكن هذه بنات الله، يعني : الأصنام.
ثم قال :﴿اللهم إِن كَانَ هذا﴾ الذي يقوله محمد " هُو الحقَّ من عندكَ " (١).
فإن قيل : في الآية إشكال من وجهين :
أحدهما : أن قوله ﴿اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق﴾ الآية. حكاهُ الله عن كلام الكُفَّار، وهو من جنس نظم القرآن، فقد حصلت المعارضة في هذا وحكي عنهم في سورة الإسراء قولهم :﴿لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرض يَنْبُوعاً﴾ [الإسراء: ٩٠] الآيات، وهذا أيضاً كلامُ الكُفَّار فقد حصل من كلامهم ما يشبه نظم القرآن، فدلَّ على حصول المعارضة.
الوجه الثاني : أنَّ كفار قريش كانُوا معترفين بوجود الإله، وقدرته، وكانوا قد سمعوا التَّهديد الكثير من محمد ﷺ في نزول العذاب، فلو كان القرآن معجزاً لعرفوا كونه معجزاً، لأنهم أرباب الفصاحةِ والبلاغةِ، ولو عرفوا ذلك لكان أقلّ الأحوال أن يَشُكُّوا في نبوَّة محمد - عليه الصَّلاة والسَّلام -، ولو كانُوا كذلك لما أقدموا على قولهم :﴿اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السماء﴾ ؛ لأن الشَّاك لا يتجاسر على مثل هذه المبالغة وحيث أتوا بهذه المبالغة علمنا أنَّه ما لاح لهم في القرآن وجه من الوجوه المعجزة.
فالجواب عن الأول : أنَّ الإتيان بهذا القدر من الكلامِ لا يكفي في حصول المعارضة ؛ لأنَّ هذا القدر كلام قليل لا يظهر فيه وجوه الفصاحة والبلاغة.
والجوابُ عن الثَّانِي : هَبْ أنَّه لم يظهر لهم الوجه في كون القرآن معجزاً إلاَّ أنَّهُ لما كان معجزاً في نفسه، فسواء عرفوا ذلك الوجه أو لم يعرفوا فإنه لا يتفاوت الحال.
قوله " هُو الحقَّ " العامَّةُ على نصب " الحقَّ " وهو خبر الكون، و " هُوَ " فصل، وقد تقدَّم الكلام عليه.
وقال الأخفشُ :" هو " زائد، ومرادُه ما تقدَّم من كونه فصلاً.
وقرأ الأعمش(٢)، وزيدُ بن علي : برفع " الحقَّ " ووجهها ظاهرٌ، برفع " هُوَ " بالابتداء و " الحق " خبره، والجملةُ خبرُ الكونِ ؛ كقوله :[ الطويل ]
تَحِنُّ إلَى لَيْلَى وأنْتَ تَركْتَهَاوكُنْتَ عليْهَا بالمَلا أنْتَ أقْدَرُ(٣)
وهي لغةُ تميم. وقال ابن عطية : ويجوز في العربية رفع " الحقّ " على خبر " هو " والجملة خبر ل " كان ".
قال الزَّجَّاجُ(٤) " ولا أعلم أحداً قرأ بهذا الجائز "، وقد ظهر من قَرأَ به وهما رجلان جليلان.
قوله :" مِنْ عندِكَ " حال من معنى " الحَقّ " : أي : الثَّابت حال كونه من عندك.
وقوله " مِنَ السَّماءِ " فيه وجهان :
أحدهما : أنَّهُ متعلقٌٌ بالفعل قبله.
والثاني : أنه صفة ل " حِجَارةً " فيتعلقُ بمحذوفٍ.
وقوله :" مِنَ السَّماءِ " مع أنَّ المطر لا يكون إلاَّ منها، قال الزمخشريُّ :" كأنه أراد أن يقال : فأمطرْ علينا السِّجِّيلَ، فوضع حجارة من السماء موضع السِّجِّيل كما يقال : صب عليه مسرودةً من حديد، تريدُ درعاً ".
قال أبو حيان(٥) :" إنَّهُ يريد بذلك التَّأكيد " قال :" كَمَا أنَّ قوله :" من حديد " معناه التأكيد ؛ لأنَّ المسرودَ لا يكون إلاَّ من حديدٍ، كما أنَّ الأمطارَ لا تكونُ إلاَّ من السَّماءِ ".
وقال ابنُ عطيَّة(٦) :" قولهم " مِنَ السَّماءِ " مبالغة وإغراق ".
قال أبو حيَّان :" والذي يظهر أنَّ حكمة قولهم :" مِنَ السَّماءِ " هي مقابلتُهم مجيءَ الأمطارِ من الجهة التي ذكر عليه الصلاة والسلام أنه يأتيه الوحي من جهتها، أي : إنَّك تذكر أن الوحي يأتيك من السَّماءِ، فأتِنَا بالعذاب من الجهة التَّي يأتيك الوحي منها، قالوه استبعاداً له ".

فصل


قال عطاءٌ :" لقد نزل في النضر بن الحارث بضع عشرة آية فحاق به ما سأل من العذاب يوم بدر " (٧).
قال سعيدُ بنُ جبيرٍ " قتل رسولُ الله ﷺ يوم بدرٍ ثلاثةً من قريشٍ صبراً طعيمة بن عدي، وعقبة بن أبي معيطٍ، والنَّضْر بن الحارث(٨) ". وروى أنس أن الذي قال هذا الكلام أبُو جُهْلٍ(٩).
١ ذكره البغوي في "معالم التنزيل" (٢/٢٤٥)..
٢ ينظر: الكشاف ٢/٢١٦-٢١٧، المحرر الوجيز ٢/٥٢١، البحر المحيط ٤/٤٨٢، الدر المصون ٣/٤١٥..
٣ تقدم..
٤ ينظر: معاني القرآن للزجاج ٢/٤٥٥..
٥ ينظر: البحر المحيط ٤/٤٨٢..
٦ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٥٢١..
٧ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٢٣١) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٣/٣٢٨) وعزاه للطبري. وذكره البغوي في "معالم التنزيل" (٢/٢٤٥)..
٨ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٢٣٠) وذكره البغوي في "معالم التنزيل" (٢/٢٤٥)..
٩ أخرجه البخاري (٨/١٥٨) كتاب التفسير: باب وإذ قالوا الله إن كان هذا هو الحق من عندك... حديث (٤٦٤٨) والبيهقي في "دلائل النبوة" (٣/٧٥) عن أنس.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٣/٣٢٧-٣٢٨) وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم وأبي الشيخ وابن مردويه..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى